“فظمه”.. اشعيطيط” ، شخصيات أسبوع ماراتون التنابز / الدهماء

نتفق شعبيا على أن “فظمه” لفظة قدحية استهزائيه،.. ومنذ أسبوع وهي تكسب شبابا متأخرا على أيدي “الفسابكة” في عالم الأزرق، فازدادت الشابات الجريئات بواحدة،.. و”فظمه” ليست موضة عارضة، هي بنت بلد متوطنة في الصراع السياسي الغابر.

يقال إن “فظمه” من رواسب الصِّراعات العقدية القديمة والمتعددة بين “الخارجية الأباضية”، و”الشيعية الإسماعيلية”، وهي بعض المذاهب التي عرفها الغرب الإسلامي، قبل أن يسْتَتِبَّ أمره لهيمنة العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي السُّني في القرن الرابع الهجري، العشر ميلادي وما بعده.

المفارقة، أن المجتمع ورث التعامل مع هذا الصراع، و انغرس في لاوعيه من غير وعي منه،.. فهو يستخدم اسم “فاطمة” استخداما متناقضا، يمجِّده لكونه يحيل إلى اسم سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء، رضي الله عنها، و ما وضع عليه خطها دخل مطلقا في حوزة الحماية المقدسة، وهو جانب الاستخدام الشيعي،..

تَحَوَّر الاسم في لغة البربر “لفاظمه، وفظمه، وفاظمذن” بحلول الظاء محل الطاء.. ووُجد اسم “فاظيم” حتى أجيال قريبة في بعض مجتمعاتنا المحلية.. وينتشر اسم “فظمة” و”فاظمة” بكثرة في أوساط أمازيغ المغرب إلى اليوم.. مثلا شاعرة أمازيغية مشهورة تدعى ” فظمة الورياشي”..ومنها مثلا منطقة “ستي فاظمة” (سيدتي فاطمة) بإقليم “الحوز”، الذي يقع ضمن سلسلة جبال الأطلس.

على الجبهة الأخرى أُفرغتْ التسمية من دلالاتها الأصلية لصالح وظيفة اجتماعية “لفظمه” ككائن سلبي، فاعل بقوة،.. سيكسبها الخيال الشعبي صفة قَدريَّة فائقة على تعطيل الأسباب، و إصابة الأشياء إصابة لا مرد لها، تنزع البركة مما حلت فيه وتفرغه من قيمة الخير والمنفعة بشكل أزلي.. وهو جانب استخدام رواسب الصراع المعاكس.

“فظمتنا” المحلية منزوعة الدسم والقيم،.. لكنها تستحق إعادة شحن الشهرة، فقد نجحتْ في أن تعيدنا لاستهلاك مصطلحات كان قد ثلمها الزَّمن، و توقَّف نبضها طويلا بفضل مستوًى من الوعي (كُنَّا) عليه..

لقد استغلت السيدة “فظمه” ثغرة في دستور الاخلاق، مكَّنتها من جمع أدوات غريبة جعلت منها حُجَّة منابر، وصيَّرتها أيقونة تعبير،.. هيّ اليوم تنافس بجدارة “ورخست” ووصيفاتها من أخوات أوجه القباحة في الألفاظ التبخيسية،.. اتسع حجم “فظمتنا” لتبتلع الرئيس والقاضي والشرطي والوزير،… وواصلت زحفها، تكتسح كذا من رمزٍ سياديٍّ، .. فهي لا تحب الفرائس السَّهلة، وتنتقي دومًا الثوابت الوطنية، الدينية والأخلاقية،..
تتابع “فظمه” التَّضخم، .. مستهلكة كل مُضرٍّ بالصحة العامة ،.. ستحتاج مع الوقت لمشدات أثداء وأرداف عملاقة، مادامت مجتهدة في متابعة تحقيق ذاتها بهذا الحجم الوبال،..

حين تهُمّ “فظمتنا” وتعتزم الهجوم تفقد رقتها الأنثوية،.. تكون مخنثة التحرش حتَّى،… فقد تجمع الصَّحافة والعلماء في سرير واحد.. وإن قرأت الفاتحة على حافة السرير، تظل العصمة بيدها.
استحقت “فظمه” مقامها بجدارة، لا مِنَّة لأحدٍ من أسخياء منح الألقاب المجانية عليها،.. هي دلُّوعة، يغضبها من يطالبها بالاغتسال من ذنبها بالهبوط في الشعبوية، فهي هابطة فيها عن وعي، لا عن غفلة.. تقاوم “فظمه” ولا تساوم على رخصها، وترفض البقاء على الحياد في أوقات المعارك الأخلاقية، ضحاياها منهم من من هلك مثل “الثقة” ومنهم من ينتظر نحبه مثل “السِّلم”.

مدَّتْ “فظمه” لسانها اتجاه “الواتس آب”، وهو مرحاضٌ لكل اسهالٍ لفظي بذيء،..هذا الفاسق الإلكتروني المنسلخ عن المصداقية وعفَّة اللسان،..هو من فئة (ان جاءكم فاسق بنبإ)..وهو يجعلنا قوم جاهلية لا نَتبيَّن، ولا نَعلم إلا بعد أن نندم… تُودِعه “فظمه” شفرة نجاحها من كذب بالسَّقط، إلى تَقوُّلٍ بالجملة، يُتداولُ فيه سقط كلامها الذي يزداد وزنه حتى يلبس كفن الحقيقة الفاجرة، لكنه لا يموت قبل أن يَعيث بطشًا في أذهان البسطاء.

من أمتع الفواصل في مسرحية التَّنابز هذا الأسبوع، ظهور جد “البيظان” المسمى ” اشعيطيط”،.. هذه الشخصية جعلتني استهلك رصيدي لأسبوع من الضحك في دقائق، افشى الاسم المرح في دواخلي، وذكَّرني بحادثة مع صغيري،.. فقبل سنوات عثرنا في الأرشيف الفرنسي على صورة لجدِّنا، التقطتْ له ربما في بداية الأربعينات مع صور لبعض وجهاء القبائل حينها،.. أظهَرَتْهم الصّور بشَعْرٍ منفوش، طلعه كأنه رؤوس “أهل بسم الله الرحمن الرحيم”، والعيون زائغة،.. يتفاوتون في اللبس بين “ادرابيل” و”ادراريع” قلت لصغيري: «هذا جدّكَ» ، فأجابني:«لا أبدا، ربما هو جدك أنتِ»،.. قلتُ:« إن كان جدي، فذلك لا يعفيك من كونه جدّك»،.. صرخ:« هذا الكائن لا أريد أن يكون جدي».. حاولتُ أن أُلمِّعَ له صورة “اشعيطيطي” ، ببعضِ غابرِ الأمجاد التي يروي أحفاد “اشعيطيطات” عادة عن آبائهم، فكرَّر الطفل في امتعاض:« لا يهمني مَنْ كان، المهم أن لا يكون جدي فقط!»… نفس الصُّوَّر عرضتها على ابن أخي المراهق وقتها، فسألني: « هل الصُّور التقطت لهم لحظة بعثهم من القبور؟، إنهم يشبهون ملامح الكاهن الشيطان في فيلم الرسالة »..

استغرقني تأمل صورة الشّخص التي ألْصقَهُ أحد “الفسابكه” على شخصية الجد “اشعيطيط”،.. تخيلته بنفس الملامح، لقد وُفِّق جدا في الحصول على الصّورة التي يوحي بها هذا اسم: “اشعيطيط”، ..

أتصوَّرُ كذلك أن مُبْدع جدِّ “آل شُعْطاط ” الأكارم، حين رغب في بعث جنابه من مرقده، تتبَّع الوصفة التالية: وَضَعَ قُبحًا، زاد عليه رشة سوء سمعة، مع حفنة انتهاكات، ثم صرخ فيه، قُمْ، بإذن الإرث الإنساني!،.. فَوْرًا، بصقت الأرض “اشعيطيط” مُشَعَّث الشّعر، يفوح برائحة المظالم التاريخية، يشدُّ أسماله على وسطه، بلا سروال، في حَرَجٍ يُنْقضُ الوضوء، ويُزمجر:« لِمَ انتهكتم برزخي بعبثكم؟، ماذا تريدون؟..» ،..«نريد تحقيق العدل في سبيل التاريخ، نريد محاكمتكَ»…«أقبلُ، شرط إجرائها في حيثيات زماني، لا في تصوّرات زمانكم عني».

لو كان الأزرق بَصَقَ أكثر من “اشعيطيط” واحدٍ هذا الأسبوع، كنا وقفنا طوابير أمام “طب جاه”، نستجدي حبوب منع الرعب..

اللهم اصلح أمة محمد، صلى الله عليه وسلم،.. اللهم ألِّفْ بين قلوب ساستنا بما يضمن مصالحهم، عساهم يتركون هذا الشعب المسالم يتعايش في سلام.
……………..
حفظ الله موريتانيا أرضا وأمة

الوسوم