آراءموضوعات رئيسية

من أنا؟.. / ممو الخراش

حين كتبت عن عبد الناصر، كتب إلي صديق جديد للصفحة، يقول: كنت أظنك بعثيا صداميا، فإذا بك تكتب عن ناصر، فقلت له:

أنا ناصري بعثي، وبعثي ناصري، فلست ملزما بالوقوف الحدي عند حدود التجربتين واختلافهما الجزئي، كما لست ملزما بمعاداة من يعاديه البعث تاريخيا، إن عاد ذلك المعادى عن غيه (مع الأسف لم يعد “إيران مثلا”) ولست ملزما بمعاداة من تعاديه الناصرية تاريخيا إن عاد المعادى عن غيه (مع الأسف بعض منهم لم يعد: “المتأسلمون” نموذجا) ولست ملزما بمصادقة من صادقوه، لهم الفترة التي عاشوا فيها، وهم معذورون بالنظر إلى السياق، ومعترف لهم بما لهم، ومعترف عليهم بما عليهم. ولن أعيش في جلبابهم. لكنني سائر على النهج العام الذي سلكوه، ولا أرى منصفا من لا يراهم معبرين عن وجدان الأمة، ورموزا تاريخيين لها.

أيها الصديق، لقد تعرفت على صدام وناصر في فترة واحدو، فالجيل “العصري” الأول من أبناء قريتي كانوا ناصريين، وكانت مدرسة الشهيد أول مدرسة سمعت باسمها بعد مدرسة “بتافراوت” كما كانت جمعية “غرناطة” أول جمعية أرى اسمها مكتوبا، بعد الرابطة التنموية لقريتي، وكان في المخزن صندوق “من صناديق الشهره” مكتظ بكتب الناصرية والناصريين.

وفي المقابل، كنت أستمتع بأحاديث الشيوخ والشباب من أبناء قريتي عن شجاعة صدام، وكانوا يؤيدونه تأييدا مطلقا، ويعذرونه في غزو الكويت، ويقيمون حملات التضرع والدعاء:

يقول الشاعر سيدينا بن ابد (توفي عن عمر ناهز 24 سنة): (أكلال)

“يال في الملك اب لا اشريك @ حد امعاديك اتهينو
يالله اهزم جيش آمريك @ وانصر صدام او عينو”

ويقول الشاعر ديدي ولد لكويري: (لبتيت)

“نفط الكويت ابّيش إدام @ ما ييدم منو كون ال بوش
وامنين اعليه اعثر صدام @ طيّر مغطاية ذاك البوش”

ويقول المرحوم العلامة محمدن بن النيه: (امريميده)

“القصف للمصحف يقصف @ والبيت لحرام وصدام
الله تنصر للمصحف @ صدام والبيت الحرام”

أما شيخي محمد يحيى، رحمه الله، فكان يقول: إن الشجاعة التي ماتت بموت قطري بن الفجاءة بعثت في قلب صدام.

وللأديب الكبير أحمدو بمبه لكويري روائع في هذا المقام.

ويقول المرحوم الشاعر محمدن بن السالك (لبتيت):

“صدام أمنادم لو ما كام @ امساند ذ ماهو مفهوم
وآن بعد امساند صدام @ اسوه ظالم واسوه مظلوم”

والشيح إدومو بن القطب، رحمه الله، كتب منظومة رجزية توسلية لصدام، حفظها الرجال والنساء والأصبياء، وعبرت عن مشاعرهم، منها:

ألحق ببوش منهم خسائرا @ تسير معه حيث كان سائرا
خيب رجاء قائد اليهود @ بجاه نوح وبجاه هود
واجعل قلوب المتحالفينا @ أيا إلهي، متخالفينا

وقد عارضت هذا النظم بآخر مطلعه:

حمدا لمن أمر بالجهاد @ والصبر عند الأزم الشداد

إلى أن أقول واصفا حكام العرب:

حتى إذا ما قرر الغرب الغبي @ غزو الأصيل من بلاد العرب
نكص كلهم على عقبه @ رجاء أن يخلد في منصبه
ما أحوج العرب للنظام @ وقادة تخطو خطى صدام

كنت أستمع إلى الرجل منهم يقول: لقد أنقذني صدام حسين من الموت حرقا، ورائحة الشواء البشري تزكم الأنوف في شوارع داكار وأزقتها.

أبعد هذا – يا صديقي – تستكثر علي أن أكون بعثيا ناصريا، أو ناصريا بعثيا؟ لا تستكثر فقد يكون ذلك نذير شؤم في حياتك، فقبل فترة استغرب الصحفي جمال خاشقجي – رحمه الله – لآخر مرة قبل اغتياله وجود موالين للبعث في موريتانيا، ففككته السعودية – ظلما وعدوانا – على أمل جمع أجزائه مجددا في الرياض، فلم تجتمع! واستكثروا عليه قبرا محدد المعالم.. وكان ينبغي أن يستكثر على الخليج وجود هذه الأجسام الضخمة والعقول الصغيرة:

“جسم البغال وأحلام العصافير”

مات رحمه الله وبقي البعث، فالفكر لا يموت، والموت – حسب درويش:

مسؤول عن الطيني في البشري
لا عن فعله أو قوله

وكذلك مات بوش الأب، وسيموت الابن، وسقط قانون اجتثاث البعث…

ازداد إعجابي بالناصريين حين تأكد أنهم من هز أركان حكم الطاغية ولد الطائع، ولم يعجبني أن لم يجدوا مجيرا بعد فشل محاولتهم، وانتهز النظام الفرصة لتصفية قبيلتي (كنته، وناصر) فوريت ب”ناصر” عن عبد الناصر، مستخدما المعنيين:

لسان حال الأنام اليوم من جزع @ يقول للمستجير اخرج، فلا ناصر
إن كنت من “كنته” لا تمرر بنا أبدا @ ولا تمرّ بنا إن كنت من ناصر
وإن تكن من سوى هذين لا جزعا @ فطب مقاما، وسر فينا ومِنّا صِر

وعلى مستوى المطالعة والإيمان العقلاني، تكفي نظرة بسيطة إلى الواقع العربي لإقناع ذي عقل بالفكر القومي، فما نعانيه كله مرده للتشرذم، والدول الإسلامية المجاورة التي نهضت بنت نهضاتها على أساس قومي، ولو أنها انتظرتنا حتى نتحد معها لكانت الآن في خبر كان، وبعد نهوضها استغلت تخلفنا وبدأت تصدر إلينا وهم الوحدة الإسلامية.

نعم! لست ضد الوحدة الإسلامية، وأطالب بها، وأعلم أنهم لم يخترعوها، لكنهم ألبسوها لبوسا احتلاليا وأعادوها إلينا مضرجة بدماء التبعية والهوان، فلا مرحبا بها الآن، ومرحبا بها بعد استكمال نهضتنا القومية، ووجودنا ندا للدول الأعجمية المسلمة، وليسُد بعدها من شاء أن يسود! عربيا كان أو عجميا لا فرق.

لعلك فهمت من ذلك أن الهاجس الذي يسكنني هو الدفاع عن كرامة الأمة، ورفض أية وحدة تهان فيها أو اتفاق، ويقيني التام الآن أن أية وحدة ستكون على حساب كرامة العرب؛ لأنهم الأضعف.

أرجو أن تكون قد فهمت أنني ناصري وبعثي في الوقت ذاته.

وبعد قراءة الرسالة، رد علي صديقي: أنت ناصري مرتين 😅😅😅 وبعثي. (انظر الصورة)

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى