آراءمواضيع رئيسية

تجار الموت… (حديث معاد)/ أحمد فال سيد احمد

لا خلاف في أن الحكومة مقصرة، ولا تعتني بالمواطنين، وتنهب الأموال العامة ؛ ولا تقدم من الخدمات للشعب إلا النزر اليسير، متبوعا بالمن والأذى.. لكن الشعب أيضا يتحمل جزءا ليس بالقليل مما آلت إليه أوضاعه من سوء… وأكثر أفراد الشعب إساءة إليه هم التجار الذين يستوردون الأدوية المزورة والأطعمة الفاسدة، دون وازع من دين أو أخلاق..

لقد تحولت بلادنا إلى مكب للنفايات ، والمواد والأطعمة والمشروبات المسرطنة ، في غياب تام لرقابة الدولة، وللضمير…. وغياب الرقابة الذاتية أو انعدامها أخطر من غياب رقابة الدولة؛ فأغلب تجارنا لا يملكون من الضمائر إلا ما يحقق لهم الربح السريع، ولو أدى ذلك إلى وفاة نصف الشعب أو ثلثه..
معظم الأدوية التي في السوق مزورة؛ وجل الأطعمة، وخصوصا المعلب منها، فاسدة ومحرمة في دول عدة بالعالم.. وحتى الأواني التي تباع في أسواقنا غير مطابقة للمواصفات والمقاييس العالمية في الجودة، بل ليست قريبة منها..
التقيت مرة في مطار الدار البيضاء بالمغرب مجموعة تجار قادمين من الصين (أغلبهم شباب)، ونظرا لطول ساعات الانتظار كان لا بد من حديث نقطع به الوقت الممل..
سألت أحدهم عن بضاعته و كيف يختارها؛ فقال لي : “الصين تصنع حسب الطلب، والتاجر هو الذي يحدد نوعية تجارته ونسبة الجودة المطلوبة فيها، وتاريخ التسليم.. أنا أتاجر في الفراش والأواني.. أغلب تجار البيظان يطلبون نسبة جودة تتراوح بين 15 و 20 %، وفي بعض البضائع يطلبون نسبة جودة لا تتجاوز 5 %، مثل غراء النعل “كول”، و”الكيسان” وبعض الأواني الأخرى”..
فقلت له : أليست نسبة الجودة هذه قليلة؟ لماذا لا تطلبون نسبة أعلى؟ لماذا تجلبون الموت لشعبكم؟
وقبل أن يجيبني، قال صديقه: “إلين انجيبو تجارة زينة اندورو انبرتو!!”.. فقلت له : كيف؟.. بيعو بسعر يضمن لكم ربحا مريحا؛ لكن لا تقتلوا شعبكم..
فقال: “البضاعه الزينه ما تخسر.. إلين يشري حد ظواية زينة وال كدحان زينين ما اتلاو لاهي يخسروا، وبالتالي ما اتلين لاهي انبيعو.. نحن اندورو شي لاهي يضمن لنا استمرار حركة البيع؛ شي يشريه حد اليوم وإلين إفوت انهارين يخسر، ويرجع يشري شي ثاني..”..
وهنا وقف شعر رأسي ، رغم أنه “مشكرد” ، من شدة الدهشة، وقلت له : يا أخي.. كيف ترضون لأنفسكم أن تثروا على حساب الأرواح؟ .. لقد انتشرت الأمراض في المجتمع بسبب البضائع الفاسدة والمواد المسرطنة التي تبيعون له.. ثم هممت بالوقوف؛ فقال لي أحدهم: هذا أخطر منو الأدوية المزورة، نحن بعد انبيع ألا الكدحان والفراش…
أحدهم أيضا قال لي إنه اشترى بضاعة ، وطلب شحنها إلى السعودية أولا ومنها إلى موريتانيا؛ لكن صاحب المصنع رفض، قائلا إن البضاعة لا يمكن أن تدخل السعودية ، لأنها غير مطابقة للمواصفات والمقاييس في المملكة، وقد تتم مصادرتها في الميناء..
وما خفي أعظم…

التجار أكبر خطرا من الحكومة لأنهم يستوردون الموت في “قوالب” الحياة….
كان الله في عون شعبنا، فقد أحيط به..
الغش التجاري معضلة كبيرة تعاني مختلف دول العالم وتحاربها، أما عندنا فالدولة غير مهتمة، والتجار تخلوا عن ضمائرهم، وأعماهم الجشع؛ وإن كان التعميم لا ينبغي طبعا…

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم