آراءمواضيع رئيسية

رسالة عتب/ الدكتور سيد احمد ولد البشير

أخي الفاضل،  قررت اليوم أن أحل ضيفا عليك بهذه الرسالة متمنيا أن تقرأها و أنت بكل خير و سرور.

أهلنا، في عمومهم بخير و لله الحمد. من أخبارنا، هذه الأيام، أننا نعيش على إيقاعات متعددة، منها انتخابات رئاسية مفصلية و منها قضية الشيخ الرضى و منها جرائم غريبة على مجتمعنا مرتبطة بالإهمال المدرسي و بغياب دور الأسرة.

موضوع رسالتي أخي الكريم هو غير ذلك كله. إنني أريد أن أكلمك عن واقع أمتنا الأليم في وقت أعرف فيه أن الكلام عنه أصبح حديثا معادا لكثرة من تكلموا و لطول الأمد. كما أنني مدرك أنه أصبح تراشقا بين أطراف صنعهم المناخ القائم بعد أن عودهم على تتفيه المهم و الاهتمام بالتافه… و جزائر النخوة و الوضوء تتعرض هذه الأيام هي الأخرى، لموجة مظاهرات تشبه إلى حد ما أحداثا كانت بالنسبة للبعض ثورة ربيعية محدودة بعمر فصل من فصول السنة، تفضي إلى عالم أجمل و هي بالنسبة للبعض الآخر، هشيما ملتهبا ينضاف إلى العذابات الروتينية المستديمة لهذه الأمة المنكوبة منذ نكسة الأندلس …!

أخي الكريم إن الحديث عن هذه الأحداث يمليه ضمير الانتماء. فهذه الأمة المتألمة، هي بكل بساطة أمتي المفقودة و هويتي الحق … و هي أمتك و هويتك ! لا تغرنك الهويات المصطنعة الحديثة ! فهي ليست إلا تقزيم يسهر عليه أناس أجانب حباهم الله بقوة و سلطة هذا العصر..

للحديث عن هذا الموضوع سأسترسل في نقاط عدة. منها مسلمات متعارف عليها و منها قراءات مقتضبة لبعض ملامح مشهد الواقع و منها خلاصة.

  1. المسلمات

مسلمتي الأولى عن الحقيقة. لا توجد حقيقة مطلقة على أرض الفناء كما تعلم. و ما نقدمه هنا مجرد اجتهاد برأي. إن أصبنا فلنا أجر الاجتهاد و أجر الإصابة و إن  أخطأنا فلنا أجر الاجتهاد فقط… هذه المسلمة لا لبس فيها و هي من مسلمات حضارتنا العريقة. ألم يقل الإمام الشافعي : “رأيي صواب يحتمل الخطأ و رأي غيري خطأ يحتمل الصواب” ؟ ألم ينشد أبو نواس : “قل لمن يدعي في العلم فلسفة حفظت شيأ و غابت عنك أشياء”؟

مسلمتي الثانية عن أهمية معرفة الذات. يقول أرسطو ما مفاده أن من لا يعرف نفسه لن يعرف مجده ! إن من لا يعرفون حقيقة حالهم و لا يرون الفرق الشاسع الحاصل بينهم و بين من هم حولهم و لا يقدرون حال بيوتهم الوديعة في وجه ناطحات سحب غيرهم و يعتقدون أن ناطحات السحب المشيدة في أرضهم ملك لهم…هؤلاء لابد أنهم مستغفلون و لابد أن حالهم في سباق الزمن كحال متسابقين عمي وهم يجارون من يتربصون بهم في مسار محفوف بالمخاطر…

مسلمتي الثالثة عن تناقض القراءات حسب منطلقها. أغلب الناس يقرءون الأحداث انطلاقا من جزئياتها،  وهم  بذلك، يفقدون الإلمام بأكثرها و يسيؤون قراءة ما تناولوا منها. فالفسيفساء مرتبط بعضها ببعض برباط وثيق. و لا غنى لأي جزء منها عن الآخر… أقلية هم من يحرصون على القراءة البانورامية. و هي القراءة التي تتجنب التيه في التفاصيل المضللة التي تتشكل أخطر تجلياتها على البشرية في تلك التقوقعات الأيديولوجية و العرقية و المذهبية…إلى آخر اللائحة.

مسلمتي الرابعة عن غفلة الشباب المؤذية. إن افترضنا جدلا أن الحياة الدنيا مسألة عبور لجبل سميك و مرتفع، فإن جيل الشباب هو المتزامن مع مرحلة الصعود و جيل سن الرشد هو المتزامن مع مرحلة النزول… و علوم الديموغرافيا تفسر جيدا كيف ينقص عدد البشر كلما تقدم العمر. لاسيما إذا تعلق الأمر بالشعوب المستضعفة المبتلاة بالجهل و الفقر و المرض . لذلك ترى في حالتنا أن الحافة الأولى ملآ و الثانية فيها أفرادا قليلون متناثرون. ذلك لأن الشباب يشكلون نسبة تناهز ٨٠%. و علة الشباب كما تعلم، أنهم لا يقيمون كثير حسابات لما وراء الأفق… الذين يحسبون للأمور حسابها تجدهم في الفئة القليلة المثقلة بآثار الزمن و المكبلة بمسؤوليات البيت. هؤلاء إن قدر لهم أن صوتوا، لن يعلو صوتهم أبدا فوق صوت الشباب الصاخب في الملاعب و ساحات اللهو…

لهذا سيظل حالنا المزري و مآلنا الضائع تحت رحمة المتربصين بنا…

مسلمتي الخامسة عن خطورة الفراغ. إن من غاب يبقي سهمه قائما ! و نحن الغائب الأكبر في هذا العصر و قد أضحت أسهمنا من المنابر الهامة رهائن مغتصبة !

فلا المؤتمرات و لا الجامعات و لا الاتحادات و لا المنظمات و لا البنوك التي تدعي خدمتنا تفعل ذلك حقا…. كل تلك المؤسسات لها في زمن الغياب هذا خطها المغتصب الغريب…

  1. القراءات

قراءتي الأولى تتعلق بقيام عالم من صناعة وكالات الأنباء و ومشتقاتها، مواز لواقعنا و غالب عليه. إن عصرنا يتميز بتحولات غريبة في مجال الرأي العام تصل درجتها إلى صنع عوالم بديلة بسهولة عجيبة تشرق الشمس عنها و هي غير موجودة لتتفتق الأعين عليها في الصباح قائمة كفطر الخريف….

لعل التجرد من جاذبية الواقع من ناحية و اتساع الخيال لكل شيء من ناحية أخرى هما السبب في سهولة ذلك…

إن هذه العوالم المصطنعة تتميز بوجود فرق شاسع بينها و بين الواقع لمن يعيشه. و هي أنواع، منها ما بني على حقيقة صغيرة مثل ما تم من تضخيم لتظاهرات صغيرة في بداية حرب سوريا و منها ما بني على العدم، كسقوط طرابلس الغرب قبل سقوطها الفعلي…. و منها أيضا مصادرة آراء المستهدفين و إذلالها كما حدث للنظام الليبي قبل سقوطه. و منها كذلك نوع يعطي دويا صاخبا لتفجيرات، قد تكون بسيطة،  لزرع الرعب في مناطق مستهدفة….

و لدي شاهدين متواضعين على ما أقول: شاهدي الأول عن مؤسسة من مؤسساتنا. خرجت بعد الظهيرة منها مثقلة بمشاكل بنيوية و بشرية و تنظيمية عميقة. و في سكون الليل سمعت صحفيا يصنع منها مؤسسة رائدة في المنطقة و عقدا مرصعا بالجواهر النفيسة و يصفها بالمفخرة الوطنية التي لا تضاهى…. كدت سأعتقدها كذلك لولا عودتي إليها في الصباح الموالي…. أما شاهدي الثاني فهو عن مقام في دولة ثرية خاضعة لأطماع ضباع العالم. المستمع لوسائل إعلام الطامعين فيها يخيل إليه أنها ساحة معركة مفتوحة يسكنها دخان لا يزول و حطامها لا يهدأ له صخب. أما أنا المقيم فيها فلم أشهد إلا حياة طبيعية و آمنة كما عهدتها في أي مكان آخر .

فلا شك أن ذروة أسلحة أصحاب الثورة الصناعية المهيمنين في عصرنا و المستهدفين لأمتنا المليارية اليوم هي تحكمهم في خلق الرأي العام و توجيهه إلى ما تقتضيه غزواتهم… إن خطورة هذا السلاح تكمن في أنك ما إن تصدقه حتى يدخلك في متاهات متفاقمة كتفاقم كرة ثلج متدحرجة لا آخر لها…

و يمتلك الغرب كل الوسائل و التسهيلات من أجل صنع ذلك الرأي. فهم المتحكمون في ناصية المال العالمي، و هم أصحاب السبق المتقدم جدا في العلوم و التكنولوجيا و التخطيط و هم أصحاب السند التنظيمي القوي الذي يعتمد على مؤسسات كبيرة كمؤسسات الأمم المتحدة العظيمة و هم أخيرا و ليس آخرا من يتحكمون في أكثر من ٩٥% من المعلومات المتحركة في العالم بواسطة وكالات قوية مثل وكالة أسوسيتيد ابريس و وكالة رويترز، في وقت يغيب فيه عالمنا الإسلامي تماما عن ذلك…

من الطبيعي إذا أن نراهم و قد ملأت وكالات أنبائهم الأرض و السماء و ما بينهما بما يوجه الناس نحو أهدافهم و من الطبيعي أيضا أنهم استطاعوا و في وقت قصير نسبيا من تغيير البوصلات فينا و تغيير الجغرافيا و تغيير الوعي و تغيير نمط التفكير….

و خلاصة القول إذا هي أننا غارقون في عصرهم إلا من رحم ربنا..

قراءتي الثانية عن هيمنة الخدع في عصرنا. إن الغاية تبرر الوسيلة كما تعلم… و الحياة على وجه الأرض ملآ بالأمثلة على ذلك.

من خدع الطبيعة مثلا تلك التي يقوم بها ذكر البعوض عندما يرفرف جناحيه بالقرب من أذن أحدنا ليلفت انتباهنا عن عملية امتصاص قائمة لدمائنا تقوم بها رفيقته الأنثى

و من الخدع في مجتمع المدن سأذكر مثالين. الأول هو ما يجري في حافلات النقل العمومي في المدن الكبرى مثلا، كأن يجلس بجنبيك لصان يشغلك من هو على يمينك بالحديث الذي يستهويك و في أثناء ذلك يقوم الآخر بقطع جيوبك دون أن تشعر.. و المثال الثاني أذكره لإثراء الموضوع و نظرا لتشابه ظرفه مع ظرفنا الحالي. أتذكر أن مشعوذا انتهز فرصة أطماع انتخابية ليحصل على مال وفير بعد أن استطاع إقناع طاقم مرشح لمنصب هام أنه سيساعدهم بالظفر به. و لهم عليه برهان على ذلك و هو إخراج صورة مرشحهم من بيضة مسلوقة…. و هذا ماتم بالفعل فكسب المشعوذ المال و لكن المرشح خسر الرهانين…! أما الحيلة فهي بسيطة : تم إدخال صورة المرشح ليلا، عبر شرطة رقيقة في بيضة لينت مسبقا بحمض الخليك (Vinaigre)  لتفقس بعد جفافها و غليها في الصباح الموالي في جو مفعم بالطقوس أمام طاقم مذهول…

و من الخدع أيضا ما جاء في الكتب، ألم يخدع الثعلب على الأرض الغراب في أعالي الأغصان  بخديعة بسيطة معروفة..؟

هذه الأمثلة كلها ذكرتها لأصل بك أخي الكريم إلى الخدعة “بيت القصيد” و ذلك لما يترتب عليها من أضرار على حياتنا جميعا حاضرا و مستقبلا. فهي خدعة عصرنا الكبرى التي استطاعت أن تقنع تنظيما من عشرات الملايين من المناضلين المؤدلجين الطيبين بأن يربطوا مصيرهم بدولة محاطة بأكبر قاعدة أمريكية في العالم و هي بالتالي لا تملك قرارها كما أنها لا تحمل مشروعا ذاتيا مبني على مؤلفات فكرية واضحة و هي من أصغر بلدان المنطقة مساحة و عدد سكان… و كأنني بهذه الخدعة أرى نملة تقود قافلة أصيلة أو مسمارا رقيقا و صغيرا يثبت لواجم خيل حرائر جوامح… و أقل ما في هذه الخدعة أنها تشكل هدرا لطاقات نحن في أمس الحاجة إليها…

قراءتي الثالثة عن وجود مؤامرة. إن من لا يرى أننا محل تنفيذ لمخطط كوني، واضح الأهداف، محكم الإخراج و كامل الآليات، إما أنه معصب العينين أو غارق في بحر المؤامرة…! لن أعود إلى الكلام عن بدء هذا المخطط، و لا عن دور المؤسسات العالمية في تنفيذه، و لا عن حملات تعليم العربية الهادفة إلى خلق شعوب متفاعلة مع سموم الفضائيات اللاحقة.

كما أنني لن أتكلم عن احتراق البوعزيزي و ظروفه وانطلاق المسيرات و تكلم فوهات المدافع و سيلان وديان الدماء و هجرة الأكباد و تغيير الخرائط و تبديل الأعلام..  فالكلام  عن كل تلك النقاط مهما كان مفصلا سيكون مقصرا…

هذا و إن هذه المؤامرة ستتخللها، عمليات ذر للرماد. فكلما وصلت درجة البشاعة إلى أوجها، يأتيك أحدهم بهبات إعادة ترميم منمقة لن ترد أبدا، عينا لمقلتها و لا سعادة لمكانها و لا مستقبلا لسكته… و لن ترد كذلك أما ميتة لرضيعها و لا معيلا مفقودا لعياله..

قراءتي الرابعة عن دكتاتورية الديمقراطية. في هذه القراءة إشارة إلى دور تربية ما قبل العولمة في قراءة الأمور. إن الأجيال التي تربت في أحضان الطبيعة، بين الوديان الخلابة و الجبال الراسية… في ظل الأشجار الشامخة الحاضنة و بمحاذاة الأبقار الكريمة المعطاءة لا بد أن هذه الأجيال ترى الأمور بنظرة تختلف عن نظرة مثيلاتها المنصهرة في العولمة، التي تربت عبر الأقمار الصناعية و تحت تأثير الألياف الضوئية، على أرصفة من الإسفلت و بين جدران من الإسمنت.

و لابد أن الأجيال العتيدة، تولي اهتماما كبيرا بخصوصياتها و رموزها التراثية و القيمية… فترى مثلا شموخها في شموخ زيتونها و نخليها و ترى جموحها في جموح خيلها و جمالها و ترى وجدانها في هدير وديانها و هجيج رياحها…و هي في غنى عن وديان الآخرين و عن ثيرانهم و عن بلوطهم و عن صنوبرهم و عن أكاسياهم.. و لابد أنها تترحم على زمن كانت أمتنا المبتلاة بالغاز والنفط، تفتخر فيه بقادة يقدرون تطلعاتها بالوقوف بحزم و صلابة في وجه طوفان الاستعمار العالمي رافعين بذلك رؤوسها في عالم لا يرحم من يطأطئ رأسه…

إن هؤلاء القادة لم يكونوا نشازا في هذا العصر، فقد عاشت شعوب أخرى أحلاما كأحلامنا ففي أمريكا اللاتينية قام كاسترو و بوليفار و شافيز بالوقوف في وجه نفس الطوفان… و في أفريقيا فعلها لوممبا و انكروما و سانكارا…

و الحقيقة، أن التاريخ سيسجل عن الشهداء من القادة المخلوعين ذكرى ناصعة عاجلا أم آجلا مختلفة كل الاختلاف عن تلك التي سيسجل عن أولئك الذين بجلوا بتقاعد مريح  في شرم الشيخ و في جدة، المكافئين عن ما قدموا لأسيادهم من خدمات مفصلية ضخمة. و ما فعل الأسياد  إلا أنهم أبدلوهم بديمقراطيتهم بعد أن بلغوا من العمر عتيا…! و لديمقراطية ميزة عنهم، فهي آلية حكم لا  تتأثر بتقادم الزمن…  وهي و هي في نفس الوقت مثلهم في ما يتعلق بالولاءات،  فيها ما يخدم شعبه و فيها ما يخدم أسياده… و ديمقراطيتنا عزيزي من النوع الثاني للأسف… لا خير فيها… و لا عدل و لا مساواة…!

  1. الخلاصة

هذه هي النقاط، أخي الغالي،  التي اخترت من بين أخرى لتساعدني على لفت انتباهك…

فأمتنا، من بحر القزوين إلى رأس الرجاء الصالح و من المحيط الهادئ إلى المحيط الأطلسي، مصابة في كبدها العربي خصوصا و الشرق-أوسطي عموما، بجرح حي أليم كتبنا عنه كثيرا و لم نوفق في إيفائه حقه. و جهل المعاناة أشد وطأة من المعاناة نفسها…!

إن واقعنا الصعب شبيه حقيقة بعوالم هورلا المخيفة… و هورلا، لمن لا يعرفه، بطل قصة قصيرة إن صح التعبير، كتبها Guy de Maupassant . و هو من شخوص الكتب التي ما إن تنتهي من قراءتها حتى يخيل إليك أنك وقعت في شراك معرفتها…فمن شدة إرعابه مثلا، كان من الأسباب المتداولة في مقتل كاتبه…. و هو ليس كائنا حيا بمعنى الكلمة و لا جمادا من جمادات الوثنية التي تعبد أو تخاف.  يمكنك أن تصنفه ضمن مكونات العالم الثالث من عوالم الميثولوجيا البوذية… أما إن أردت وصفه بوصف له علاقة بثقافتنا، فإنك تستطيع القول بأنه مزيج رهيب، من الأشباح و البلاوي و “التازبوت”، متحرك كما تتحرك السحب فوق الأرض. أينما خيم، خيمت المصائب و النكبات..

و قد اختار في ما يبدو أن يحلق بشكل منتظم فوق أرضنا منذ زمن قديم قبل أن يقرر استيطانها بشكل نهائي بعد تسليم اللورد بلفورد لآل روتشيلد رسالته المشؤومة الموجهة لصهاينة العالم أينما كانوا! فما خطيئتنا ليغرس هذا ‘الكائن-التازبوت-الشبح’ مخالبه في ظهرانينا…؟ و ما خطيئتنا لندخل في هذه الحالة العجيبة التي تتجلى في دوامة “قفقائية” من عذابات لا جلاء لها في الأفق… ؟ و ما ذنبنا بدعاوي بعضنا، ممن يجهلون التاريخ أو يتجاهلونه، على أن الثورة الفرنسية الشهيرة سلكت طريقا مشابها و نجحت في نهاية المطاف و أننا لما حالة مصيبون مثلها…!

أخي الكريم، إن وضعنا يحيل إلى ما يشبه متلازمة استوكهولم المعروفة. و هي حالة مرضية حيرت علماء النفس. خلاصتها أن ضحايا عملية اختطاف في مصرف سويدي قام بها فار من العدالة سنة ١٩٧٣، رفضوا الإدلاء بشهاداتهم ضد مختطفهم أمام المحاكم. و قد ذهبوا إلى أبعد من ذلك تعبيرا عن حبهم له ليزوجوه إحداهن في عرس هم شهوده و هم ضيوفه، أمام ذهول مجتمع العاصمة السويدية أنذاك…

و قد دفع رهاب هذه المتلازمة، جيوش العالم الكبرى إلى إدراج سبل الوقاية منها في مقررات تكوين أفرادها …

حقيقة، إن هذه المتلازمة، صورة مصغرة لما تشهده أمتنا في هذا العصر… ففي استوكهولم عانى رهائن المصرف القلائل من اختطاف لم تتجاوز مدته خمس أيام و في حالتنا عانينا و مازلنا نعاني و تعدادنا مئات الملايين من اختطاف رهيب عمره الآن عشرات السنين أو أكثر… و ذلك دون أن يعلمنا أحد كيف نتفادى متناقضات الاختطاف…

في استوكهولم، برأوا الجاني أمام القضاة و زوجوه إحدى بناتهم. في حالتنا ساعدناهم، و مازلنا على المزيد من الإضرار بنا و أبدينا لهم، و مازلنا، تعلقنا و حبنا رغم الدماء و الدمار …ألم نودعهم أموالنا كلها ؟ ألم نترك ثقافتنا لنقتدي بثقافتهم ؟

متلازمتنا إذا هي أم المتلازمات إذا و قد أصابتنا بالكامل…! لو أن لي من الأمر شيء لأسميتها متلازمة نيويورك…! ففي تلك المدينة يخطط للعجب العجاب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية

أخي العزيز، في ختام هذا النص أريد أن أذكر أننا، لو كنا أحرارا لما قبلنا بحالة مريرة كهذه و لكنا نسعى دائما إلى ما يقوي أواصر الأخوة بيننا و لكنا اليوم في الصفوف الأمامية من الأمم المهابة. ألم يعلمنا ديننا الحنيف أن “المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا” ؟ على كل و مهما يكن من أمر فإن “من لا يدرك كله لا يترك جله” …

في النهاية أعترف بأن النص المقدم قد يحمل مرارة… هذا, لأن : “مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا  اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى” و هذا لأنه قيل قديما في تراثنا الشعبي، أن استمع لمن يبكيك لا لمن يضحكك… فذلك دليل على صدق القول …

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم