آراءموضوعات رئيسية

الكَرَمُ الخُـــــــرَافِي/ناجي محمد الإمام

كانت طائرة “الفوكير” التابعة للخطوط الجوية الموريتانية صديقة الرحَّال الموريتاني الأثيرة ،جاثمة بعطف و سلام ،على مدرج مطار نواكشوط الأول تنتظر أن يشرفها علامة العصر المرحوم محمد سالم عدود بمباركة متنها في رحلتها الصباحية المعتادة إلى ساحل أبيدجان عبر بماكو، شتاء 1989 ، وكنت أرافق سماحته في مهمة تقديم التعازي للفريق موسى تراوري رئيس جمهورية مالي الجارة في وفاة والده القناص العسكري المتقاعد السابق في الجيش الفرنسي (حسب رواية مصدر دبلوماسي في بلاد جوليبا).

بعد مراسم الاستقبال المرعية في مطار بماكو البعيد من العاصمة ،كانت الفرصة سانحة للاطلاع على فقر البنية التحية و تقارب الأحوال بين دولتي امبراطورية غانا الهالكة ،باستثناء نعمة الماء التي يحتاجها عطش كثبان “تَفَلِّي” في عاصمة اليباس و ينشرها نهر “جوليبا” لكل “شيء حي” على كتفيه المرهقين بجسر متهاو يربط عدوتي النيجر في أكبر إنجازات المستعمر الفرنسي الراحل الذي لا يُغادر.
قال سعادة سفيرنا المعتمد إن “الجنرال” يقدر للبلاد ابتعاث العلامة العالم و مستشاره الشاعرلتعزيته في والده المسلم الحاج ، ثم واصل بحماس شرح علاقة سعادته بفخامة الرئيس الذي تربطه به علاقة خؤولة مؤكدا : سترون بأعينكم أنني لا أتكلم معه إلا اللغة البمبارية و كذا السيدة الأولى…
في قصر أكمة “كولوبا” الذي ذكرني بقصر “روم” بدكار ، رغم الفوارق ، لا تتمالك عن التفكير في مصائر الشعوب و الأمم التي تفقد القدرة على التصرف في مصائرها فتظل حبيسة أمْسِها خاضعة لمالِكِه المتَصرف ،تاليا ،في غدها الحائر.
صحيح أن الجالس في مكتب الوالي العام لمستعمرة السودان الغربي ليس ممثل الحاكم العام لإفريقيا الغربية الفرنسية الكائن مقرها في قصر “روم” بمدينة داكار ، لأنه ـ بالتأكيد ـ بمباري أسود فارع القامة وسيم الطلعة عَيِيٌّ حتى التأتأة ، لكنه ضابط فرنسي سابق لغته و لغة بلاده الرسمية الفرنسية و عملته الفرنك الإفريقي “الفرنسي” و مقر حكمه هو نفسه وكل مافيه يشي بالتبعية لأمنا “الحنون” فرنسا ما وراء البحار” فكأن الشواخص الكولونيالية تنهرك زاقية: نحن هنا لم نرحلْ…
حدثنا عن علاقته الفريدة ببلادنا و من بين خصوصياته أنه من ولاية “خاي” المتاخمة لولاية ” قدم ماغه” حيث سَدّ مننتالي الجاري آنئذ تشييده بأموال عربية يعود الفضل في جمعها ، كما قال، لموريتانيا وقادتها…
في منزل سعادة السفير بحي “هيبودروم” المتواضع ، كان الكرم الموريتاني يسيل لعاب السفراء العرب و الأفارقة الذين دعاهم سعادته على شرف العلامة الظاهرة و يبهرهم علمه و تواضعه و هيبة محياه المنير.
انتحيت جانبا فانحاز إلى مخدتي أحد كبار مستشاري الرئيس المالي قائلا : نحن أقرب الجيران إليكم و لا نشعر معكم بعقدة المنافس كجيران الشمال و لا عقدة المتكبر كالسنغال (وكانت الأحداث في تفاعلها) لذلك نقدر مكانتكم و نحترمكم بل نعتقد في صلحائكم .. حتى أننا نعتبر أن كرمكم عطاء إلهي رغم الفقر يؤهلكم للإنفاق…هذه المائدة العامرة بما لذ وطاب لا تجدها الليلة في بمكو إلا حيث يقيم الموريتانيون…
و أردف قائلا: كان مرَّة الماريشال بوكاسا امبراطور افريقيا الوسطى الشهيريحضرتخليد استقلال إحدى دول إفريقيا و صادف وجود الزعيم المختار ولد داداه في المناسبة نفسها و على مائدة عشاء دار حديث الزعماء كلهم عن الكرم الأسطوري الموريتاني و أن من لم يتناول المشوي تحت الخيمة و يسمع الأغاني الموريتانية لم يعرف ألف ليلة و ليلة …عندها وقف الامبراطور العبثي ونادى : فخامة الرئيس مختار متى ستدعوني على مشوي تحت الخيمة!!!
فضج الحاضرون بالاستحسان …”
كان ذلك منذ عقود قبل الوفرة الاستهلاكية والكهرباء و الفنادق والطرق و المطارات ..
و الشعب الموريتاني هو هو …و الكرم الخُرافي هو هو ..
مرحبا ..
يا ضيفنا لو جئتنــا لوجدتنا
نحن الضيوف وأنت رب المنزل

العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم