آراء

“بو قشابة” تدوينة (محمد أفو)

يتهرب الموريتاني كثيرا من تبعات البداوة المتعلقة بالهيئة، لكنه يفعل ذلك في وقت متأخر نسبة لعمر التمدن، ومستعجل قليلا نسبة لطور الأهلية الواعية لمقتضيات التمدن.

وهذا إيجابي مالو تمت إحالته لقوة العزيمة والإصرار.
لكنه يحتاج لتأطير وتهذيب ( ولا اقول تشذيب).

ومن مظاهر هذا السلوك ولع الرجل الموريتاني بتقمص الهيئات.
فهو يرمي على جسده الكثير من الخرق الخليجية عندما يجد فرصة عمل في الخليج، دون اعتبار للعلاقة الثقافية بين الجسد والزي المحلي.
فهو – هداه الله – يفعل هذه الأشياء في أسبوعه الأول هناك وقبل أن يعرف” الكوز كوزاش”.

و قد يحشر نفسه في بنطال دون الرجوع لتاريخ التصاميم ولا معرفة ما يليق به حسب السن أو الوظيفة أو المناسبة، وهذا ماقد يدفعه للبس بنطال جينز مقعر في سن الأربعين أو آخر يصر فيه مؤخرته ليتحف العالم بكوزين تعد المسافة بينهما بعشرات السانتميترات .

و ما يدفع ” بو قشابة” لكل ذلك التصنع في اللبس وتقمص اللهجات والهيئات ، هو اعتقاده بأن الحضارة مسلك عبثي يمكن تتبعه في عواصم العالم لمجرد الحصول على تأشيرة.

ويزداد الوضع سوءً عندما يطعّم جسارته على التشكل هذه ببعض موبقات التعبير عن الثقة بالنفس.
فقد تراه في بذلة رسمية وهو يمد ذراعة اليمنى لتحتل نصف زاوية بينما يلوح بها للأمام والخلف تماما كمشية الجندي أثناء عرض عسكري ( بو قشابة يموت عظيلا).

إنه مغرور في مأمنه المنعزل حيث يكون سيد المعايير ومهندسها، لكنه يتضاءل بشكل درامي حين يجالس غيره من بني الأرض.

ستلاحظون ان بوقشابة يكون مشغولا في تأمل الأجنبي عندما يقترب منه ( يركز على بشرته وملابسه ويتأمل تفاصيله كما لو كانت عيناه ستخترقه ببلاهة ).
يحدث ذلك وهو ينظر خلف نفسه لنفسه فلا يرى أحدا.

اعتذر عن تدويل قضية بوقشابه، فأنا استرسل دون تفكير.
لنعد للوطن..

عزيزتي المرأة، احذري مناطق نفوذ بقشابة ومجال سلطته.
فهو فرعون قلد الاهرامات بخيمة من صوف واقنع العالم بأنه استثناء.
لقد نجح في تكييف الحقائق مع الزيف لدرجة لم يترك إنسا ولا جنا غير مقتنع بكرمه وشرفه وأصالته.
فعل كل ذلك دون أن يغسل قشابته.

لقد اقنعك بأن اتساخ الجسد ” حفول” فالبسك ” النيلة” وانت ” تنيلتي” عن قناعة وثقة.

لم يكن بالإمكان إقناعك بأن النظافة هي أساس الجمال، ولا حتى انها من الإيمان . لأن قناعة كتلك ستكلفه الكثير من الجهود المضنية، في وقت كان يعتقد فيه بأن الغسيل ” يفرق اللباس”، والقشابة هي كل ما يملك في الوقت الذي كان يروج لكل ذلك الكرم وتلك الشيم و “الشبعة ورگة الدنيا” .

يركز بوقشابة على الصحراء حين يتعلق الأمر بحرية النفوذ.
وله في ذلك غايات من أهمها اعتزال الأمم ذات المعايير الأكثر ارتقاء.

ستلاحظين ذلك من الفرق بين حجمه وهو وحده معك ، وحجمه عندما يقابل سائحا أَوروبيا.
فهو في حضرتك يكون معقود النواصي خشن الاقدام تعتصر وجهه كل المناخات بين الدقيقة والتي تليها.
لكنه مع الأوروبي يكون منبلج الشفاه عن صف عظامه وتكون عيناه بارقتان بأسرار البساطة والتعجب والانبهار.

لهذا الأسباب يهرب من كل مناطق الاحتكاك مع غيرك.

يكثر بوقشابة من استخدام العبارات ذات البعد الدال على تفوفه، فهو مع اصدقائه يستخدم منظومة من قبيل : يوضعك
شكيلاتك من البشر
أنا في قاعدة
انا ذا ال تراعي في….
الناقصة، أنا ما نوحل فذا النوع..
…. الخ

يستخدم بوقشابة خدعا تتعلق بالفضيلة، فهو يتحدث كثيرا عن إكرام النساء و “تقلاظهم”.
ومع ذلك لا يمكن أن يخلو سجله من خيانة مغلظة :
( طلاق بعد زواج عليها، سرية، تركها تواجه الحياة وحيدة رفقة أولادها، غلظة وجفاء وخشونة ورعونة في التعامل معها… الخ)
يبرع بوقشابة في مداولة الفضيلة والتعبير عنها في الحدود اللفظية.
لكنه ينتقي العناية بقول مالايفعل مداراة وتعويضا لكبريائه،. فهو محور التاريخ ويحفظ من الأشعار المحلية ما يناسب كل غرور العرب من الإنحطاط الأول حتى الأخير.

لا يعجبني راعي البقر الأمريكي الذي نقل معه بصقته المقرفة إلى قلب مانهاتن النابض بالفخر الأمريكي.

إنه مغرور ( تماما بحجم تخلفه).
كغرور السامراي في عصر تجاوزت فيه المهارات القتال كل حركاته وصيحاته العالية، حتى أنه يمكن ان يموت مقطب الجبين عابس الوجه، برصاصة في جبينه من قناص دخن نصف سيجارته وترك حبيبته على الخط ريثما يقتل قائد الساموراي العظيم.

بو قشابة رمز للتبعية العنيدة، فهو لا قرار له في هويته ولا يحسن التقليد.

يلبس ماركات عالية الثمن ولا يهتم للاستحمام.
يركب سيارة فارهة لكن قشابته ملتصقة عرقا بالكرسي بينما تتكدس اكوام الغبار على مكيف سيارته الصالح للاستخدام.

إنه يرى الفقر كحتمية تاريخية تدور اقداره منها وإليها.

مرعوب من الفقر ومندفع بتوتر نحو الغنى، فلا هو يكون غنيا حين يكون ولا فقيرا حين يفقر .

فدراعته حال الفقر اغلى ثمنا منها إبان غناه ( اخير ال قبظو وكتلو من ال قبظو وطلصو).
ليست لدى بوقشابة اي ثوابت، فهو يعتبر نفسه من متاع الدنيا، يرحل ويقيم حسب نجاعة المنتجع.
لذلك تتداخل في ذهنه كل المذاهب والثقافات لدرجة يكون فيها كالرصاصة المحشوة في بيت النار.
قابلة للإنطلاق في اي اتجاه ولا عبرة عندها بالغاية ولا الوجهة.
فقد تكون ترحيبا بضيف وقد تكون في منتصف جبهة قتيل أو حتى في سماء فرح.

فما يفعله الإصبع بالزناد هو ما تفعله الظروف ببوقشابة.
فهو حنبلي في السعودية مالكي في الإمارات، وشافعي في مصر.
صوفي ذائق في المغرب والسينغال،ويتحدث عن مبتدعة الصوفية في اول محاضرة له في مسجد يؤمه سلفي.

تعبت من الكتابة وافكر في فسخ قشابتي…
لذلك سأكتفي بهذا القدر من الغيبة لأن بوقشابة دائما في حالة غياب

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى