آراءمنوعات

سيارتي العجوز تغني/ ذاكو وينهو

وقافتي تغني ….
لم نصل بعد إلى المعبر الغربي ، لكن سيارتي العجوز شرعت في الغناء ، خلتها أولا تعوي أو تنتحب ، فأسلاك الخياطة لم تنزع بعد لأن جراح عمود المقود لم تندمل بعد …تقدمنا حبوا على الشريط الأيمن مفسحين الطريق لبقية السيارات ، لا نأمن أن تعثر العجوز و تتعطل عن الحركة …بدأت الأصوات من جديد ، خيل إلينا أن الماكنة بدأت العزف في مقام “كر” قلت لصاحبي هل تسمع غناء…قال بالتأكيد أسمع ما يشبه الحوقلة بصوت عمنا سيدي سالم ،،ثم بدا لها أن تغير المقام و سمعنا أصواتا تغني هذه المرة في “لحجب” ثم “التحرار” تمايل صديقي من شدة الطرب و قال يخيل إلي أني أسمع العجلة اليسرى تغني “وصف أحمد سالم كال حد انو شافو بخلافو وصف احمد سالم ما يكد حد إكول انو شافو ” و الله أل اسكي”…لما اقتربنا من الكثيب الكبير ارتفعت جلبة المحرك و الفرميل و العجلات بالسعال و الأنين ثم غنوا وصلة قصيرة في ” اللين” وانتقلوا إلى “أعظال” ثم خيل إلينا أننا نسمع ” تمبرم زينه ” لست أدري هل احترمت العجوز ترتيب نغمات الهول…عندما هبطنا إلى أول “تيارت” قلت لصاحبي ما ذا تسمع الآن ؟ قال لي بنات اسويدن يغنين “ويل الناجي راهو مات”…وعند ارويبين حمي الطبل و بدأت الماكنة في الزغاريد ثم ارتفع الصفير ، قال لي صديقي لا عليك ، يبدو أن معنا جمهورا قد طرب و هويستزيد بهذا الصفير ….
قرأت نص المازني حول السيارة الملعونة لما كنت في الإعدادية , وكان أكبر مايلفت نظري فيه قوله: كر كر كر …أرتنـــي النجوم في الظهر الأحمر….لقرب الألفاظ والمعاني من الحسانية……
لم تبلغ وقافتي(هي لاتستحق ان تكون اسم فاعل لانها لم تسر أصلا فكيف تكون سيارة؟) لم تبلغ مستوى سيـارة المازني ، فتلك تتحرك وتمرض وتشفى ، أما هذه فقد لازمتها العلل المتنوعة ، فــــبدت تارة مثالا ، وطورا أجوف ، وآونة ناقصا ، وأحيانا لفيفا بالياء والواو جميعها ، كانت تصلح وسيلة إيضاح لتلاميذ السنة الأولى إعدادية في شرح أنواع الفعل المعتل ….علمـتني أن هناك مايسمـــــــى جنون الرغبة ، وأنه مرض معد…..ذكرتني بمـــــــــا تبديه العجوز من الزينة ، وما تبالغ فيه مـن التبرج ، ثم تتمنع حتـــى يظن البريء بها عفة و طهرا ، والـــــحق أنها تحرص على عدم كشف المستور……
كان أصدقائي يشجعونني على شرائها و أنا أجري أمامهما جري عداء في منحدر …
شعرت أني أختصر مراحل اختبارها , وأدعها تدخل قلبي بلا أوراق ، أتمنـــــــــى أن يكذبني المستشار الـــــــتقنى الذي ذهبنا نستشهده …
اكتشف التقني أن جهـــــــاز التسخين متعطل ، فـــــــبادرت إلى تبديله ب: 9000 أوقية وبكرم جامح ولــم أدرك أنها الصفعة الأولى , والمنبه علـى أن هذا الذي أولــــــــــه هذا آخره لاينتظر، ثم ظهر أن الجهاز غير تالف , بل التلف فـــي أشياء أخرى لم يهتد خبراء كهربـــــــــــاء السيارات في ألاك إلى مركز العطب فيها حتى اليوم .
وصبحتنا في اليوم التالي بعطب فــــــــــــــي كرسي الماكنة وأصلحه الميكانيكي ب:3000 أوقية، لكن فـترة الـــشفـــــــاء لم تطل فتعطلت مساء ذلك اليوم نهائيا ويئس منهـا الآسون …عند الصباح أدخلت بيت الحجزالصحــي وقام فريق كامــــل بتشريحها عضوا عضوا ، فبدا أن أجزاء كثيرة مـــن جسمها مصابة بتلف شد يد، وكتب (الميكانيكي) الوصفـــة وأحضرت الأعضـاء الصحيحة مــــــــن انواكشوط ، وشرع الفريق فــــــــي عملية جراحية دامت يوما ونصف يـــوم ، حتــــى إذا انتهت وظننا أنا قادرون عليها أتاهــــــا وباء ضعف الـــــشحن ، وتم العلاج فـــــي الحال ، وخرجت لفترة نقاهة هيجت فــيها كوامن الــــــــداء ، فأصاب ذراعها اليسرى شلل تام ، وجلبت ذراع صحيحة من انواكشوط، ، وسارت فــــــي رحلة تجريبية تسببت في شلل ذراعها الـــيمنى ، فأحضرها الميكانيكي وتم العلاج .. وفــــــــي أول ليلة تقضيها خارج العيادة باتت تقيء سائـلا أسود كاد يغرق أعنز الجيران.. وحضر المسعفـــــــون ، وجرها فريق بعدد فريق كرة القدم إلـــــى العيادة من جديد ، وبعد الكشف اتضح أنها مصابة بقرحة مضخة الزيت فاستبد لت في الحال ، فبدا لمصرانها الكبير(انبوب الدخان) أن يدلي دلوه فــــــــــي مستنقع الأسقام ، وإذا هو يشكو من فتحات متعددة اقتضت أن تعرج علـــــى بيت “اللحام ” وسدت الفـــــجوات ، وقال الميكانيكي الــــمشرف مشفــــــــقا علي ، و رحمة بي ، إنها ستخرج قطعا هذه المرة فــــــــي صحة تامة ، لعل حجته أنهــــــــا استنفــــــدت مايخطر وما لايخطر على البال من أوجاع السيارات…لكن صاحبتنا كانت وقورا ، كتومـــا ، تستحيي أن تبدي حتــــــــــى نعمة العافـــــــــية ، فعثرت لما أرادوا منها نشاط الشباب …وتبين أنها علل آخذ بعضها برقاب بعض ، وأن أعضــاء هذه الــوقافــة متحابة متوادة ، كلما مرض منها عضو تداعــــــى لــــــه سائر أعضائها بالعطب والتلف ..
معضلـــــــــة أخرى جديدة من نوعها جلبتها علـــي هذه الوقافة : كثرة المهنئين ، فـــــمن عادة الإخوان أن يباركوا في هذا النوع من المناسبـــــات ، وشراء سيـــارة عادة يستحق التهنئة ، فهو دليل تحسن مادي يطمح إليه الناس ، ويتمنونه لمن يحبون ، لكن الإخوان جزاهم الله خيرا ما كانوا يعلمون أن صاحبتنا ظلت قطينة غرفة الإنعاش من أول يوم .
والغريب أني ظللت أنفـــــــــــــــــــــــق عليها بسخاء مجنون ، وقد بدا أنها لا تشبع ، وأن العافية لا تعرف إلى جسمها سبيلا.
قضيت ثلث هذه المدة فـــــــــــــي بيوت الميكانيكيين ، تغوص قدماي وحل الزيت المحروق ، وأغرق في أنواء الدخان والأصوات المتشاكسة للمنبهات والماكنات العلـــــــيلة ، هذا غير مااستنفـده جهازي النقال من بطاقات تزويد ضاع معظمها في استخبار( الميكانيكي) عن أحواله وأحوال اسرته وأسفــــــــــــــــــــــــاره ، مع ما كنت أتملقه به من صنوف خطابات الود والاستعطاف رجاء أن يجود علي بنبوءة عن مستقبل المريضة وتاريخ تماثلها للبرء.
لكنها علــــى كل حال كانت أياما مكنتني من صلة أرحام لرجال وقفنا معا على صعيد واحد تشرب أطراف ثيابنا السفلية سيول الزيت المحروق وترسم بها حول العراقيب وأسفـــــل الساقين خلاخل سودا تتطلب إزالتها جهدا عضليا متواصلا مع كمية غير قليلة من الصابون و”اوم وجافيل” والماء ، أمــــــا الأجزاء الــــــــعلوية فــــــهي على رؤوسنا نتوقى بها الحر، و نتستر بها عن المارة حتى لا يرونا فـــــــــي موقف الخزي ، نستمـــــــــع إلى السير الذاتية لأنواع مــن السيارات وبطولات الربح بالتدليس يحكيهـــــــــــــا بعض من بسطاء السائقين ، وتقاسمنا معا لفــــــــحات الشمس وأتربة عواصف الشـــــوارع ، نقف على رجل لنريح أخرى ، نراقب الميكانيكي منشغلا عنا و ننتظر أن يتفــضل علينـــــا بوعد مكذوب لكنه يبقى فـــي صمته يوزع بالعدل بيننا حصصا من عدم الاكتراث ونظرات اللا مبالاة ، كأننا طابور مساكين أمام ثري مغرور .

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى