آراء

فقه النوازل والكبائر الحضارية!/ إبراهيم الدويري

في نقلي “لخلاصة نقاش طويل” تطرقت لأمرين رئيسيين؛ الأول: أن لدينا علماء منَّ عليهم بملكات أصولية، والثاني: أن ثمة نوازل عالمية جديدة عابرة للقارات، ومقتضى هذين الأمرين أن يكون نظر أرباب تلك الملكات في تلك القضايا من خلال كليات الشريعة وأدلتها الكبرى لا من خلال الجزئيات الفقهية المبسوطة في الطرر والحواشي، وذلك لأسباب يعرفها الدارسون وأولوا النهى، وختمت أن إعراض أولئك الفطاحلة عن طيبات الذكر ومباهج السنة ونعمة إعمال العقل في النوازل من نقص القادرين على التمام، وهو خلل منهجي تترتب عليه كبائر حضارية في فقه تدافع الأمم وحيثيات هذا العصر.

معنى ذلك أني لم أتطرق لمن يتعاطى الفقه والإفتاء من أصحاب الفروع والأنظام في جزئيات الشريعة ممن يسألهم الناس عن أحكامهم الفقهية اليومية فهؤلاء أتمنى لهم سداد التوفيق في التكييف وكمال التفقه في الوحي ونور التبصر في ربط المقدمات بنتائجها، كما لم أتطرق للمقررات الدراسية المحظرية التي خرجت أولئك وهؤلاء وسأفعل بإذن الله قريبا تحت عنوان “حياة الأمم بحياة علومها” من خلال صيحات أطلقها أئمة النظر والتحرر من مالكية الأندلس والمغرب الأوسط ونبلاء الزيتونة، وقد أشرت لبعض ذلك في مقال قديم بعنوان ” المحظرة بين عهدين ونقدين”.

لما ذا هذا؟

أُلحُّ على هذا لأني أعتقد أن من نصرة الإسلام وإظهار عظمته أن تبرز قضاياه النظرية في زمن سطوة تقديس العقل وجبروته في صياغة نظرية كلية تخاطب ناس هذا العصر بما يفهمون، وتسترشد بأنوار الوحي وتستنير بنعمة العقل وتستهدي بمعرفة الواقع، ولعل هذه القوة النظرية التي يدعو لها المشفقون هي مقتضى أمر نبي الله يحيى عليه السلام بأخذ الكتاب بقوة، ويخيل إلي أحيانًا أن العدة النظرية المركبة التي يعالج بها شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من فحول النظار قضايا الفقه والعقائد ومناظرة أهل الملل والنحل يستحضرون فيها هذه المعاني بل وكأنهم يوسعون فيها معنى القوة المأمور بإعدادها.

ليس مستحيلا في عصرنا

بسبب انتشار مقولة إغلاق باب الاجتهاد واستشراء الكسل النظري، واستمراء المفتين القوالب الجاهزة صار الاجتهاد من الأمور التي سدت دونها السبل أو حسب الناظم “طارت به في الجو عنقا مغرب” لكن حفظ دين الله يقتضي استمراره، ونشير هنا تطمينا للذين يخوفهم من الاجتهاد إتيانه بما لم يألفوا كسائر البشر في نفرتهم من غير المألوف أن المجتهد قد ينتهي إلى ما تعارف عليه الناس ومثال ذلك فتوى الجمعة في البيوت والمنهج الأصولي الذي توصل عبره الشيخ النظار مولود السريري -حفظه الله- إلى عدم جوازها.

الشيخ مولود السريري عالم مغربي كنا نسمع -ونحن في المحاظر- ببراعته الأصولية وإتقانه للمناهج النظرية وكان يخيل إلي أنه رجل من أهل سوس يشرح متون الأصول ويناقش الإشكالات اللفظية لكن بعد متابعة مناظراته وتنظيراته تبين أنه ممن أدى شكر نعمة الملكة الأصولية ووفق لسد هذه الثغرة العظيمة، وفي ترجيح الشيخ السريري لعدم جواز الجمعة في البيوت كان يمكنه أن ينقل من أقرب حاشية صفراء أو متن فقهي ويبطل الجمعة في البيوت لكنه تناولها من زاوية نظرية محكمة العرى تراها في أول تعليق.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى