آراءموضوعات رئيسية

دفاعا عن الشرعية / محمدٌ ولد إشدو

{يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا}. (سورة النساء الآية 134)

صدق الله العظيم

مدخل:

من المؤسف حقا أن من بيننا من يعتبرون مهنة المحاماة الشريفة مهنة “أكل عيش” فقط. ويمعن آخرون في ازدرائها فيجعلونها شعوذة وتأرجحا شاطرا بين الحق والباطل، كما يتأرجح أبطال السرك والألعاب البهلوانية. ولا غرو، فمهنة المحاماة في بلادنا تعاني آفة التدهور منذ أمد بعيد، وتكاد أن تتلاشى إن لم يتداركها شبابها الصالح وتحظ بعناية مركزة من أولي الأمر.

وبينما كنا نعلق آمالا عريضة على دخول قانون المحاماة الجديد حيز التطبيق، وعلى استلام مكتب هيئة المحاماة الجديد العمل وشروعه في تنفيذ “تعهداته” بالإصلاح، انفجرت أزمة “ملف فساد العشرية” ففجرت معها كل آمالنا؛ ذلك أن نقيبنا الذي كنا – وما نزال- نعول عليه في الملمات، وفي حماية الحقوق والحريات، وفي طليعتها حرية وحق الدفاع، سرعان ما تخندق دون تبيُّن في صف الاتهام حاملا لواء طرف مدني لا وجود له حتى الآن، وشرع يبخس أشياء الدفاع ويتبنى أطروحات غريبة اضطررنا لتلخيصها والرد عليها تباعا فيما يلي:

أولا: حول شرعية لجنة التحقيق البرلمانية

قالت هيئة الدفاع عن رئيس الجمهورية السابق السيد محمد ولد عبد العزيز، وأصرت ووقعت: إن لجنة التحقيق التي شكلها البرلمان الموريتاني إثر فتنة المرجعية لغرض سياسي هو الإضرار بشخص وسمعة الرئيس السابق وتدنيس عهده الوطني، عملا بالنظام الداخلي للجمعية الوطنية في بابه الرابع (الرقابة البرلمانية) الفصل 1 (رقابة عمل الحكومة) القسم 1 (مهام الاستعلام ولجان التحقيق) الفقرة الثانية (لجنة التحقيق). ونصت على إنشائها وانتهاء أعمالها المادتان 123 و124 من ذلك النظام، لا أساس لها من القانون، وتشكل خرقا سافرا للدستور الموريتاني.

وقال السيد النقيب في مقابلة متلفزة مع قناة الوطنية يوم الثامن من أكتوبر الجاري مفندا آراء هيئة الدفاع ما يلي:

“- في شهر أكتوبر سنة 019 تقدم بعض النواب مطالبين بتشكيل لجنة برلمانية. وهذه اللجنة معروف في جميع دساتير العالم، وفي دستور موريتانيا أن تشكيل اللجان البرلمانية (نقلنا ما ورد حرفيا).

– اللجان البرلمانية منظمة بواسطة النظام الداخلي للجمعية الوطنية. تقول المادة 86 من الدستور الموريتاني إن كل القوانين النظامية والنظام الداخلي للجمعية الوطنية قبل صدورها يصادق عليها المجلس الدستوري وجوبا. وهذه القوانين بصفتها قوانين نظامية، والنظام الداخلي للجمعية الوطنية تعتبر قوانين مكملة للدستور وعنصرا من الدستور.

– اللجنة البرلمانية من حيث الأساس، ومن حيث اعتماد النصوص القانونية بالرجوع إلى المادة 86 من الدستور نجد أنه نص على النظام الداخلي ووضعها في خانة القوانين النظامية، وأنها لا بد أن يصادق عليها المجلس الدستوري. وكل القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري بالمصادقة إذن على القوانين النظامية وبالمصادقة على النظام الداخلي للجمعية الوطنية تعتبر قوية لا طعن فيها وحائزة على قوة الشيء المقضي به، لأن كل القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري لا طعن فيها ونهائية.

– من يطعن في اللجنة البرلمانية وكأنه لا علم له لا بالنظام الداخلي، ولا بقوة النظام الداخلي، ولا بمكانة القوانين النظامية ومكانة النظام الداخلي، وكأنه في عالم آخر ليس موريتانيا وليس العالم ككل المعروف باللجان البرلمانية. إذن استنادا على النظام الداخلي الذي قلت إنه مكمل للدستور، لأن الدستور لا ينص على هذه المسائل. لو كان الدستور ينص على كل شيء لما وجد قانون جنائي، لما وجد قانون عقود. يجب أن نعي أن كل المسائل لا يتضمنها الدستور”.

فالأسس القانونية التي قامت عليها لجنة التحقيق البرلمانية – حسب رأي النقيب- هي إذن أربعة:

1. أن تشكيلها معروف في جميع دساتير العالم، وفي الدستور الموريتاني.

2. أنها منظمة بواسطة النظام الداخلي للجمعية الوطنية. وتقول المادة 86 من الدستور الموريتاني إن كل القوانين النظامية والنظام الداخلي للجمعية الوطنية قبل صدورها يصادق عليها المجلس الدستوري وجوبا. وتعتبر مكملة للدستور وعنصرا منه.

3.أنها من حيث الأساس، ومن حيث اعتماد النصوص القانونية بالرجوع إلى المادة 86 من الدستور نجد أنه نص على النظام الداخلي ووضعها (هكذا ورد في الأصل) في خانة القوانين النظامية، وأنها لا بد أن يصادق عليها المجلس الدستوري. وكل القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري بالمصادقة تعتبر قوية لا طعن فيها وحائزة على قوة الشيء المقضي به لأن كل القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري لا طعن فيها ونهائية.

4. أن من يطعن فيها وكأنه لا علم له لا بالنظام الداخلي ولا بقوة النظام الداخلي ولا بمكانة القوانين النظامية ومكانة النظام الداخلي وكأنه في عالم آخر ليس موريتانيا وليس العالم ككل المعروف باللجان البرلمانية.

فما مدى صحة هذا التنظير؟

إن الأساس الأول واه. لأنه بني على مغالطة ساذجة جدا؛ وهي القول بأن تشكيل اللجان البرلمانية معروف في جميع دساتير العالم وفي الدستور الموريتاني. فالبحث القانوني الذي نحن بصدده في هذه النازلة لا يتعلق بإمكانية وجواز تشكيل اللجان البرلمانية من عدمه في دساتير العالم وفي الدستور الموريتاني. وإنما مناط بحثنا وجدالنا هو جواز – أو عدم جواز- تشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في تسيير السلطة التنفيذية القائمة للشأن العام وتوجيه الاتهام إليها؛ ناهيك عن التحقيق في تسيير سلطة لم تعد قائمة، وفي تسيير رئيس الجمهورية. فاللجان البرلمانية القائمة في معظم العالم – وفي موريتانيا- ينحصر دورها عموما في مهمتي السلطة التشريعية المعروفتين، وهما: سن القوانين ومراقبة عمل الحكومة بالطرق القانونية المحددة لذلك. أما في موريتانيا، خصوصا، فإن دستورها يحصر دور البرلمان ولجانه الدائمة والمستحدثة في هاتين المهمتين فقط، حسب الشروط القانونية المحددة في الدستور في بابيه الرابع والخامس (المواد من 45 إلى 77). ولا سلطان للبرلمان ولا رقابة على أفعال رئيس الجمهورية خلال ممارسة سلطاته، إلا في حالة واحدة هي اتهامه بالخيانة العظمى بقوة المادة 93؛ ولا على رقابة الأموال العمومية التي نص الدستور في مادته 68 على أنها اختصاص محكمة الحسابات فقال: ” محكمة الحسابات هي الهيئة العليا المستقلة المكلفة برقابة الأموال العمومية”. وكل عمل برلماني خارج عن هذا الإطار الدستوري المحكم فهو باطل، وتغول فضولي لاغ من البرلمان على السلطة التنفيذية وعلى مؤسسة الرئاسة.

والأساس الثاني غير صحيح هو الآخر؛ فاللجان البرلمانية أولا، يسنها وينظمها الدستور، ولا يسنها ولا ينظمها النظام الداخلي للجمعية الوطنية،لأنه ليس قانونا نظاميا ولا “مكملا للدستور ولا عنصرا منه” كما يقول النقيب؛ ولا تسنها ولا تنظمها المادة 86 من الدستور إطلاقا؛ بل تنظمها المادة 64 من الدستور، وتحدد عدد الدائمة منها بخمس فتقول: “تقدم مشاريع واقتراحات القوانين بطلب من الحكومة أو الجمعية الوطنية إلى لجان تعين خصيصى لهذا الغرض. المشاريع والاقتراحات التي لم يقدم بشأنها هذا الطلب تحال إلى إحدى اللجان الدائمة في الجمعية الوطنية وعددها خمس (5) لجان”.. فلماذا القفز على المادة 64 وإبدالها بالمادة 86 التي لا علاقة لها باللجان البرلمانية ولا ذكر لها فيها؟

وثانيا، لا تنص المادة 86 من الدستور كما ادعي على اعتبار النظام الداخلي للجمعية الوطنية قانونا نظاميا ولا بمثابة القانون النظامي لمجرد تقديمه إلى المجلس الدستوري، ولا على أن النظام الداخلي للجمعية الوطنية والقوانين النظامية “مكملة للدستور وعنصر منه”. فهذه كلها مغالطات للرأي العام هدفها تبرير خطيئة تشكيل لجنة تحقيق برلمانية لا أساس لها في الدستور والقوانين النظامية، وألحقت أضرارا فادحة بالدولة ومؤسساتها وبالوطن.

وثالثا،النظام الداخلي للجمعية الوطنية نظام بيني وليس قانونا نظاميا كما يزعم (فالقانون النظامي هو قانون مكتوب تضعه السلطات التشريعية المختصة). ولا يمكن أن يَسْتخلِص من وجوب تقديمه إلى المجلس الدستوري قبل تنفيذه للبت في دستوريته، أنه قانون نظامي، وأنه مواز للقانون النظامي، وأنه جزء من الدستور ومكمل له، إلا من أعيته الحيلة والحجة. وإليكم نص الفقرة المستشهد بها من المادة 86 من الدستور على تلك التقولات لتحكموا بأنفسكم: “تقدم للمجلس الدستوري القوانين النظامية قبل إصدارها، والنظام الداخلي للجمعية الوطنية قبل تنفيذه، وذلك للبت في دستوريتها”.

وهنا نلاحظ:

أ. أن القوانين النظامية سميت في المادة “القوانين النظامية” بينما سمي النظام الداخلي للجمعية الوطنية “النظام الداخلي للجمعية الوطنية”. وشتان ما بين اليزيدين: قانون نظامي يسري فور صدوره على كافة مرافق الحياة في الدولة، ونظام داخلي بيني لا يبدأ تنفيذه بصدوره، وإنما بعد عرضه على المجلس الدستوري والنظر في موافقته لأحكام الدستور.

ب. أن الواو هنا واو جمع وعطف فقط، ولا ترتب الندية ووحدة طبيعة المجموع بحال من الأحوال.

ج. أن القانون يعرض وجوبا على المجلس قبل صدوره، بينما يعرض عليه النظام الداخلي بعد صدوره وقبل تنفيذه لاختلاف طبيعتيهما ومجاليهما.

د. أن قول المجلس الدستوري بدستورية النظام الداخلي لا يجعله يرقى إلى قانون نظامي، ولا يجعله جزءا من الدستور؛ بل هو رقابة هدفها أن لا يتضمن ترتيبات مخالفة للدستور، وقد يتضمنها رغم إجازة المجلس له. وهذا ما “يخول المجلس الدستوري اختصاص التعهد في شأن دعوى بعدم الدستورية” المذكور في الفقرة الأخيرة من المادة نفسها. وبهذا العرض المفصل يكون جميع ما قيل في المقابلة عن قرارات المجلس الدستوري من حجية الشيء المقضي به، وقوتها وعدم قابليتها للطعن ونهائيتها، عديم الجدوى، لأنه لا يرتب شيئا في هذا المجال. كما يكون كذلك جميع ما ورد في الأساس 3 لغوا وتكرارا لنفس الحجج التي تم الرد عليها آنفا (المادة 86 من الدستور … والقوانين النظامية والنظام الداخلي للجمعية الوطنية وقوة ونهائية وعدم قابلة قرارات المجلس الدستوري للطعن).

تم الرد على هذا الأساس من خلال الرد على الأساس 2 لوحدة موضوعهما.

لعل الأساس الرابع هو الأقوى حجة لنفيه عمن يقول بعدم شرعية لجنة التحقيق البرلمانية العلم والتمدن: “من يطعن في اللجنة البرلمانية وكأنه لا علم له لا بالنظام الداخلي ولا بقوة النظام الداخلي ولا بمكانة القوانين النظامية ومكانة النظام الداخلي، وكأنه في عالم آخر ليس موريتانيا وليس العالم ككل المعروف باللجان البرلمانية”. لكن، أليس من شيم الفروسية احترام الخصم، والتحلي ولو بقليل من التواضع.. ومعرفة أن فوق كل ذي علم عليم؟ ولله العباس بن مرداس حين يقول في مدح خصمه:

ولم أر مثل الحي حيا مصبحا ** ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا

أكر وأحمى للحقيقة منهمُ ** وأضرب منا بالسيوف القلانسا.

بقيت حجة لزملائنا المجتهدين في البحث في التشريعات الأجنبية عما يؤسسون به مسؤولية جنائية لرئيس الجمهورية السابق بغية تحقيق مكاسب سياسية؛ وهذه الحجة هي وجود لجان تحقيق برلمانية في فرنسا. وهذا صحيح. وسببه أن التعديل الدستوري الذي جرى في فرنسا سنة 2007 قد نص على إنشاء لجان تحقيق برلمانية؛ وذلك في مادته 51 – 2 جديدة. التي تقول ما يلي: “لممارسة مهمات الرقابة والتقييم المعلنة في الفقرة 1 من المادة 24 يمكن إنشاء لجان تحقيق برلمانية في كل غرفة برلمانية لتلقي المعلومات حسب الشروط المنصوص عليها في القانون. يحدد القانون قواعد تنظيمها وتسييرها. طريقة إنشائها يحددها النظام الداخلي لكل غرفة”.

والاستنتاجات التي يمكن استخلاصها من ذلك هي:

– أن هذا التعديل الدستوري الذي سن إنشاء لجان تحقيق برلمانية وحدد قواعد تنظيمها وتسييرها، قد جرى في فرنسا ولم يجر في موريتانيا.

– أن لجان التحقيق البرلمانية تلك أنشئت بواسطة تعديل دستوري نص عليها في المادة 51- 2 جديدة من الدستور، ولم تنشأ بقانون نظامي ولا بمرسوم ولا بنظام داخلي. لأن عملها يدخل في كنه الدستور – ميثاق الأمة، وتنظيم العلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية!

– أن المادة 51 – 2 جديدة التي أنشأتها، لم تنشها فحسب وتتركها تعث في الأرض فسادا كما جرى عندنا، من فراغ! بل حددت مهمتها في “تلقي المعلومات حسب الشروط المنصوص عليها في القانون”. ونصت على أنها “يحدد القانون قواعد تنظيمها وتسييرها”. ولم تترك للنظام الداخلي لكلا الغرفتين سوى طريقة إنشائها.

يتبع إن شاء الله

ثانيا: حول عمل لجنة التحقيق البرلمانية

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى