آراءموضوعات رئيسية

من تاريخ الكادحين الحلقة (17) بقلم /احمد سالم المختار شداد : مغامرة في اكجوجت

التعسف البوليسي
لم تكن أكجوجت بمنأى عن حملة القمع. ذات مرة اعتـُـقلتُ مع أسرة بأسرها. كان ذلك في المساء كالعادة. وكما في قصة ولد بوبوط فالأمر يتعلق بمجرد أسرة مسكينة متعاطفة من فئة الحراطين تدعى أهل بيّوه. كنا نستأجر غرفة في منزلهم المكون من ثلاث غرف متراصة على نفس الخط.. تارة أمضي ليلتي في تلك الغرفة مع صندوق خشبي كبير مليئ بالوثائق المورطة للغاية. لا ينصح بقضاء الليل في مثل تلك الظروف. لم أتمكن من التخلي عن عادة سيئة أخرى. بما أن المناخ حار في أكجوجت، أنام في الغالب في فضفاضتي دون قميص ودون سروال. كنا في فصل الصيف، والناس ينامون خارج الغرف. أما أنا فكنت أنام في تلك الليلة داخل الغرفة. خرجت لحاجة، وخلال عودتي لاحظت قبعة شرطي يتقدم نحوي. عرفته. إنه امبودج: الشرطي المنحدر من مدينة روصو، الطويل القامة، والشهير لأنه سبق ان فاز بالبراتون في نواكشوط خلال مهرجان 1974. كان النعاس قد أخذ مني مأخذا. قست حجم الخطر بسرعة، وحاولت أن الفت انتباه الشرطي عن غرفتي بالخطو باتجاه الغرفة الوسطى التي تسكنها الأسرة على اعتبار أنه لا شيء فيها يمكن أن يورط. اعترض الشرطي بيني وبين الغرفة. خطوت خطوة إلى الوراء قبل أن أفر. قام العدّاء أمبودج بملاحقتي. لم أكن عداء في المسافات الطويلة، لكنني أتذكر أنني كنت في المرتبة الأولى في سباق المئة متر خلال مسابقة ختم الدروس الإعدادية لسنة 1971. أمسك الشرطي بي بعد وقت وجيز لما حشرني في زاوية تتكون من جدارين من الطين. آه لو وجدت الوقت لأقيس نفسي بعدّاء سريع من طراز أمبودج!.
ساقني امبودج مباشرة إلى مفوضية الشرطة. مفاجأتي الكبيرة، وخاصة خيبة أملي الأكبر ، تمثلت في أنني وجدت أمامي رفيقي وصديقي السالك ولد الحاج المختار. فنحن نكون معًا خلية الحزب التي أرأسها. كان السالك أحد المطرودين من الثانوية الوطنية. لقد التقطته الشرطة في وقت مبكر من الليل عندما كان يهم بالدخول في المنزل الذي أبيت فيه. كانت في يده أعداد من “الشبيبة العاملة” (JO). إنها جريدتنا المحلية. كنت محل بحث لسببين أولها أنني مدان غيابيا (بحكم صادر في نواذيبو)، وثانيهما أنني مسؤول الحركة الوطنية الديمقراطية (MND) في أكجوجت. وجدت في المفوضية أيضا والد الأسرة بيوه وزوجته والمرحوم أحمد ولد سيدي: إطار من شباب الحركة، إضافة إلى أنه من أسياد أسرة أهل بيوه. قررت أن أتظاهر بالبراءة ما لم تقم عليّ حجة دامغة. عندما وصلت المفوضية أومأت في الخفاء إلى أصدقائي بأن يتحاشوا أن يظهروا لي أي نوع من التعارف. وهو ما فعلوه. ظهرت أمام الشرطة كما لو كنت أجنبيا على المجموعة. وعندما نكون لوحدنا أفتح عيني وأشجعهم وأعطيهم النصائح والتعليمات بأن يصبروا. كان على كل واحد منا أن يدافع عن براءته حتى تتم البرهنة على العكس. وفي حالة تقديم أدلة لا يمكن إنكارها، يجب أن نكون في حالة هجوم لندافع بشجاعة عن قناعاتنا السياسية. ذلك ما قررت أن أفعله بالتمام. وكالعادة برمجتُ الهرب. دققت كثيرا في المكان. إنه عبارة عن مبنى قديم يقع وسط مكان كان حامية عسكرية للمستعمر. يبدو أنه لا منفذ للهرب. يجب إذن أن أنظر إلى الخطة بطريقة أخرى.
التظاهر بالمرض
لا يتوقف رفيقي السَالكْ عن رفع معنويات المجموعة. وبما أنه أجنبي على المدينة وتلميذ سابق مطرود بسبب الإضراب، فإن حظوظه قليلة في إطلاق سراحه. كان مفوض الشرطة، المدعو با (من سكان كيهيدي) قريبا لصديقي العزيز المرحوم با عبدلاي الملقب باتش المعلم حينها في أكجوجت والقاطن معه. الاثنان ينحدران من أسرة مفتش التعليم المرحوم با مامادو نالا والد كمبه با: الوزيرة في ما بعد. في اليوم الموالي استدعاني المفوض في مكتبه. بدأ في طرح بعض الأسئلة. عندما لاحظ أنني أتباطأ في الإجابة غضب غضبا شديدا وأمر شرطيا بإهانتي ونزع ملابسي وإعادتي بالقوة إلى المجموعة المعتقلة. وعلى الفور، نفذ الشرطي الأمر. تسارع الأصدقاء إلى إعطائي ما به أستر الأجزاء الحميمة من جسمي العاري تماما. أخبرنا الأصدقاء الباقون في المدينة أن الشاب الطالب أخيار أخلى الغرفة من كل ما فيها في الصباح الباكر. وحدها غرفة الجيران فتشتها الشرطة ولم تجد أي شيء.
في نفس اليوم، تم إطلاق سراح الجميع باستثنائي أنا والسالك. بالنسبة للسالك، فقد اتخذت السلطات قرارا بإرساله إلى سجن بيلا في نواكشوط. وتم حجز ثلاثة مقاعد في سيارة أجرة له هو وشرطيين. عند الساعة 12 من منتصف النهار استدعاني المفوض مجددا. صرخ في وجهي أن أجيب بشكل سليم وسريع على أسئلته. سارعت إلى إيجاد جواب مقنع على السؤال الأكثر إلحاحا في ما يبدو والمتعلق بفراري أمام أمبودج. أجبته بأنني مصاب بمرض القلب، وأنه عندما يتم إيقاظي بشكل فجائي يمكن أن أتصرف بطرق مختلفة أكثرها شيوعا وسلمية هي أن أهرب دون هدف محدد. خفض صوته، وبدأ في التخلص مني قبل أن أظهر نوعا آخر من أعراض أزماتي القلبية خاصة أكثرها عنفا. أشار على قصاصات ورقية رثة مخربشة بكلمات التقطوها قطعا من فناء منزل أهل بيوه. وبحسانية متقنة، سألني ما إذا كانت تلك كتابتي. قلت له: “لا، لأنني لا أعرف الكتابة”. والحقيقة أنها بالفعل كانت الخربشة القبيحة ليدي اليسرى. أوقف استجوابه. ثم وجه كلامه إلي، هذه المرة كأخ أكبر: “خذ ثيابك، وعد إلى حيث تسكن، وقبل ذلك أنصحك بأن تحذر من أنذال بائسين لا يتوقفون هنا عن تسميم أطفال الآخرين”. أجبت بقولي: “بما أن الأمور تسير هكذا، قررت أن أتوقف عن البحث عن عمل، وسأعود إلى أهلي”. لم أكن أنوي المغادرة، وإنما أنوي أن أنكسف فترة من الزمن عن أعين الشرطة، فأكجوجت هي أرض الكسوفات. نصحني المفوض بأن لا أغادر، ولكن فقط أن أحذر من الحملة المسعورة للشباب الأنذال. ليس لدي من الثياب، في الحقيقة، غير فضفاضة تركال. هذا القماش الرخيص يستسهله الكل أنذاك ويتمتع بلـبسه.
قلت وداعا لصديقي السالك. كان يستعد للسفر عند الساعة الثالثة زوالا متوجها إلى نواكشوط ليسجن في بيلا لأجل غير مسمى. كان باسما. لم أره أبدا بمثل ما رأيته عليه حين ذاك

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى