آراءموضوعات رئيسية

دفاعا عن الشرعية (2)/ الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

{وقل رب أدخلني مُدخل صدق وأخرجني مُخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا} سورة الإسراء، الآية 80.
صدق الله العظيم

ثانيا: حول عمل “لجنة التحقيق البرلمانية”
قبل الحديث عن عمل “لجنة التحقيق البرلمانية” موضوع هذه الحلقة، لاحظنا أن عميدنا، السيد نقيب المحامين منسق لفيف دفاع الطرف المدني المنتظر، أجرى مقابلة أخرى مع قناة المرابطين “فند” خلالها جميع مقولاتنا، وأصَّل فيها أكثر ووضَّح وبيَّن مدى قانونية وشرعية ودستورية “لجنة التحقيق البرلمانية”. وهذه هي حججه أردنا أن ننقلها حرفيا للقارئ ليحكم بنفسه:
* “استنادا على النظام الداخلي الذي قلت إنه مكمل للدستور، لأن الدستور لا ينص على هذه المسائل، لو كان الدستور ينص على كل شيء لما وجد قانون جنائي، لما وجد قانون عقود … يجب أن نعي أن كل المسائل لا يتضمنها الدستور”. انتهى الاستشهاد.
ومن ضمن كل المسائل التي لا يتضمنها الدستور “لجنة التحقيق البرلمانية” باعتراف السيد النقيب! وعليه فلا وجود لها في ميثاق الأمة. ولم يسنها قطعا قانون نظامي!
* “أنا كما قلت، أن هذه اللجنة لها كل الشرعية. المادة 86 من الدستور الذي يصنفها. وأكرر أنها من ضمن النظام الداخلي للجمعية الوطنية”. انتهى الاستشهاد.
وقد سبق أن قلنا إن المادة 86 من الدستور لا ذكر فيها إطلاقا للجان البرلمانية ولا لـ”لجنة التحقيق البرلمانية” من قريب ولا من بعيد!
* “من اطلع على النصوص الدستورية يتأكد من أن الدستور الموريتاني ينص على أن الجمعية الوطنية تعد نظامها الداخلي. وذلك النظام الداخلي بمثابة ما يسمى بالقوانين النظامية، والقانون النظامي يرقى إلى مستوى النصوص المكملة للدستور، لأن كل القوانين النظامية مثل النظام الداخلي عندما يتم اعتمادها تقدم للمجلس الدستوري من أجل فحصها والتأكد من مطابقتها للدستور، إذا طابقت الدستور فيعتمدها بقرار. النظام الداخلي للجمعية الوطنية عندما تم اعتماده تمت إحالته على المجلس الدستوري فاعتمده وأصبح نصا مكملا”. انتهى الاستشهاد.
انتبهوا جيدا: النظام الداخلي للجمعية الوطنية بمثابة ما يسمى بالقوانين النظامية، والقانون النظامي يرقى إلى مستوى النصوص المكملة للدستور! لا حول ولا قوة إلا بالله!
ونعود الآن إلى عمل “لجنة التحقيق البرلمانية”.
ونبدأ حوله بشهادة من عميدنا ونقيبنا منسق لفيف دفاع الطرف المدني المنتظر حيث يقول: “عكفت لمدة ستة أشهر، من شهر يناير إلى شهر يوليو، وهي تعمل ليل نهار وتستعين بالكفاءات. استعانت بعدة مكاتب دولية معروفة بتجربتها وبتقنيتها وبكفاءتها، وعلى أساس معايير طبقا للنظم اقتناء هذه المكاتب. كذلك استفادت من التجارب ومن الخبرة الداخلية، خبراء موريتانيين وكذلك من خبرة قضاة محكمة الحسابات التي لها خبرة واسعة في البحث والتدقيق والتحريات عن كل ما يتعلق بالفساد. وفعلا من الأكيد أنكم اطلعتم كذلك على التقرير الذي يعتبر تقريرا من مستوى عال أعده قضاة من محكمة الحسابات… استمعت للكثير، من زودها بالمعلومات، ومن رفض الإجابة على أسئلتها، وحتى التعامل معها. بما فيهم الرئيس السابق الذي رفض رفضا باتا أن يمثل أمامها وكأنه لا تقدير له ولا احترام عنده لمؤسسات هذه الجمهورية؛ خاصة المؤسسة البرلمانية التي تستحق منا كل احترام. هذه اللجنة عملت ونشرت، بالتأكيد يجب أن نذكر أنه لأول مرة في تاريخ موريتانيا يتم تشكيل لجنة من هذا المستوى أولا من جميع الكتل دون اعتراض أي كتلة برلمانية، كما أنها أول لجنة تعكف على مواضيع حساسة. وللتذكير وهنا لا بد أن أنبه أن الإعلام الصحافة كان لها دور كبير في غربلة هذه المواضيع سابقا. كم من صحفي، سواء تلفزيوني سواء كاتب سواء راديو، تطرق لهذه المواضيع التي كانت محذورة ولا يمكن الحديث عنها فإذا بهذه اللجنة تغربل هذه المسائل وتتقدم بتقرير. أنا أعتبر شخصيا أن هذا التقرير كان من مستوى عال؛ خاصة بالنظر إلى ما يجري في العالم. لنرى ما يجري في العالم الإفريقي في العالم العربي أي تقرير من هذا المستوى تم إعداده حول تسيير مرحلة معينة تم الاستماع فيها إلى رؤساء وزراء سابقين، إلى وزراء، إلى مدراء، إلى وإلى.. وحتى اللجنة البرلمانية طلبت من الرئيس السابق أن تستمع له، ولكنه هو الذي رفض”. انتهى الاستشهاد.
فإلى أي مدى تنسجم هذه الشهادة “المجانية” مع واقع وحقيقة عمل تلك اللجنة؟ ذلك ما سنتناوله فيما يلي:
1. تشكلة اللجنة. لننظر أولا إلى مسألة بالغة الأهمية تغاضى عنها السيد النقيب في شهادته؛ ألا وهي تشكلة تلك اللجنة، فشرط النهايات تصحيح البدايات. فإلى جانب عيب فقدان الشرعية الذي طبع نشأتها حيث لا أصل لها ولا فصل من القانون، ورغم حسن نية بعض دعاتها (سنتناول رأيه لاحقا) وجمال وسلامة هدفها المعلن؛ فقد جاءت تشكلتها نتاجا طبيعيا للظرف السياسي الذي أفرزها، ومستجيبة تماما لغايات هدفها الحقيقي غير المعلن الذي صاغته ونفذته قوى نافذة وجدت في ضعف وتذبذب النواب ضالتها المنشودة ومطية يسهل ركوبها.. فكانت سياسية وانتقامية وانقلابية بامتياز، وبعيدة جدا عن الفنية والحياد، وربما أهمل فيها معيار الكفاءة والنزاهة، وغلب عليها طابع المحاصصة والتواطؤ، “ثلث” لـ”المعارضة الديمقراطية” التي خاصمت الرئيس السابق طيلة حكمه لحد تآمر بعض مكوناتها مع العدو حسب تسريبات ويكيلكس، ويتبجح أحد قادتها باسمها – وهو أيضا عضو في لفيف دفاع الطرف المدني المنتظر- بأنها من دعا إلى تشكيل تلك اللجنة، وتسعى فعلا بها إلى تصفية الحسابات مع ولد عبد العزيز الذي لم يكف خلال عشريته عن تصفية حساباته معها، وأن نواب الأغلبية لم يلتحقوا بدعوتها إلا بعد انفجار أزمة المرجعية1!
و”ثلث” للإسلاميين وهم عدو لدود له كذلك! و”ثلث” لنواب الأغلبية المائة واثنين (102) الذين دعوه إلى خرق الدستور والترشح لمأمورية ثالثة يستحوذون عليه خلالها، ولما استعصى واستعصم وتنحى طواعية عن السلطة، انبروا في تدميره ليخلو لهم وجه الرئيس الجديد ويستحوذوا عليه! ولا حاجة لذكر الأسماء؛ فهم يعرفون أنفسهم ويعرفهم الجميع. ومن الأمور المجمع عليها أن لا خير يرجى ولا عدل أو إنصاف من متصف بالعداء المشهود؛ ولا تسمع شهادة عدو على عدوه؟ والعداوة والعدالة مفهومان متناقضان تناقض الليل والنهار والسماء والأرض والخير والشر!
2. أساليب عمل اللجنة. إن مقولة “الهدف يبرر الوسيلة” الشهيرة هي مبدأ “سياسي” مكيافيلي ومافيوزي يتنافى مع جميع شرائع وقوانين وقيم السماء والأرض، ويتناقض مع مبدأ حسن النية المشترط في ممارسة الحق في جميع الشرائع والقوانين. ومع ذلك فقد خضعت لها واتبعتها “لجنة التحقيق البرلمانية” في عملها لبلوغ هدفها الحقيقي غير المعلن؛ وهو تدنيس عهد عشرية الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذهبية الحافل بالمنجزات؛ بما في ذلك سنة تداول السلطة، وتهيئة التربة للانقضاض والانقلاب على ذلك العهد، وقطع كل صلة لرئيس الجمهورية الحالي به، وتدمير ما بناه الشعب الموريتاني بعرقه ودمائه ودموعه، وطمس نموذج الرئيس محمد ولد عبد العزيز بصفته قدوة وفخرا ورمزا وطنيا وإفريقيا وعربيا، وحرمانه من حقوقه المدنية. وقد اتبعت في سبيل ذلك الوسائل التالية:
* الانحراف عن هدفها المعلن، واستهداف الرئيس ولد عبد العزيز، دون غيره من بين جميع من تسلطت عليهم. فوجهت جميع الأسئلة والتحريات التي قامت بها لتوريطه والنيل منه. وظلت تتبع هذا النهج دون أن يتغير فيه شيء، حتى بعد أن انتقده – بحق وجراءة ووضوح- رئيسها الأول، رئيس الوزراء الأسبق والنائب الحالي السيد يحي ولد الوقف، وندد بانحرافها عن نسقها المعلن، وبدور “الإعلام” في ذلك الانحراف وقال: “عندما ينظر الإعلام إلى التقديم الذي قدم به النواب عملهم يرى أنهم لم يتكلموا عن العشرية ولا عن النظام ولا عن الرئيس، تكلموا عن قطاعات معينة يريدون التحقيق فيها. ثم إن رئيس الجمهورية ليس مسؤولا بشكل مباشر عن التسيير؛ فالدستور واضح في أنه لا تمكن متابعته حول تسيير أي مرفق من المرافق العمومية. فحسب الدستور لا تمكن متابعته إلا في حالة الخيانة العظمى. فالإعلام ركز على العشرية وعلى النظام. في حين أن ما يسعى إليه النواب هو قيام البرلمان بدوره في رقابة الحكومة؛ سواء كانت هذه الحكومة أو الحكومات السابقة. وبالتالي يظهر لي أن الإعلام أخرج اللجنة من نسقها الحقيقي”.
* إحاطة نفسها، أو إحاطة من يبتزونها إياها، بهالة من القداسة والشرعية الزائفة نعتتها بأنها كاملة ومطلقة السلطة؛ بصفتها تعبيرا عن إرادة نواب الشعب، ولا سلطان عليها ولا على عملها للسلطتين القضائية والتنفيذية بموجب مبدأ فصل السلطات. وجند الإعلام المتواطئ والغافل في بث هذه الأكذوبة السوقية بين الناس. في حين أن نواب الشعب – مهما بلغوا من وطنية ونزاهة وكفاءة- مقيدون في ممارسة مأموريتهم بأحكام الدستور الذي لا يعطيهم إنابة عن الشعب إلا في مجالين مقننين ومنصوصين في الباب الرابع من الدستور الذي ينظم علاقات السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية (المواد من 56 إلى 77) والمجالان هما سن القوانين (المواد من 56 إلى 71) ورقابة عمل الحكومة القائمة عن طريق المساءلة وحجب الثقة (المواد من 72 إلى 77) وتتم تلك الرقابة على النحو التالي: “تلزم الحكومة بأن تقدم للبرلمان حسب الصيغ الواردة في القانون، كل إيضاحات تطلب منها بشأن تسييرها ونشاطها” (المادة 72) و”يعتبر الوزير الأول بالتضامن مع الوزراء مسؤولا أمام الجمعية الوطنية، وينتج تعريض المسؤولية السياسية للحكومة عن مسألة الثقة وملتمس الرقابة… وللجمعية الوطنية أن تطعن في مسؤولية الحكومة بالتصويت على ملتمس رقابة” (المادة 74) ولذلك إجراءاته المحددة في نفس المادة. و”يؤدي التصويت المناوئ أو المصادقة على ملتمس الرقابة إلى الاستقالة الفورية للحكومة، ولا يحصلان إلا بأغلبية نواب الجمعية الوطنية…” (المادة 75). ولا توجد مادة واحدة من تلك المواد تعطي أي سلطان ولا صلاحية ولا رقابة ولا نفوذ لنواب الشعب على الحكومات السابقة ولا على مؤسسة رئيس الجمهورية وتسييره، إلا في حالة الاتهام بالخيانة العظمى بخصوص رئيس في السلطة، ولا على رقابة المال العام التي هي صلاحية محكمة الحسابات! أروني إياها! وعليه فإن لكل من السلطتين التنفيذية والقضائية كل الحق في إيقاف لجنة تحقيق برلمانية غير شرعية عند حدها، وإعلان بطلان وإلغاء جميع أعمالها الفاسدة المدمرة. وليس لهما الحق في ذلك فحسب؛ بل إنه من واجبهما! من واجب رئيس الجمهورية بصفته “هو حامي الدستور، وهو الذي يجسد الدولة ويضمن – بوصفه حكما- السير المطرد والمنتظم للسلطات العمومية…” (المادة 24 من الدستور)! ومن واجب القضاء المستقل الذي لا يخضع إلا للقانون (المادة 90). ومع ذلك – ورغمه- يصف السيد النقيب هذه اللجنة بـ”المؤسسة البرلمانية التي تستحق منا كل احترام”. ويدعي أن لا سلطان للسلطتين (القضائية والتنفيذية) على عملها، عملا بمبدأ فصل السلطات! وذلك لكيلا يضطلع فخامة رئيس الجمهورية بواجبه في حماية الدستور وضمان السير المطرد والمنتظم للمؤسسات العمومية وحماية الدولة والمجتمع من مكر الماكرين، وليبتلع القضاء – دونما تبين وتمحيص- ما جرحته تلك اللجنة من خطايا وارتكبته من آثام في حق الوطن والأمة!
* ممارسة الابتزاز والتلفيق. لقد عملت لجنة التحقيق البرلمانية في شراكة حميمة مع بعض أجهزة الدولة والمعارضة (من مخابرات وإعلام) ومع قبائل وجهات من موريتانيا الأعماق تناوئ روح الدولة الوطنية على تلفيق وتسريب ونشر شائعات وأخبار كاذبة مضللة ونسبتها إلى مصادر موثوقة في اللجنة. كما عملت – مع نفس الشركاء وبهم- على تلفيق التهم الباطلة ضد من لا سلطان لها عليهم، ومن أمثلة ذلك:
أ. ترويج شائعات ما أنزل الله بها من سلطان عن اعترافات رؤساء الحكومات والوزراء المستجوبين على الرئيس، وامتلاك بعضهم عشرات التسجيلات الصوتية المتعلقة بأوامر مباشرة مخالفة للقانون كان قد أصدرها إليهم.
ب. ذكر أسماء العشرات من المؤسسات والمشاريع والمرافق العمومية، وادعاء وجود فساد كبير وهمي فيها؛ بغية تسميم وتضليل الرأي العام. في حين أن تلك المؤسسات والمشاريع مصادق على اتفاقيات إنشائها من طرف البرلمان نفسه، كشركة هوندونغ الصينية مثلا. وإما أنها قد اتخذت فيها جميع الاحتياطات وتمت بالطرق القانونية من طرف السلطات المختصة وظاهرة الرشاد كتوسعة الميناء ومطار انواكشوط وبيع عقارات الدولة. ثم إنها لا سلطان عليها للجنة التحقيق البرلمانية ولا للبرلمان أصلا.
ج. نشر صور مفبركة كاذبة عن أموال هائلة من العملة الصعبة والأوقية وقصور عالمية فخمة ومئات السيارات، وادعاء ملكية الرئيس السابق لها ووجودها من طرف اللجنة!
د. فضيحة جزيرة تيدرة. ومحاولات تزوير الأدلة فيها، وتضليل البرلمان وانتزاع قرار جديد منه بالباطل يقضي بأن يشمل التحقيق تلك الجزيرة دون أي أساس!
* الغلو والشطط والافتيات على القانون، ومن مظاهرها الفاحشة استهداف الرئيس السابق وتوجيه استدعاء له للمثول أمام تلك اللجنة، وادعاؤها الحق باطلا في الاستماع إليه، وتهديد بعض أعضائها باستجلابه بالقوة، ووضع لائحة طويلة من الأسئلة الموجهة إليه من طرفها دون حق شرعي، وتسريب تلك الأسئلة لتأجيج حملة التشويه والإضرار التي يقودها ضده القابضون على اللجنة والعاملون تحت واجهتها في الظلام.
* تكليف الخزينة العامة أعباء لا طائل من ورائها ولا فائدة. يقول النقيب في شهادته: “إن اللجنة عملت طيلة 6 أشهر ليلا ونهارا، واستعانت بالخبرات الوطنية والدولية، وتعاقدت مع مكاتب معروفة، وجندت قضاة محكمة الحسابات. ولا شك في أن ذلك قد كلف الخزينة العامة أعباء مالية كبيرة نطلب الإعلان عنها خدمة للشفافية. إن هذه الأعباء فضولية وفساد، ولا طائل من ورائها، لأنها صرفت في باطل لا تتوخى من ورائه أي نتيجة لجميع الأسباب القانونية التي أثرنا، ولا يصلح في أحسن الأحوال إلا للاستئناس حسب قول النقيب!
3. تقرير اللجنة وإحالته إلى الحكومة وإلى القضاء.
وهنا أيضا نبدأ برأي عميدنا ونقيبنا منسق لفيف دفاع الطرف المدني المنتظر في الموضوع. ومضمونه أن اللجنة قد أعدت تقريرا لا مثيل له، فيقول: “فإذا بهذه اللجنة تغربل هذه المسائل وتتقدم بتقرير. أنا أعتبر شخصيا أن هذا التقرير كان من مستوى عال؛ خاصة بالنظر إلى ما يجري في العالم. لنرى ما يجري في العالم الإفريقي، في العالم العربي، أي تقرير من هذا المستوى تم إعداده حول تسيير مرحلة معينة تم الاستماع فيها إلى رؤساء وزراء سابقين، إلى وزراء، إلى مدراء، إلى وإلى.. وحتى اللجنة البرلمانية طلبت من الرئيس السابق أن تستمع له، ولكنه هو الذي رفض”.
هذا عن رأيه في التقرير. أما رأيه في الإحالة فهو: أن “القانون ينص على وجوب إحالة تقارير اللجان البرلمانية التي تكتشف اختلالات أو جنح أو جرائم تحيل المسألة إلى القضاء”.
ولنا على ذلك الملاحظات التالية:
– أن النقيب كان على حق في مسألتين جوهريتين ذكرهما في مقابلاته؛ ألا وهما أن لجنة التحقيق البرلمانية لم يسبق لها مثيل في موريتانيا، وأن هذا التقرير لا مثيل له في العالم الإفريقي ولا في العالم العربي. ولكن هل يعتبر هذا مناط فخر وعزة، أم دليل ذلة وهوان وضياع وفوضى؟ من المؤكد أن جميع الأنظمة التي تعاقبت في موريتانيا منذ الاستقلال إلى سنة 2019 لم يتجرأ نظام منها على انتهاك ودوس الشرعية الدستورية، ولم يقل أي منها بأن النظام الداخلي للجمعية الوطنية بمثابة قانون نظامي أو مكمل للدستور؛ وبالتالي لم يقم نظام واحد منها بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية، لأن ذلك – بكل بساطة- مخالف للدستور! ونفس الشيء يصدق على تقرير لجنة التحقيق البرلمانية؛ إذ لا وجود في إفريقيا والعالم العربي لبلد غيرنا يقدم طواعية – ومزهوا أيضا- على تدمير نظامه السياسي واقتصاده واستقراره وأمنه ووحدته الوطنية وسمعته مجانا، ويمرغ بناة وأطر دولته في التراب دون حق شرعي أو أساس قانوني.
– أما فيما يتعلق بجودة التقرير وكونه “من مستوى عال” فمن الغريب أن يقول ذلك رجل قانون! وذلك لسببين:
أولهما بطلانه وفضوله المستمد من بطلان وفضول اللجنة التي أعدته، والنعت تابع للمنعوت، وهل يلد الشهاب إلا الجمرة.
والثاني: كونه أوهى من نسيج العنكبوت. ولكيلا نذكر شيئا من عندنا، فسوف نقتصر فيه على رأي خصمنا وحليف الطرف المدني المنتظر، النيابة التي تقول في رسالة إلى المدعي العام عن خطتها للبحث: “من خلال اطلاع أولي سريع على الملف، سجلنا بعض الملاحظات عليه،
* ففي بعض الجوانب كانت المعلومات ناقصة جدا، واعتمد جزء من التحليل المقدم على وثائق جزئية، وصحتها مفترضة فقط!
* ولم يتنبه المحررون إلى أن قانون مكافحة الفساد مثلا لا ينطبق إلا على الوقائع التي تلت دخوله حيز التنفيذ في 2016، ولا يعني ذلك وجود فراغ قانوني، لوجود قوانين جزائية أخرى مثل قانون العقوبات، لكن بميزات أقل.
* مع إمكانية شمول التقادم لبعض الحالات!
* أن النسخة العربية مترجمة ترجمة غير جيدة، وبعض فقراتها يصعب فهمها بسبب أخطاء في الصياغة.
* إعطاء الوصف الجنائي للوقائع، وتحديد المسؤوليات من اختصاص القضاء، وسيكون الرجوع إلى تقرير اللجنة بهذا الخصوص على وجه الاستئناس فقط.
* ولا بد من الإشارة هنا إلى أن أهم نتيجة ترجى من فتح ملفات الفساد هو استرجاع الدولة لأكبر قدر ممكن من الأموال العمومية المنهوبة، والتركيز على هذا الجانب قد يخفف بعض ضغط الرأي العام المتابع”.
سيدي النقيب؛
إذا كانت هذه ملاحظات حليفكم (النيابة) من خلال اطلاع أولي سريع على ذلك التقرير، فما ذا ستكون – في رأيكم- ملاحظاتنا نحن؟ وكيف تثمنون ذلك التقرير بأنه كان “من مستوى عال” وهو يحتوي على هذه النواقص القاتلة؟ وأين روح النقد والاستقلال والحياد والتحفظ والموضوعية التي يجب أن يتحلى بها المحامي ورجل القانون؟ وكيف تفسرون كون جميع الخبراء والخبرات والقضاة والمحامين الذين استعانت بهم اللجنة لم يقل لها أحد منهم إنها هي وما تقوم به انتهاك للقانون خارج على الشرعية الدستورية، وأن لاّ أحد منهم له دراية بعدم رجعية القانون أو بالتقادم أو باللغة العربية؟ أيجهلون ذلك كله، أم علموه وجحدوه فدل عليهم قول القائل:
إذا كنت لا تدري فتلك مصيبة ** وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم؟!
– أما كون “القانون ينص على وجوب إحالة تقارير اللجان البرلمانية التي تكتشف اختلالات أو جنح أو جرائم تحيل المسألة إلى القضاء”. فنحن نقول لكم ونعلنها على رؤوس الأشهاد: إن القانون الذي تتحدثون عنه لم يصدر قط في موريتانيا. وكان عليكم أن تقدموا للمشاهد الكريم اسم هذا القانون وتاريخ صدوره ومادته التي تنص على ذلك.
وأخيرا، وفي إطار عمل “لجنة التحقيق البرلمانية” وتقريرها وإحالته إلى القضاء وكون “النظام الداخلي للجمعية الوطنية بمثابة قانون نظامي، ومكملا للدستور” فلماذا تظلمون أركان نظامكم وأطر دولتكم ووزراءكم الواردة أسماؤهم في التقرير المشؤوم، ولا تطبقون في حقهم المادة 136 من ذلك النظام الداخلي “المكمل للدستور” والتي تنص حرفيا على ما يلي:
“1- للجمعية الوطنية أن توجه اتهاما للوزير الأول و/ أو لأعضاء الحكومة أمام محكمة العدل السامية طبقا لأحكام المادتين 92 (جديدة) و93 (جديدة) من الباب الثامن من الدستور.
2- لا يعتبر قرار المتابعة، وكذا الاتهام، نافذا إلا بعد التصويت عليه بالأغلبية المطلقة من الأعضاء المشكلين للجمعية الوطنية في اقتراع علني. وفي هذه الحالة، يقدم الوزير الأول أو عضو أو أعضاء الحكومة المتهمون استقالتهم”.
لما ذا تخربون بيوتهم، وتدنسون سمعتهم، وتلقونهم في الشارع مع مواساة لفظية بأن من برئ منهم سيعاد له الاعتبار، في حين أنهم لم يتهموا أصلا ولا هم يحزنون؟ كل ما في الأمر أن أسماءهم وردت شططا وظلما وبغيا في تقرير باطل صادر عن لجنة فضولية غير قانونية. ثم إن إجراءات الاتهام المنصوصة في الدستور (المادتان 92 و93) وتلك المنصوصة في المادة 136 من النظام الداخلي “المكمل للدستور” (حسب قول النقيب) لم تطبق عليهم، وظلموا ظلما شنيعا، لسبب بسيط؛ هو أنه كان عليهم أن يتركوا مقاعدهم لآخرين طال وقوفهم في طابور الانتظار واقتسام الكعكة الوطنية! وربما يكونون أصلح منهم..

________________________
1. يرجع إلى تسجيل صوتي للأستاذ لو غورمو، ومقابلة مع قناة بي بي سي البريطانية.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى