آراءموضوعات رئيسية

ملاحظات جزئية حول قرار الإقامة الجبرية! (4)/ الأستاذ محمدٌ ولد إشدو

رابعا: حول تهافت وفساد أسباب القرار المعلنة!
السبب الأول: إعاقة سير العدالة والتحقيق ومخالفة الفقرة الثالثة من المادة 18 من قانون الفساد.
إن هذا السبب الذي جُعِلَ، قبل غيره، حجر زاوية تأسيس هذا القرار، لا أساس له من الصحة، ومتهافت، وباطل، ومخالف لشكل وروح المادة التي بني عليها من طرف قطبي التحقيق والنيابة! وهذا ما ستبينه بجلاء ملاحظاتنا التالية:
فأولا، لا يوجد في الجمهورية الإسلامية الموريتانية قانون للفساد؛ بل يوجد قانون لمكافحة الفساد!
ثانيا، صرح الرئيس محمد ولد عبد العزيز في محضر الجلسة التي اتخذ فيها القرار بأنه يتمسك بمقتضيات المادة 93 من الدستور الموريتاني. وهذا يعني تمسكه بحصانته التي تقتضي امتناع مساءلته أصلا، وعدم اختصاص القضاء العادي بنيابته وتحقيقه. وهذا لا يعتبر رفض إجابة؛ بل هو تمسك بحصانة، واعتصام بمادة دستورية أسمى من جميع القوانين!
ثالثا، وإذا افترضنا جدلا، وجدلا فقط، مع قطبي التحقيق والنيابة العامة، أن التمسك بالحصانة التي خولتها وكرستها المادة 93 من الدستور يعتبر رفضا للجواب، فإن رفض الجواب والصمت حق توفره قوانين موريتانيا والمعاهدات الدولية المصادق عليها من طرف موريتانيا. فقاضي التحقيق نفسه وفريقه ملزمان بقوة الفقرة الثانية من المادة 101 من قانون الإجراءات الجنائية بأن يشعرا المتهم “بأنه حر في أن لا يدلي بأي تصريح. ويشار في المحضر إلى هذا الإشعار” وجوبا. وقد فعلا ذلك، وتم إدراجه في محضر الاستجواب! ومن المستحيل عقلا وقانونا أن تشكل ممارسة حق مُحْكَم منصوص، فعلا مجرما ومعاقبا، وأن يرتب عليها قاض يحترم نفسه ويحترم القانون أي عقاب! خاصة إذا كان قاضي تحقيق، وليس قاضي حكم!
رابعا، لقد أخطأ قطبا التحقيق والنيابة في فهم وإعمال مقتضيات الفقرة 3 من المادة 18 من قانون مكافحة الفساد خطأ فادحا حين عاقبا بها وعللا قرارا بفرض إقامة جبرية، أو تشديد مراقبة قضائية. ذلك أن:
* الفقرة المذكورة تنص على معاقبة “كل من رفض عمدا ودون تبرير تزويد سلطات الرقابة والبحث والمتابعة والتحقيق بالوثائق والمعلومات المطلوبة” بالحبس من سنة (1) إلى خمس (5) سنوات، وبغرامة من مائتي ألف (200000) أوقية إلى مليون (1000000) أوقية، وهي جزء من مادة موضوعية تجرم “الإخفاء” ولا علاقة لها إطلاقا بالإجراءات الجنائية. والرئيس محمد ولد عبد العزيز لم يطلب منه على الإطلاق تسليم وثائق ومعلومات يخفيها! بل وجهت إليه تهم باطلة يمنع توجيهها إليه بموجب حصانته الدستورية، فرد بأنه يتمسك بمقتضيات المادة 93 من الدستور! وبالتالي فالفقرة 3 من المادة 18 المذكورة لا تنطبق عليه، ولا على واقعة تمسكه بحصانته، وبعدم اختصاص القضاء العادي؛ كما لا تنطبق على استخدام حق الصمت المشروع! ويشكل لي عنقها، وتحريفها عن موضعها، وتحميلها ما لا تحمل، بغية ظلم خصم سياسي مستهدف من طرف الدولة “تدليسا وغشا… أثناء مزاولة التحقيق” تجوز مخاصمة مرتكبيه عملا بالفقرة الأولى من المادة 272 من قانون الإجراءات المدنية (الباب الثالث في مخاصمة القضاة).
* ثم إن العقوبة المنصوصة في المادة المذكورة على من ارتكب الفعل المجرم المحدد فيها، لا يوقعها فريق التحقيق ولا النيابة العامة؛ بل يحكم بها – إن ثبتت- قاضي حكم في محاكمة عادلة، وينطق بها في جلسة علنية. ومن التهافت والحيف، والخطأ المهني الفادح ربطها بإجراءات الرقابة القضائية واتخاذها سببا في تشديدها من عدمه.
* وهب أن تلك المادة منطبقة، وإجرائية، ويعاقب على خرقها فريق التحقيق، وأن الرئيس خرقها، فلما ذا يلغي القاضي – أو القضاة- اشتراطها عدم التبرير لنهوض الفعل المجرم في قولها: “ودون تبرير”؟ ولماذا لم يناقشوا ذلك الشرط، ويرتبوا عليه ما يترتب؟
* وأخيرا، فإن سبب هذا الخطأ المهني الفادح، والإخفاق، عائد لعدم الاستقلال، والخضوع للأوامر، والتبعية المطلقة للنيابة العامة. فلأسباب سياسية صرفة لا علاقة لها بالقضاء والقانون تقرر وضع الرئيس محمد ولد عبد العزيز رهن الإقامة الجبرية للتخلص من إحراجه، كما أخبر بذلك بعض المواقع القريبة من دوائر القرار قبل انعقاد الجلسة. ثم جاء دور القضاء ليجسد وينفذ القرار! وإذا نظرنا إلى محضر الجلسة التي اتخذ فيها القرار نجد في نهاية الصفحة العاشرة الملاحظة التالية ضمن ملاحظات وطلبات النيابة العامة: “المادة 18 من قانون مكافحة الفساد تعتبر أن أي شخص يمتنع عن تقديم معلومات متعلقة بوقائع ينص عليها قانون مكافحة الفساد يقع تحت طائلة إعاقة سير العدالة”. فلماذا لا يتبين فريق التحقيق، ويكف عن اتباع النيابة العامة وهي طرف له مآرب شتى؟
السبب الثاني: “أن المادة 123 من ق إ ج في الفقرة 4 نصت على ما يلي: يمكن لقاضي التحقيق تغيير التدابير المتخذة، أو إضافة تدبير آخر أو أكثر، تلقائيا أو بناء على طلب النيابة العامة، أو المتهم أو محاميه بعد أخذ رأي النيابة العامة”. إن هذا السبب متهافت هو الآخر، وباطل مثل سابقه. لأنه كمن يقول لنا: السماء فوقنا والنار حامية. إذ لا جدال في أنه يجوز لقاضي التحقيق تغيير تدابير الرقابة القضائية، أو إلغاؤها، واتخاذ غير ذلك من الأوامر والقرارات، تلقائيا أو بناء على طلب أحد الأطراف. ولكن هذا الجواز مشروط بشروط لم يبوب عليها متخذ القرار في قراره، ولم يناقشها، ولم يحرص على توفرها في أسباب قضائه، وهي:
* عدالة الإجراء المتخذ. وتعني كما ذكرنا آنفا في حديثنا عن تعليل القضاء، أن يكون سليما، ومنصفا وعادلا، ويحمي حقوق الفرد، وحقوق الدفاع، وغير متأثر بعاطفة، ولا تنفيذا لأوامر عليا ظالمة يرجى من وراء تنفيذها نفع أو يخشى من عدمه ضرر!
* أن يوافق نص وروح القانون. فالقاضي ليس مشرعا، ولا حاكما مستبدا؛ بل حَكَم. وهو كما يقول مونتسكيو (Montesquieu): “الفم الذي ينطق بالقانون” وخاصة في المادة الجنائية التي هي في الأصل “ظاهرية”!
* أن يحترم إرادة المشرع وتوقه إلى الحرية.
فهنا مربط الفرس الذي أهمله القرار في حيثيته هذه، واكتفى بالحديث عن مبدأ جواز اتخاذ القاضي لإجراء من الإجراءات.
وبما أن القرار أهمل هذه المسألة التي هي مدار التسبيب، فسوف نذكر حولها ما يلي:
أ. أن جميع إجراءات فريق التحقيق المتعلقة بوضع الرئيس محمد ولد عبد العزيز و”المتهمين” معه بالباطل في هذا الملف السياسي قيد المراقبة القضائية هي إجراءات باطلة من أساسها، ومخالفة لصريح القانون؛ وخاصة المادة 123 من قانون الإجراءات الجنائية التي علل فريق التحقيق إجراءه الجديد الظالم بالفقرة 4 منها. ذلك أن هذه المادة في فقرتها الأولى قبل الثانية وقبل الثالثة والرابعة، تقول بالحرف الواحد:”يمكن أن يوضع المتهم تحت المراقبة القضائية في أية مرحلة من مراحل التحقيق لمدة شهرين قابلة للتجديد خمس مرات، لأجل ضمان حضوره…”. فهل لا توجد وسيلة لضمان حضور زعماء وقادة موريتانيا على مدى عقد من الزمن: الرئيس محمد ولد عبد العزيز والوزيران الأولان يحي ولد حدمين ومحمد سالم ولد البشير والوزراء الآخرون، إذا ما دعاهم القضاء سوى وضعهم تحت المراقبة القضائية المشددة؟ هل هم مجهولو عناوين؟ أو يخشى هروبهم؟ وعليه فإن قرار وضعهم أصلا تحت المراقبة القضائية قرار سياسي أملته رغبة خصومهم الحاكمين في الانتقام منهم والإمعان في إهانتهم وإيذائهم، وليس قرارا قضائيا أملته ضرورة ضمان حضورهم. وكان حريا بفريق التحقيق أن لا يتخذه دون تبين تلبية لرغبة نيابة عامة لم تُقم عليه دليلا؛ بل كان عليه أن يرفضه صيانة لهيبة القضاء، وحماية لاستقلاله، وتكريسا لسيادة القانون، واحتراما لمكانة التحقيق وقضاة التحقيق!
ب. أن ” تشديد” تلك الإجراءات المشددة أصلا، في حق الرئيس محمد ولد عبد العزيز، عمل باطل وجائر لأنه:
– بني على إعمال المادة 123 وقد رأينا بطلان ذلك، وما بني على باطل فهو باطل،
– بني على الفقرة 4 من نفس المادة لمجرد أنها تجيز لقاضي التحقيق تغيير التدابير دون أن يؤسس ويعلل تدابيره الجديدة ويبين ملاءمتها لحسن سير العدالة والإنصاف وعدم خرقها للقانون،
– أنه جاء عقابا على فعل لم يثبت ارتكابه ولا يملك قاضي التحقيق حق إنزال العقاب بمرتكبه إن ثبت!
– أنه جاء نتيجة تدليس وغش وتحريف لمادة قانونية،
– أنه إجراء منفرد خص به الرئيس محمد ولد عبد العزيز دون غيره من المتهمين بالباطل في الملف رقم النيابة 01/2021. الشيء الذي يشكل خرقا سافرا للمادة التمهيدية من قانون المرافعات الجنائية في فقرتها الثالثة التي تقول: “يجب أن يحاكم (ويعامل) الأشخاص الموجودون في ظروف متشابهة والمتابعون بنفس الجرائم وفقا لنفس القواعد”.
– أن تشديد تدابير الرقابة القضائية، حتى ولو كانت سليمة وعادلة، أو إلغاءها وإيداع المتهم المشار إليه في الفقرة الأخيرة من المادة 123 المذكورة، لا يجوز إلا “إذا لم يحترم المتهم الالتزامات المفروضة عليه بمقتضى الأمر الصادر عن قاضي التحقيق”. والرئيس محمد ولد عبد العزيز لم يُخِلَّ بتلك الالتزامات في يوم من الأيام رغم تعسفها وظلمها وشططها!
– أن هذا الإجراء جاء عقابا للرئيس محمد ولد عبد العزيز دون غيره، على تشبثه بحصانته وممارسة حقوقه؛ الشيء الذي يشكل خرقا سافرا للمادة 128 من نفس القانون التي تقول: “يجب أن لا يمس تطبيق الوضع تحت المراقبة القضائية بحرية الرأي بالنسبة للأشخاص الخاضعين له، ولا بمعتقداتهم الدينية أو السياسية ولا بحقوق الدفاع”.
السبب الثالث والأخير: “أخذ رأي النيابة العامة في جلسة الاستجواب بتاريخ 11مايو 2021 التي تبين فيه النيابة العامة تتمسك بطلب المراقبة القضائية المشددة على المتهم محمد ولد عبد العزيز انسجاما مع طلباتها الأصلية في طلباتها الافتتاحية”. ولن نسترسل في التعليق على هذا السبب. بل سنكتفي فقط بدلالة ما ورد فيه في صلب القرار من أخذ فريق التحقيق برأي النيابة العامة، وتجاهله التام لرأي الدفاع؛ وما في ذلك من حيف وانحياز لطرف دون آخر، ومن خرق لصريح القانون.
فبالرجوع إلى النزر القليل الذي تم تسجيله من تدخلاتنا في محضر الجلسة المذكورة نجد ما يلي مسطورا قبل ملاحظات وطلبات النيابة الواردة في السبب الثالث من أسباب القرار: “الأستاذ محمدن ولد إشدو: ألفت انتباه الفريق إلى أن الدستور فوق القوانين، وأن المادة 93 من الدستور فوق كل الأحكام القضائية والقرارات الدستورية. وكم أتمنى أن يكون قطب التحقيق حكما وليس متهِما، وأن يميز بين حق الصمت وحق التمسك بالحصانة الذي يعتبر تمسكا بعدم جواز الاتهام أصلا. وحول طلبات النيابة العامة بخصوص المراقبة القضائية فأعتبرها غير مؤسسة وتعسفية، لأنه لا يوجد ما يبررها
الأستاذ الطالب خيار: المادة 93 من الدستور ليست دفعا ولا تحتوي على تحد للمحكمة ولا لدولة المؤسسات لاعتبارات هي أولا أنها مادة دستورية، وفيها أن الرئيس السابق لديه حصانة وامتياز قضائي منصوص عليه ومنصوص على الكيفية التي تتعامل معه بها المؤسسات. وتمسك الرئيس السابق بالمادة 93 فيه ما يؤكل ويشرب، ولا توجد سابقة قضائية تتعلق بمضايقة رئيس سابق. فالوقائع والأسباب والاتهام تتعلق بفترة مأموريات. وموكلنا رئيس سابق لديه مادة تحميه. وإذا اضطر القضاء إلى تأويل نص، فإن التأويل يتم لصالح المتهم.
الأستاذ الشيخ ولد حمدي: أستغرب أن يفسر تمسك شخص بمادة دستورية أمرا مخالفا لقوانين الجمهورية. والتمسك بالمادة 93 من الدستور إنما هو احترام لقوانين الجمهورية وللجمهورية. وهنا أنبه على أن موكلنا احترم المراقبة القضائية؛ وبالتالي نطلب رفعها عنه!
الأستاذ اباه ولد امبارك: نختلف في قراءة المادة 18 ونعتبرها تتعلق بشخص خارج دائرة الاتهام يعمل في مؤسسة معينة تطلب منها معلومات. وحق الصمت حق مصان.
الأستاذ محمد المامي ولد مولاي اعلي: موكلنا مضمون حضوره بوصفه رئيسا سابقا. وتغيير تدابير المراقبة القضائية لا يبرر بمدى كلام المتهم وغيره. وبالتالي نطلب رفع المراقبة القضائية”.
فهل من العدل بعد هذا العرض أن يتجاهل فريق التحقيق حججنا ويرمي بها عرض الحائط في تلك الجلسة التي تمخضت عن قراره، وأن يأخذ برأي النيابة العامة وحده دونما نقاش وتمحيص ووزن وترجيح؟ ومع ذلك فإنها تدور، كما قال غاليلي! لقد خرق فريق التحقيق بقضائه بطرف واحد كل أصول وفروع التقاضي وخرق ثلاث قواعد جوهرية نصت على وجوبها ترتيبات المادة التمهيدية من قانون الإجراءات الجنائية وهي: “أن تكون الإجراءات الجنائية عادلة وحضورية وتحفظ توازن حقوق الأطراف، وأن تضمن الفصل بين السلطات المكلفة بالدعوى العمومية والسلطات المكلفة بالحكم، وأن يحاكم الأشخاص الموجودون في ظروف متشابهة والمتابعون بنفس الجرائم وفقا لنفس القواعد. كما كرست في قرارها سبعة (7) أسباب من موجبات البطلان والإلغاء والنقض الثمانية الواردة في المادة 545 من نفس القانون؛ وهي: عدم الاختصاص، وتجاوز السلطة، ومخالفة قواعد جوهرية في الإجراءات، وانعدام أو قصور الأسباب، وعدم البت في وجه الطلب، وانعدام الأساس القانوني.
فهل يعتبر هذا عملا قضائيا؟

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى