آراءموضوعات رئيسية

أبو العلاء المعري والسلفية / محمد عبد الرحمن عبدي

في كتابي”التفصيل والتبيين” ردا على الوهابية استوقفني المعري في رائعته الدالية الخفيفية، وجدته فيها أكثر إيمانا بالحياة في البرزخ والدار الأخرى من الحشوية الوهابية، وما يدعو له من وجوب احترام أهل القبور في قبورهم، أبو العلاء، وهو كما نقل الشيخ فتح الدين بن سيد الناس عن الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد كان يقول في حقه هو في حيرة، قال الصلاح الصفدي وهذا أحسن ما يقال في أمره، وذلك للأشياء الكثيرة المتناقضة التي أثرت في أشعاره وكتبه، وإن كان بعض الباحثين يرى أنها دست عليه.
قال السلفي ومما يدل على صحة عقيدته ما سمعت الحافظ الخطيب حامد ابن بختيار النميري يحدث بالسمسمانية مدينة بالخابور قال سمعت القاضي أبا المهذب عبد المنعم بن أحمد السروجي يقول سمعت أخي القاضي أبا الفتح يقول دخلت على أبي العلاء التنوخي بالمعرة ذات يوم في وقت خلوة بغير علم منه وكنت أتردد إليه واقرأ عليه فسمعته ينشد من قيلة
كم بودرت غادة كعاب ** وعمرت أمها العجوز
أحرزها الوالدان خوفا ** والقبر حرز لها حريز
يجوز أن تبطئ المنايا ** والخلد في الدهر لا يجوز
ثم تأوه مرات وتلا (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأتي لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد) ثم صاح وبكى بكاء شديدا وطرح وجهه وقال سبحان من تكلم بهذا في القدم سبحان من هذا كلامه فصبرت ساعة ثم سلمت عليه فرد علي وقال متى أتيت فقلت الساعة ثم قلت يا سيدي أرى في وجهك أثر غيظ فقال لا يا أبا الفتح بل أنشدت شيئا من كلام المخلوق وتلوت شيئا من كلام الخالق فلحقني ما ترى فتحققت صحة دينه وقوة يقينه.
قال الإمام الشيخ أبو بكر بن فورك:” الغلط في إدخال ألف كافر بشبهة إسلام خير من الغلط في إخراج مسلم واحد.، وكما هو في نظم محمد العاقب بن مايابى الجكني، نظمه لنوازل علامة مغربنا سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم العلوي رحمهما الله تعالى:
والارتداد لا عليه يحمل لفظ له على سواه محمل
فمدخل ألفا من الملاحده أقرب من إخراج نقس واحدة
رغم ذلك لست هنا لأحكم للمعري بالإيمان وأبعد منه أن أحكم عليه بالزندقة، فذلك أفتيات على قضاة زمانه، والتاريخ لا يسعفنا، لم نجد له فيه محاكمة بتهمة الزندقة، وقصيدته التي بين أيدينا وهي من أروع وأبلغ ما صدر عنه قالها في نعي عالم الشريعة الفقيه الحنفي أبي حمزة التنوخي ابن محمد بن داود التيمي الأصل قاضي منبج:
قَصَدَ الدهرُ مِن أبي حَمْزَةَ الأوَّ … ابِ مَوْلَى حِجيً وخِدْنَ اقْتِصادِ
وفَقِِيها أفكَارُه شِدْنَ لِلنُّعْ … مانِ مالم يَشِدْهُ شِـــــــــعْرُ زِيَادِ
فالعِراقيُّ، بَعْدَهُ، للحِجازِ يّ، قليلُ الخِلافِ سَهْلُ القِيادِ
وخَطيباً، لو قامَ بَينَ وُحُوشٍ عَلّمَ الضّارِاتِ بِرَّ النِّقَادِ
رَاوِياً للحَديثِ، لم يُحْوِجِ المَعْـ ـرُوفَ مِنْ صِدْقِهِ إلى الأسْنادِ
أنْفَقَ العُمرَ ناسِكاً، يَطْلُبُ العِلْـ ـمَ بكَشْفٍ عَن أصْلِهِ، وَانْتِقادِ
مُستَقي الكَفّ مِنْ قَليبِ زُجاجٍ بِغُرُوبِ الياعِ، ماءَ مِدادِ
ذا بَنَانٍ، لا تَلْمُسُ الذّهَبَ الأحْـ ـمَرَ زُهْداً في العَسجَدِ المُستَفادِ
وما كان الملاحدة يتغنون بمآثر قضاة الشريعة مشائخ السنة، بل استضافته كذلك واحتفاؤه ومدحه لشيخ المالكية قاضي قضاة الأمة الذي كان مختصا يومئذ بتلك الدعوى عبد الوهاب بن علي بن نصر الفقيه المالكي المشهور يدل على العكس. فلا إخال شيخ شيوخ المالكية في العراق وإمام وقاضي خليفة المسلمين ينزل ويستضيفه ملحد، حيث نجده يقول فيه:
والمالكي ابن نصر زار في سفر بلادنا فحمدنا النأي والسفرا
إذا تفقه أحيا مالكًا جدلاَ وينشرُ الملكَ الضِّلِّيل إن شعَرَا
القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر الفقيه المالكي المشهور مؤلف: – “التّلقين”. واسمه الكامل: “تلقين المبتدي وتذكرة المنتهي”.- “المعين على كتاب التلقين”. وهو شرح للتلقين،. – “شرح المدوّنة”.- “الممهّد في شرح مختصرً أبي محمَّد ابن أبي زيد”. وهو شرح لمختصر ابن أبي زيد القيرواني للمدونة، – “المعرفة في شرح الرسالة” شرح فيها رسالة ابن أبي زيد القيرواني، وقد قيل: بأنّه أول شارح لها، وسلك فيه مسلك الإسهاب والإطناب، في نحو ألف ورقة، حتّى بيعت أول نسخة منه بمائة مثقال ذهبًا.- “النُّصرة لمذهب إمام دار الهجرة” في مائة جزء، وهو من أعظم ما ألّفه القاضي، وقع بخطه في يد بعض قضاة الشّافعيّة، فألقاه في النيل قبل أن ينتشر.- “المعونة على مذهب عالم المدينة”. – “عيون المسائل أو المجالس” أو”اختصار عيون الأدلة”. – “الإشراف على نكت مسائل الخلاف”. وهو في فقه الخلاف العالي .-“الأدلة في مسائل الخلاف”.- “أوائل الأدلة في مسائل الخلاف بين الأُمَّة”. في الفقه المقارن.- “الردّ على المزني”.- “الجوهرة في مذاهب العشرة”.-“الفروق في مسائل الفقه”.- “الإفادة”. في أصول الفقه.-“التلخيص في أصول الفقه”، أو”الملخّص”.- “المفاخر”. في الأصول.- “المقدّمات في أصول الفقه” -“المروزي في الأصول”.
حدث لهذا القاضي ضيقٌ وشدةٌ، وهو ببغداد، فلم يَرَ بُدًّا من الرحيل عنها، وخرج لتشييعه يوم فَصَل جمع من أكابرها، وطوائف كثيرة، من أهلها، وما فيهم إلا متوجِّع لفراقه، أو آسف على فوات الاستفادة من علمه، فقال لهم عند الوداع: لو وجدت بين ظَهْرانَيْكُم رغيفين كل غداة وعشيَّة ما عدلت عن بلدكم. فلم تُحرك مقالته واحدًا منهم، يتكفل له بما طلب؛ فسار عنهم قاصدًا مصر، واجتاز معرة النعمان، وبها يومئذ أبو العلاء، فاستضافه، ولما وصل القاضي عبد الوهاب المذكور إلى مصر، أقبلتْ عليه الدنيا، وانهالت عليه صلات الأمراء، ولكنه لم يتمتع بشيء منها، بل مات عقب وصوله من أكلة اشتهاها، وسمعوه يقول وهو يتقلب ويتململ: لا إله إلا الله، إذا عشنا متنا. وهو القائل في بغداد:
بغداد دار لأهل المال طيبة وللمفاليس دار الضنك والضيق
ظللت حيران أمشي في أزقتها كأنني مصحف في بيت زنديق
ولما تهيأ القاضي عبد الوهاب للرحيل من معرة النعمان أهداه المعري ثلاثين درهمًا، وليته يقول ظل يهديه خمسين عاما مشيدا بعلمه ودينه، وخاطبه معتذرًا بقوله:
أيبْسُطُ عذري منعم أم يخصني بما هو حظي من أليم عتاب
قبول الهدايا سُنَّة مستحبَّة إذا هي لم تسلك طريق تحاب
فيا ليتني أهديت خمسين حِجَّة مضت لي فيها صحتي وشبابي
وقَلَّتْ له فاترك ثلاثين أسودًا متى ما تُكَشَّفْ تُلْفَ غير لُبَابِ
إذا أسكت المحتجّ كلَّ مناظر فعند ابن نصر نجدة بجواب
وما أنا إلا قطرة من سحابة ولو أنني صَنَّفت ألفَ كتاب
وبين يديه كفر طاب وإنسُها يعيش لفَقْدِ الماء عيش ضِباب
لعل الذي أنفذتُ يكفيه ليلة لإسباغ طهر حان أو لشراب
يقول: لعل هذه الدراهم القليلة، وإن كانت سوداء غير خالصة الفضة، تكفي الشيخ لأن يشتري بها قليلًا من الماء لطهره أو لشرابه؛ فإنه معرج على كفر طاب، وهي قليلة الماء، وأهلها يعيشون بها عيش الضِّباب. وإنما خص الضباب بالذكر؛ لأنها تصبر على العطش. ويرى بعض المحققين أن كفر طاب هي البلدة المسماة الآن بإدْلِب.
ما يهمني في هذه التدوينة ما ورد في داليته، رثائه الشهير للفقيه الحنفي أبي حَمزَةَ، حيث يقبح هوان أهل البرزخ على أهل الدنيا كما تفعل الحشوية الوهابية من تفجير وطمس للمقابر، فهو يومن فيها بالحياة الأخرى الباقية السرمدية، التي هي إما السعادة أوالشقاوة الأبديين، ويرى الدنيا في وعظ مؤثر بليغ زائفة زائلة بنجومها وكواكبها التي يعرف مداراتها وأبعادها، آخر ما توصلت إليه اكتشافات علوم الفضاءوأنها دار عمل والآخرة دار جزاء، فهذا الكفيف العربي التنوخي ليس متبحرا في الشريعة من فقه وحديث ولغة وبيان فحسب، إنه متبحر كذلك في علم الفضاء وأسرار الكواكب والنجوم يتحدث عن الثريا ونجومها والكوكب الأحمر، وبعد زحل في مداره عن الأرض قبل مسبار ناسا بألف عام، الشيء الذي يشهد بتفوق وسبق وريادة العرب والمسلمين، فهذه حال معرفتهم في القرن الرابع الهجري، الألفية الميلادية الأولى، حين كان الغرب يتخبط في ظلمات الجهل والتخلف.
استمع إليه:
وقَبيـــــحٌ بنَا، وإنْ قَدُمَ العَهْـ * ـدُ، هَــــــــوَانُ الآبَاءِ وَالأجْدادِ
سِرْ إنِ اسْطَعت في الهَوَاءِ رُوَيداً لا اخْتِيالاً عَلى رُفَاتِ العِبادِ
رُبّ لَحْدٍ قَدْ صَارَ لَحْداً مراراً ضَاحِكٍ مِنْ تَزَاحُممِ الأضْدادِ
وَدَفِـــــــينٍ عَلى بَقايا دَفِينٍ في طَــــــــويلِ الأزْمانِ وَالآباد
تَعَبٌ كُلّــــــــها الحَياةُ، فَما أعْـ ـجَبُ إلاّ مِنْ راغبٍ في ازْدِيادِ
إنّ حُزْناً، في ساعةِ المَوْتِ أضْعَا فُ سُرُورٍ في ساعَةِ الميلاد
خلق الناس للبقاء فضلت ** أمة يحسبونهم للنفاد
إنما ينقلون من دار أعمال ** إلى دار شقوة أو رشاد
……
فاسْألِ الفَرْقَدَينِ عَمّنْ أحَسّا من قبيلٍ، وآنسا من بلادِ
كَمْ أقامَا على زَوالِ نَهارٍ وَأنارا لِمُدْلِجٍ في سَوَادِ
…..
زُحَلٌ أشرَفُ الكَواكبِ داراً***مِنْ لِقاءِ الرّدَى، على ميعادِ
ولِنارِ المِرّيخِ مِن حَدَثانِ الدّهَـ*****ـرِ مُطْفٍ، وَإنْ عَلَتْ في اتّقَادِ
وَالثّرَيّا رِهينَةٌ بِافْتِراقِ الـ*****ـشّمْلِ، حَتّى تُعَدّ في الأفرادِ
وختمها بقوله:
بَانَ أمْرُ الإلهِ واْخْتَلَفَ النَّ … اسُ فَدَاعٍ إلى ضَلالٍ وهَادِ
والذي حارَتِ البَرِيَّةُ فيه … حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِن جَمادِ
واللَّبِيبُ مَن ليس يَغْتَرُّ … بكَوْنِ مَــــــصِيرُه لِفَـــــــسادِ
العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى