آراءموضوعات رئيسية

في أزمة أوكرانيا.. سعيٌ غربي لمصادرة رأي الإنسان المختلف منه وفرض الوصاية عليه/ عبد السلام بنعيسي

انطلقت في وسائل التواصل الاجتماعي وفي الدعاية الغربية ولواحقها من الدعايات الأخرى، حملةً شعواء ضد كل إنسانٍ لا يُندِّدُ بالتدخل الروسي  في أوكرانيا، فمن لا يبادر إلى التنديد، يُتَّهمُ، بمحاباة روسيا، بقيادة فلاديمير بوتين، وبكونه يقف ضد حق الشعب الأوكراني المسكين في التمتع بحريته واستقلاله، وسيادته على أرضه، وأنه من أنصار الظلم، ويساند استعمال العنف والعدوان من طرف قوة عظمى التي هي روسيا، ضد دولة صغيرة وجارة لها التي هي أوكرانيا، وهذا موقف، بالنسبة لمن يُوجِّهُ الاتهامَ، ليس أخلاقيا، فضلا عن كونه، موقفا يتنافى مع قرارات الشرعية الدولية، ومع القانون الذي ينظم العلاقات بين الدول..

لا يمكن للمرء أن يجادل في كون موقف الكثيرين من العالم، وأساسا من العالم الثالث، ومنه العالم العربي، موقفهم من التدخل الروسي في أوكرانيا، مختلفٌ عن موقف الغربيين من هذا التدخل. ومنبعُ الاختلاف، ليس لأن هؤلاء المختلفون في الرأي يحبون الغزو، ويعشقون العدوان على الغير، منبع الاختلاف، هو سلوك الغرب نفسه. فازدواجية المعايير التي يعتمدها الأوروبيون، ومعهم الأمريكيون، في تعاطيهم مع النزاعات الدولية، ومع بؤر التوتر في العالم، هو الذي ينتج هذه المواقف المتباينة مع مواقفهم والمناهضة لها.

ففضلا عن كون أصل أزمة أوكرانيا يتحدد في أن الغرب يريد فرض حصارٍ عسكري شاملٍ على روسيا، بحلف الناتو، لخنقها وتفكيكها، وجعلها دولة تابعة وخاضعة للغرب، وتكريس أحادية القطب في العالم، مع ما يستتبعها من سيطرة غربية على الإنسانية جمعاء، فضلا عن ذلك، فإن عدم تنديد الكثيرين بالروس، بسبب دخول قواتهم أوكرانيا، يَتِمُّ نكاية في الغرب، ومن منطلق إشعار الغرب بذنوبه التي يقترفها هو أيضا، حين يتدخل بفظاظة، في جهات أخرى من العالم، أو حين يغضُّ الطرف عن تجاوزات فاضحة للقانون الدولي تتم في بؤر التوتر والنزاعات، ولا يستعمل الوسائل والإمكانيات الضخمة والفعالة التي يتوفر عليها لوضع حدٍّ لهذه التجاوزات ومعاقبة مقترفيها، بل نجد الغرب، في الكثير من الأحيان، يشجع مقترفيها على الإمعان فيها، خصوصا إذا كان ذلك يتماشى مع مصالح الغربيين، السياسية، والاقتصادية، والعسكرية.

الاختلاف مع الغرب الذي يصبح شبهَ تأييدٍ يحظى به الروس في تدخلهم في أوكرانيا، يُشكِّلُ، في واقع الأمر، ردَّ فعلٍ مستحقٍّ، على التدخلات الغربية التي جرت سابقا، في العراق، وليبيا، واليمن، وسوريا، وفي كوبا، وبنما، وفنزويلا، ونيكاراجوا، وفي الفيتنام، وفي كل البلدان التي خضعت، لعقود طويلة، للاستعمار الغربي، وعانى إنسانُها من الاضطهاد على يد المستعمرين، وتعرضت ثرواتها للسرقة والنهب والاستنزاف من طرف الدول الاستعمارية، ولعل هذه التصرفات الغربية، لا تختلف، إن لم تكن تتجاوز ما يقوم به الروس حاليا في أوكرانيا، فلماذا ينتظر الغربيون من ضحاياهم، مواطني العالم الثالث، أن يكون لديهم نفس الموقف الذي للغرب، مما يجري من طرف الروس ضد الأوكرانيين؟؟ بأي حق يتوقع الغربيون من إنسان العالم الثالث أن تكون لديه ذات المشاعر التي يحملونها للروس في هذه الأزمة المشتعلة بين الطرفين؟

لو كنا إزاء كارثة طبيعية حلت بأوكرانيا، من قبيل الفيضان، أو الإعصار، أو الزلزال، أو الوباء، أو القحط والجفاف، لجاز للغربيين أن يتوقعوا من جميع سكان المعمورة التضامن مع الأوكرانيين، ومساندتهم في محنتهم، ولكن نحن أمام أزمة سياسية وعسكرية معقدة، وتنطوي على تضارب مصالح القوى العظمى وصراعاتها على الهيمنة على العالم، وتبعا لذلك، فإن من حق أي إنسان، وخصوصا من العالم الثالث أن يكون له رأيه الخاصُّ به في هذه الأزمة، بناء على مصالحه الذاتية قبل الغربية، ولا يجوز للغربيين مصادرة رأيه منه، وجعله نسخة لرأيهم، لأن في المصادرة ممارسةً للوصاية وللإكراه على هذا الإنسان، وتستبطن المصادرةُ نوعا من الشمولية والفاشية التي يزعمُ الغربُ أنه يواجه بوتين لمنعه من بثهما في العالم.

عندما يكون الغربيون الأقوياء الذين يوكِلون لأنفسهم مهمة الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، هم الأوائل الذين يخرقون القانون، ويدوسونه بأقدامهم ويخلفون، بدعوسهم على القانون، المآسي التراجيدية في أنفس الضعفاء، وينتجون بأفعالهم المنافية للقانون الملايين من الضحايا، ويخلفون الدمار والخراب في مناطق متعددة من جهات الدنيا الأربع، فكيف يريد الغربيون من ضحايا اعتداءاتهم، أن يقفوا إلى جانبهم، حين يتباكى الغربيون على تجاوز القانون وتحديه في أوكرانيا؟

مع كل الاحترام والتقدير للمعاناة التي يتلظى الأوكرانيون بنيرانها في الظروف الراهنة، فإن هذا التباكي الغربي على تحدي القانون من طرف الروس، يبدو للغالبية العظمى من الذين اكتووا بظلم الغرب، مجرد نفاق في نفاق. وليس من المستغرب ألا يصدق الضحايا، افتعال الغرب الدفاع عن القانون الدولي، فالمستغرب هو أن تنطلي الأكاذيب الأوروبية والتباكي الأمريكي، على الرأي العام في دول الجنوب، خصوصا منهم أولئك الذي اكتووا بنيران الغرب، وعانوا ويعانون إلى اليوم من ظلمه المسلط عليهم في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والاجتماع.

بفطرته وتجربته، ومن خلال المعاينة عبر مُددٍ طويلة من الزمان، أضحى إنسان العالم الثالث يدرك بحسه السياسي، أن الغرب، حين يتحرك بصرامة في أوكرانيا ضد روسيا، فإنه لا يقوم بذلك دفاعا عن الحق وعن قيم العدل، وسعيا لرفع الظلم والمعاناة عن الأوكرانيين، الغرب يسعى لمعاقبة روسيا، لأن مصالحه ومشاريعه في العالم، باتت موضع استهداف وعرقلة من طرف الروس في أوكرانيا، ولذلك لا يشعر الكثيرون من أبناء العالم الثالث، أنهم معنيون بهذه الهوجة الصادرة عن الغرب، لأنهم يعلمون أن الغرب لن تهتز شعرة في رأسه إذا تعرضت أي دولة من دول العالم الثالث للظلم والعدوان من طرف قوة غربية، بشكل يصبُّ في مصلحة الغرب.

جميع الدول الغربية ستشيح بوجهها إلى الضفة الأخرى إذا جرى غزو من طرف دولة غربية لدولة من دول العالم الثالث، وقد تبارك الدول الغربية هذا الغزو، وتجد له المسوغات والمبررات، ولقد عاينا هذا الأمر في العراق، وليبيا، وبنما، وجزر الفوكلاند، وفي وقوف البرلمان الأوروبي إلى جانب إسبانيا ضد المغرب في احتلالها لمدينتي سبتة ومليلية، ولا تخفي أمريكا أنها كانت تخطط لغزو دول الخليج عقب وقفها تصدير البترول للغرب في حرب أكتوبر 1973.

ولذلك، فإن لا معنى للقول الغربي إن الوقوف في وجه الغزو الروسي لأوكرانيا هو وقوف في وجه أي غزو آخر محتمل، هذا قولٌ كليشي، يقال للتغليط وللتخويف، ولحشد الرأي العام من دول الجنوب أساسا، في صفِّ الغرب بهدف عزل روسيا، وفرض الأمر الواقع عليها، فكل الوسائل متاحة للوصول إلى هذا الغرض.

خلال غزو العراق وليبيا وتدمير دولتيهما، كان الإعلام الغربي يركز على أنه يضرب صدام حسين ومعمر القذافي الدكتاتوريين المستبدين الخارجين عن القانون الدولي، وأنه لا يقصف الشعبين العراقي والليبي، أما في الأزمة الأوكرانية، فإن الغزو الروسي، بالنسبة للإعلام الغربي، يستهدف ويعتدي ويقتل الشعب الأوكراني، ولا أثر لذكر الرئيس الأوكراني أفولوديمير زيلينسكي بصفته مهرجا، وبهلوانا، ومغامرا يقود، بعصابات من النازيين الجدد، أوكرانيا، ويزُجُّ بها في مغامرات أكبر من إمكانياتها بكثير، كما يتردد ذلك في الإعلام الروسي.

لعلَّ إنسان العالم الثالث مع السلم والأمن والاستقرار أكثر من إنسان الغرب، إنه في حاجة لهذه المقومات ليبني اقتصاده، ويخرج من دائرة الفقر والهشاشة والبطالة والأمراض التي تنخر مجتمعه، إنه يريد أن تكون الديمقراطية الفعلية سائدة في العلاقات الدولية، ويصبح القانون الدولي محترما من طرف القوى الكبرى أساسا، ويسري عليها بحذافيره، ليجد إنسان العالم الثالث نفسه في القانون الدولي ويلجأ إليه، ويحتمي به، ووقتها سيقف كل الناس، من الغرب، ومن غير الغرب، ضد التدخل الروسي في أوكرانيا، وضد كل تدخُّلٍ في أي جهة من العالم، وسيبدو لهم هذا التدخل، مستهجنا ومستنكرا، وسينددون به، وسيتظاهرون في الشارع ضده، وسيساندون الغرب في موقفه الرافض له.

 لكن أمام سياسة الكيل بمكيالين في العلاقات الدولية التي ينتهجها الغرب، ووضع القانون على الرف وقت ما يشاء والعودة إليه عند الحاجة، للاستقواء به على الضعفاء والتجني عليهم من خلال تأويله تعسفيا، مع هذا النهج، فإن دعوة الغرب للتصدي للتدخل الروسي في أوكرانيا، تبدو بلا مصداقية، ولا تُحدِثُ التجاوبَ التلقائي معها، من جانب إنسان العالم الثالث، لأن مبعثَها المصالحُ الغربية المادية الخالصة، التي قد تكون متنافية مع مصالح أمم وشعوب أخرى ليست غربية.

يضاف إلى هذا أن دوافع الدعوة إياها، ليست قيم العدالة والحرية التي ينبغي أن تكون مشتركة وسائدة، في كل زاويةٍ وركنٍ من الكرة الأرضية، سائدة بالعدل، وبالتساوي بين الدول، كبيرها وصغيرها، غنيها وفقيرها، قويها وضعيفها. إنها دعوة انتقائية، وتمييزية، وغير مقنعة بالنسبة للعديدين من متلقيها من مواطني العالم الثالث أساسا.

كاتب مغربي

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى