آراءموضوعات رئيسية

في المقارنة بين الغزو الأمريكي للعراق ونظيره الروسي لأوكرانيا/ عبد السلام بنعيسي

أدخلتنا الأزمة الأوكرانية إلى عالم المقارنات. أصبحنا نقارن بين ما قامت به أمريكا في غزوها للعراق ماضيا، وبين ما تفعله روسيا في أوكرانيا حاليا. الموالون لأمريكا يريدون تصوير أفعال روسيا في أوكرانيا كأنها شبيهة، إن لم تكن متفوقة على أفعال القوات الأمريكية في العراق، في حين يرفض خصوم أمريكا هذه المقارنة، ويعتبرون أن جرائم أمريكا في بلاد الرافدين، كانت أقوى وأضخم بكثير جدا، مما تفعله القوات الروسية في أوكرانيا…

وفي الواقع، فإن الغزو يظل غزوا، سواء اقترفته أمريكا، أو روسيا، أو فرنسا، أو بريطانيا، أو الصين، ولا ينقص من هولِ الغزو، عددُ الضحايا الذين يسقطون خلاله، فسواء كان العدد مليونا أو مليونين، كما حصل في العراق، أو كان العدد هو ألف، أو عشرة آلاف إنسان كما قد يحدث في أوكرانيا، فإن الغزو يبقى بشعا في حد ذاته، وهو مرفوضٌ لذاته، ويتعين العمل من أجل تجنب حدوثه، حتى لا تكون ضحيةً له، أي دولة في العالم…

لكن مع ذلك، هذا لا يمنعنا من المقارنة بين الغزو الأمريكي للعراق، والروسي لأوكرانيا، والأسباب التي أدت لكليهما، لكي نُميز بينهما، تحاشيا للتعميم والتعتيم على الحقيقة. بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، تذرعت بغزوها للعراق بامتلاكه أسلحة الدمار الشامل، لكنها حين دخلت العراق وامتلكت كل شيء فيه، وفتشته من جميع زواياه وأركانه، لم تعثر على أي أثر لهذه الأسلحة، وهذا يفيد بأن غزو أمريكا للعراق كان بلا سبب، فلقد كان عدوانا سافرا على بلدٍ يبتعد عن أمريكا بآلاف الكيلومترات، ولم يكن العراق مؤهلا لتشكيل أي خطر على الأمن القومي الأمريكي.

أما بالنسبة لروسيا، فإن أوكرانيا دولة مجاورة لها، وكانت روسيا تعرض على جارتها أوكرانيا الصداقة والتعاون بين الدولتين في كافة المجالات، وكانت تسعى لأن تحافظ لأوكرانيا على سيادتها على إقليمها، وأن تسود بين الطرفين علاقات ندية، ملؤها الاحترام المتبادل، وكل ما كانت الدولة الروسية تطلبه من جارتها الأوكرانية هو الوقوف على الحياد إزاء الصراع القائم بينها وبين الغرب، وأن تراعي حقوق الأوكرانيين من أصول روسية، وألا تعاملهم كمواطنين من الدرجة الثانية، وألا تنشئ الفيالق النازية والقومية اليمينية المتطرفة وترعاها، وتعتدي بواسطتهم على هؤلاء المواطنين الروس والأوكرانيين.

 كان مطلب روسيا ينحصر في معاملةٍ أوكرانية لائقةٍ بروسيا تراعي الروابط الأسرية والثقافية التي تجمع الشعبين المتجاورين طوال تاريخهما المشترك، وألا تصبح أوكرانيا قاعدة للعدوان على روسيا، من خلال الانضمام إلى حلف الناتو، وألا تستعدي الدولة الروسية وتحرض الشعب الأوكراني ضدها، وألا تتحول أوكرانيا إلى قاعدة متقدمة للناتو تضم صواريخ نووية موجهة لقلب العاصمة الروسية موسكو…

وبدل الاستجابة لهذه المطالب البسيطة التي تستدعيها قواعد حسن الجوار، فإن النخبة الأوكرانية الحاكمة ركبت رأسها، بتحريض أمريكي، وسعت للانخراط في الناتو، أي أنها، اختارت أن تجعل من روسيا عدوة لأوكرانيا، وأعلنت بذلك أنها على استعداد لانطلاق الأعمال التدميرية ضد روسيا من أراضيها.

ولقد أعلن رئيس الوزراء الأوكراني الأسبق، نيكولاي أزاروف، أن الناتو كان يُخطِّطُ لشنِّ حرب عالمية ثالثة، باستخدام الأسلحة النووية ضد روسيا وتم تكليف كييف بالدور الرئيسي في شنِّ هذه الحرب، وكتب أزاروف في صفحته الخاصة على موقع فيسبوك: الناتو كان يخطط لشن حرب عالمية ثالثة باستخدام الأسلحة النووية ضد روسيا، وتم إعطاء الدور الرئيسي في هذا إلى النخبة الحاكمة الحالية التي تسيطر عليها أمريكا في أوكرانيا.

فإذن، الغزو الروسي لأوكرانيا كان غزوا اضطرت إليه روسيا، وجرى بهدف صدِّ غزوٍ محتمل لها كانت تعده أمريكا بتنسيق مع الناتو، انطلاقا من أوكرانيا… فروسيا تتصرف على أساس أنها تدافع عن نفسها، بخلاف أمريكا التي غزت دولة العراق البعيدة عنها، والتي لم يكن لدى أمريكا أي داعٍ لغزوها…

لا نعلم كيف ستكون عواقب الغزو الروسي لأوكرانيا، التاريخ هو الذي سيكشف لنا عن مضمونه، لكننا نسجل الآن أن القيادة الروسية تعطي الأوامر لقواتها المسلحة بضرورة تجنب قصف المدنيين، وتعلن أن لا نية للروس في البقاء في أوكرانيا كقوة احتلال، وأن لديهم مطالب محددة تنحصر في اعتماد أوكرانيا سياسة الحياد، وتخليها عن النووي، واجتثاث النازية فيها…

بينما في حربها على العراق رفعت أمريكا شعار، إعادة العراق إلى العصر الحجري، وأُعلن عن ذلك، بشكل مكشوف ورسمي، من طرف وزير خارجية أمريكا جيمس بيكر في حرب إخراج القوات العراقية من الكويت، وجرى الغزو الأمريكي لبلاد الرافدين بعد فرض حصار خانق على البلد لمدة تفوق 13 سنة، مات فيها جراء الحصار ملايين الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة، وأثناء الغزو كانت الطائرات الأمريكية تقصف الجسور، والموانئ، والمطارات، والشوارع والطرقات، والمدارس، والجامعات، والأسواق، والملاجئ، والعمارات، والمباني السكنية، وجرى تخريب كل البنية التحتية العراقية، وقُتل الآلاف من العراقيين بالفسفور الأبيض…

وحين تمكنت القوات الأمريكية من اقتحام العاصمة بغداد والسيطرة على البلد، فإنها أعطت الضوء الأخضر للغوغاء والدهماء لكي يدمروا ما تبقى من ممتلكات العراق، وينهبوا بنوكه ومتاحفه، وكافة مؤسساته، واستمر التخريب والنهب لمدة ثلاثة أيام، برعاية من الجنود الأمريكان الذين كانوا يتفرجون على ما يحدث أمامهم دون تحريك ساكن، باستثناء وزارة الطاقة والبترول التي كانت تحت حمايتهم، والتي لم يسمحوا لأي كان بالاقتراب منها…

وبعد أن استتب الأمر للأمريكان في العراق، فإنهم فرضوا على العراقيين دستور بريمر الذي شتت الدولة العراقية، وجعل منها دولة طوائف، وأنشأوا في العراق ما أسموها أكبر سفارة لهم بالشرق الأوسط، كما أنهم أشرفوا على تعذيب السجناء في معتقلي أبو غريب وبوكا، وقاموا باغتصاب العديد من الرجال والنساء، وتم تصوير حالات الاغتصاب، وعُرضت على الجمهور، وظهر المجندون الأمريكيون والمجندات الأمريكيات وهم يستلذون بممارستهم للاغتصاب والتعذيب ضد السجناء العراقيين، وها هي القوات الأمريكية ترفض إلى اليوم الخروج من العراق رغم قرار البرلمان العراقي الداعي إلى خروجها…

الأمريكان أتوا في غزوهم للعراق من الفظائع والمنكرات ما يستحيي الشيطان من ذكرها، والمقارنة بين ما اقترفوه في بلاد الرافدين، وبين ما يقترفه الروس لحد الساعة في أوكرانيا ليست في صالحهم، جرائم الأمريكان في العراق، وفي مناطق عديدة من العالم أفظع وأبشع، فكما يقول محمود درويش: أمريكا هي الطاعون والطاعون هو أمريكا، علما بأننا لا نتمنى الغزو لأي بلد. فكما نرفضه لبلداننا، فإننا لا نقبل به لبلدان غيرنا…

كاتب مغربي

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى