آراءموضوعات رئيسية

ما العلاقة بين الغارات الإسرائيلية الأخيرة على سورية وعزم روسيا سحب قواتها لاوكرانيا؟/ ريم عثمان

يقول الفيلسوف الصيني صن تزو ,صاحب كتاب (فن الحرب) إن “الانتصار في المعارك ليس هو النجاح التام .. النجاح التام هو أن تكسر مقاومة العدو بدون قتال” . فكيف إذا كان هذا العدوّ هو الكيان الإسرائيلي الذي بات يتصرف بناء على التكهنات والشائعات التي يمكن أن يسرّبها صحفي هاوٍ على أحد مواقع التواصل الاجتماعي ,أو تحليل ومقال رأي يخرج من بعض الصحف الصفراء هنا وهناك, أو من الكلمة والحرف والصوت ,وحتى من نعش ترقد فيه جثة هامدة ! وكيف إذا كانت المقاومة تشهر في وجهه سلاحي الكلمة والبندقية معا ؟!

نعم هذا هو الحال الذي وصلت إليه “إسرائيل” وحال المعركة معها ,ما يؤكد بكل يقين إصابتها بجنون الشك السياسي بعد أن كانت تعاني جنون العظمة لعقود طويلة. و بعد أن سقطت في قاع الجنون وعلقت فيه لم يبقَ أمامها خيار سوى المقامرة , مقامرة بدت واضحة في ردّ فعلها على ما نشرته صحيفة (موسكو تايمز) الروسية المعارضة مطلع أيار /مايو الجاري ,والتي نقلت عنها صحف عربية وعبرية تقارير، تفيد بنيّة روسيا سحب مقاتليها من سوريا من ثلاثة مطارات لزجّهم في المعركة الدائرة في أوكرانيا.

تقارير أثارت هلع “إسرائيل” رغم بقائها في إطار الشائعات لطالما لم يخرج من دوائر موسكو الرسمية أي تأكيد أو نفي لها ,لكنها حرّكت شكوك “إسرائيل” بإمكانية استفادة إيران من خطوة روسيا تلك فيما لو كانت واقعا على الأرض عن طريق نقل إيران وحداتها إلى المناطق التي سينسحب منها الروس. وما عزّز تلك الشكوك الإسرائيلية الخلاف الذي يتصاعد مؤخرا بينها وبين موسكو على خلفية اتهام الأخيرة لها بدعم “نظام النازية الجديدة”، في أوكرانيا ,وبعد أن قال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إن “الزعيم النازي، أدولف هتلر لديه دماء يهودية” وأن “أكثر المعادين الساميين عنفا هم من اليهود”.

وجاءت زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران في الثامن من أيار لتزيد طين الإسرائيليين بلّة وتفتح باب التكهنات أمام منح إيران مساحة أكبر في الساحة السورية من خلال دعوة الرئيس الأسد للقوات الإيرانية رسميا لسدّ الفراغ الذي ستتركه القوات الروسية في سورية ,وهنا بدأت المقامرة الإسرائيلية والتصرف بردات الفعل الانفعالية عبر إطلاقها معركة أشبه بـما يسمى “كسر العظم” مع محور المقاومة دون التفكير في النتائج والعواقب, بعد أن عجزت عن إجبار إيران على الخروج من سوريا أو حتى إضعافها فيها, فكيف أن يكون الخيار البديل أن تحل محل روسيا وتصبح الأجواء السورية ملك يمينها ,وهي ألدُّ أعدائها.

بدأت المقامرة في الثالث عشر من أيار عبر أذرعها الطولى في سوريا حيث تم استهداف حافلة تقل عسكريين من وحدات الجيش العربي السوري في بلدة عنجارة بريف حلب الغربي بصاروخ مضاد للدروع ,ما أدى إلى “استشهاد عشرة عسكريين وجرح تسعة آخرين” جميعهم ينحدرون من بلدتي نبّل والزهراء الشيعيتين المعروفتين بولاء سكانهما لإيران. وإن لم تحدد هوية الفصائل المسلحة التي نفذت هذا العدوان الغادر إلاّ أنّ هيئة تحرير الشام “النصرة سابقا ” تسيطر على تلك المنطقة ومعروف للقاصي والداني ارتباطها بـ”إسرائيل” وولاءها لها.

ساعات فقط فصلت هذا العدوان عن عدوان آخر طال بلدتي نبل والزهراء أيضا ,حيث استهدفت فصائل مسلحة السكان الآمنين في البلدتين بقذائف صاروخية أسفرت عن استشهاد طفل وجرح آخر . وفي اليوم ذاته شنّ العدوّ الإسرائيلي عدوانا جوّيا على بلدة مصياف بريف حماة برشقات من الصواريخ أسفرت عن خمسة شهداء بينهم مدني وأربعة عسكريين من طاقم عربة /البانتسير/ المضادة للصواريخ والتي كانت هدفا لصواريخ العدوّ.

لم تهدأ نوبة الجنون السياسي الإسرائيلية تلك بل وصلت بها إلى درجة اتهام روسيا بالتصدي لطائراتها المعتدية على سوريا فوق البحر المتوسط بصواريخ إس 300 روسية الصنع, وقالت القناة الـ13 العبرية في تقارير لها إن ” القاعدة الروسية المتمركزة في حميميم بمدينة اللاذقية الساحلية أطلقت صواريخ إس 300 على طائرات حربية إسرائيلية أثناء شنّها غارات على أهداف قرب مدينة مصياف” ,مرجحة أن ذلك قد يعني “تغيير موسكو بشكل ملموس نهجها إزاء إسرائيل”.

الرد الروسي لم يأتِ على عجل وجاء عابرا مرور الكرام على لسان نائب وزير الخارجية الروسي, ميخائيل بوغدانوف ,المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ودول إفريقيا، الذي رجح أن تلك التقارير الإسرائيلية “كاذبة”. لكن بوغدانوف ترك الباب مواربا ووضع الكرة في ملعب العسكريين الروس لتأكيده لافتا إلى أن آلية تفادي التصادم بين روسيا و”إسرائيل” في سوريا تواصل عملها لكن ينتظر أن يؤكد العسكريون الروس صحة التقارير الإسرائيلية أو دحضها.

لكن لماذا لم يخرج أي من العسكريين الروس حتى اليوم لتأكيد تلك التقارير ولا حتى لنفيها, ربما هي جولة في معركة كسر العظم جاءت لصالح موسكو التي قد تكون بالفعل قد أقدمت على استخدام بطاريات إس 300 ,وهي لاشك سابقة ,وتقصدت استخدامها لإجبار الطائرات المعتدية على المغادرة في رسالة مفادها أن روسيا قادرة على الرد ولديها النيّة إذا ما واصلت “إسرائيل” تصعيد الخلاف معها فيما يتعلق بأوكرانيا.

في 20 أيار/مايو جددت “إسرائيل” عدوانها على الأراضي السورية وهذه المرة استهدفت ثلاث نقاط في محيط العاصمة دمشق وهي ,مطار دمشق الدولي ومنطقة السيدة زينب وجبل المانع في الكسوة بريف دمشق, وأسفر عدوانها أيضا عن ارتقاء ثلاث ضباط من طاقم عربة /بانتسير / مضادة للصواريخ .

يبدو أن المضادات الجوية السورية باتت في مرمى نيران العدو الإسرائيلي لطالما لا تنفك تتصدى للصواريخ الإسرائيلية المعتدية وتمنع بعضها إن لم يكن معظمها من الوصول إلى أهدافها بدقة ,لتتحول تلك الصواريخ إلى بعبع آخر يخيف أسطورة الجيش الذي لا يقهر وتكسر عظم قادته في جولات عدة رغم أن سورية تستخدم منظومات بانتسير وبوك إم وتورم إم وإس 200 فقط , ولم تستخدم حتى الآن منظومة إس 300 الروسية المطورة ,التي زودتها بها موسكو في أعقاب حادثة إسقاط طائرة “إيل 20” الروسية عام 2018 خلال عدوان جوي إسرائيلي على مدينة اللاذقية.

تعاظمت مخاوف العدو الإسرائيلي وتعددت ولكن جلّ ما يخيفها هي المقاومة الشعبية ,بعد أن أكلت العصا في معركة سيف القدس وما بعدها ,وبعد أن أخافها مشهد الزحف والتعاضد الذي رسمته الشعوب العربية والإسلامية خلال إحيائها ذكرى يوم القدس العالمي في الجمعة الأخيرة من رمضان الفائت ,وتكرار المشهد في أعقاب جريمة اغتيال الصحفية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة ,وما تشهده من مقاومة فلسطينية في القدس وجنين والأقصى وغزة فضلا عن العمليات الفدائية التي أصبحت مكثّفة بشكل لافت في الفترة الأخيرة ,ومنظومات الدفاع الجوي السورية, وتوثيق العروة بين دمشق وطهران .

كل هذه الظروف مجتمعة لن تكسر عظم كيان الاحتلال الإسرائيلي الهشّ فحسب بل ستردّ كيده إلى نحره ,إنها ضربة المقاومة التي وجهت إلى صدره ,وضربة الشاطر بألف.

ولعلّ إيران وروسيا ومعهما سوريا قد عقدوا العزم على تركها تتخبط في شرّ أفعالها الجنونية دون تأكيد تقارير نيّة روسيا الانسحاب من سوريا أو نيّة إيران ملء الفراغ الروسي فيها ولا حتى إن كانت روسيا ضغطت زر إس 300 أو ستضغطه في مرات قادمة ,الثابت الوحيد في كل المتغيرات السياسية أن قافلة المقاومة لازالت تسير ,ولم ولن يفلح أحد في كسر عظمها في كل المعارك السابقة واللاحقة ,لتثبت مجددا أن عظمها قاسٍ ولحمها مرّ,وإن كان  السوريون ينتظرون الزمان والمكان المناسبين للرد فخيرعلاج لهم الصبر وما النصر إلاّ صبر ساعة.

كاتبة سورية

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى