آراءموضوعات رئيسية

الشرق الأوسط وقع في فخ أوكرانيا.. وسورية المستهدفة؟/ فؤاد البطاينة

 حيثيات اندلاع الحرب في أكرانيا تؤكد بأنها حرب قامت على غير أسبابها سواء المعلنة أو المستنبطة، فكلها غير كافية وغير مقنعة لشن الحرب التي فرضتها أمريكا على روسيا لتخوضها أكرانيا بالوكالة. مما يؤكد أنها حرب جاءت لأسباب ومآرب أخرى. فأسبابها المعلنة كان تداركها ممكناً وواجبا وحتمية سياسية، حيث روسيا كدولة كبرى عظمى تحتل مكانة عسكرية تستطيع معها ردع العالم بكليته إذا استشعرت خطرا على أمنها وسلامة وجودها، تعرضت لهذا الموقف وبررت مخاوفها ومشروعية مطالبها التي كانت بسيطة تتحوصل في عدم ضم أكرانيا للناتو، وركبت أمريكا رأسها رغم علمها بأنها حرب ستنتهي بانتصار روسيا مهما طالت وكانت التكلفة. وأما الأسباب المستنبطة والمقالة في الإعلام والتحليلات فأبرزها إنهاك روسيا بالعقوبات الاقتصادية وبمستنقع الحرب كمنافسة لأمريكا في أحادية القطبية، وهذا سبب فيه مغالطة حيث تعلم أمريكا بأن العقوبات ترتد على الداخل الأمريكي والغربي بذات النتائج وأكثر. وإن قلنا أن في الحرب درساً للصين ولغيرها من الدول فهذا يحفز هذه الدول العملاقة على تقنين تحالف بوجه ألتحالف الأمروغربي. وإن قلنا بأن أمريكا تريد العودة للحرب الباردة كي تبقي دول أوروبا منضوية تحت جناحها لقلنا بأن هذا سبباً ضعيفاً مع دول واعية ستعاني بالمجان، وقد يؤدي فشله لنتيجة عكسية لتلازمه مع الإرتداد سلبياً على التحالف الأمروغربي، هذا علاوة على وجود وسائل أخرى لتحقيق الهدف أقل كلفة.

وهناك ما يُرجح عدم استهداف روسيا لذاتها من هذه الحرب وإدامتها،. فالمتتبع لمجريات العلاقات الأمريكية الروسية منذ تفكيك الاتحاد السوفييتي يجد بأن سياسات أمريكا على الساحة الدولية لم تراع فيها مصالح روسيا، بينما روسيا كانت في موقع اللائم دون فعل. وتحولت فيما بعد الى موقع المدافع عن قضم مصالحها العليا حتى لو جاء دفاعها أحياناً على شكل هجوم مشروع. فليس هناك أسباب موضوعية لدى أمريكا لاستهداف روسيا بصنع مثل هذه الحرب المكلفة على الجميع والعبثية والخطيرة، ولا روسيا طامعة أو مُستفزة لأمريكا كي يتم استهدافها هذا الإستهداف. وبالتالي لا بد وأن يكون لأمريكا هدف أخر مرتبط بتوريط روسيا بحرب عبثية لمأرب معين تفوق أهميته عند أمريكا كل التضحيات والمخاطرات، وبأن روسيا تقف عقبة أمام تحقيقه وبأن استهدافها بهذه الحرب جاء كمتطلب أساسي وضروري ً للوصول الى ذاك المأرب أو الهدف.

وبهذا فهناك دلالات دامغة تواكب الحرب الأكرانية تؤكد بأن توريط وإشغال روسيا لأذنيها بمسألة هي الأهم لها جاء لعزلها عن الحدث والأحداث المزمعة في الشرق الأوسط. وهو السبب الحقيقي للحرب. وأن المأرب الكامن وراء هذا يخصنا كوطن عربي وكإيران. سيما وأن أمريكا التي صنعت وتقود الحرب الحرب في أكرانيا هي نفسها التي تتصدر اللعبة في بلادنا ومنطقتنا، والواقعة تحت النفوذ الصهيوني وتأثيره على قراراتها السياسية الي تُقدم المصلحة الصهيونية على المصلحة الأمريكية.

فهناك تنامي وتسارع في التصعيد الصهيو أمريكي ومشاريعه العدوانية في منطقتنا الحرب تحت عنواني الخطر الإيراني وسورية، في الوقت الذي يُقترض فيه أن تُسخر أمريكا مشاريعها لصالح الحرب التي تقف وراءها في أكرانيا. لماذا على سبيل المثال يصدر في هذا الوقت العصيب للعالم عن الوكالة الدولية للطافة الذرية التقرير الدرامي الإتهامي وبما يقطع حبل الوصل مع إيران، ولماذا تتجرأ الآن اسرائيل على التحرش بلبنان كدولة والتهديد بتدمبره، أليس في هذا إقحاما لها كدولة في الطبخة القادمة. ولماذا تتكاثر مناوراتها العسكرية متنوعة الأهداف وتوحد أمريكا بين طاقات الكيان الاسرائيلي وطاقات دول عربية حليفة أو عميلة لها وتنشر أدوات الحرب المتقدمة في أراضي الدول العربية بذريعة الخطر الإيراني، ولماذا تنشط في تشكيل الناتو العربي – الصهيوني في المنطقة ويحضر بايدن لها ويستدعي رعيانه، ولماذا القصف الاسرائيلي النوعي الأن على سوريا وتنشيط الضغوطات العسكرية عليها، ولماذا ينشط الدور الأمريكي – الأردني في المتعلقات السورية، ولماذا أيضاً توزيع الأدوار بين أمريكا وإسرائيل، تأخذ فيه الأخيرة دور الحفاظ الشكلي على علاقتها مع روسيا. التساؤلا كثيرة.

 قد يمكن القول أن نية الحرب لدى إسرائيل باتت قائمة أكثر من قبل. ولكن ما نشهده واقعاً هو التهديد، والتهديد لا يعني تنفيذه وما هو في الحالة القائمة أّلّا محاولة لابتزاز ايران. ولكن ما يمكن تأكيده من وراء هذه الأحداث والتهديدات قد حصل في ترسيخ وإعلان اندماج وتوحد دولا عربية باسرائيل ومشروعها بذريعة الخطر الإيراني. فإسرائيل تعلم بأن الحرب مع إيران وحزب الله مغامرة، ولن تكون كلاسيكية بالمعنى الدارج، وحساباتها صعبة وستُحدث انقلابا سكانياً يُحاكي وجودها، وثورات شعبية في دول المنطقة. ولا أعتقد أن إسرائيل تُقدم على قرار الحرب التي نحن بصددها ما لم يكن خيار الصفر وضمن تحالف دولي واسع. وخيار الصفر مرتبط بمسألة التهديد النووي المباشر لها وليس بمجرد امتلاك القنبلة. والحديث الأكثر جدية عن الحرب اليوم مرتبط بإخضاع سورية. فمشروع الكيان المشترك مع أمريكا والغرب والقائم على تصفية المقاومة الفلسطينية والقضية الفلسطينية على مقاس صفقة القرن، والبدء بتنفيذ رسم الحدود لدول الجوار في اطار شرق أو سط جديد بنهج المشروع الصهيوني الكبير لا يبدأ ولا يكون بدون إخضاع سورية..

وسورية اليوم دخلت في أسوأ حالاتها السياسية والعسكرية مع دخول الروس في الحرب في أكرانيا كمجال حيوي لها وخط أحمر. ومن يستبعد تخلي الروس عن سورية عليه أن لا ينس بأن المجريات العسكرية على الأرض السورية وخلفياتها السياسية بأمثالها الاسرائيلية والتركية والكردية وحتى الأمريكية كانت تدلل على أن تحالف روسيا مع سوريا لم يكن يشمل سوريا الوطن أو المواطن. وأن يعلم بأن السياسة لا مُثل ولا دين يحكمها، والظروف في العلاقات الدولية تُنتج عند نقطة معينة مقايضات. وقد نشهد روسيا تقايض دورها في سورية بمصالح أو مواقف أخرى تمتد بين سوريا ذاتها وأكرانيا وشبه جزيرة القرم مثلاً، ونشهد تدخلاً روسياً لتسوية سياسية إذعانية في سورية. وإلّا فليس من المستبعد دخول الناتو العربي – الإسرائيلي لسورية دون تدخل من إيران وحزب الله.

وفي الختام، سواء حصلت الحرب أم لم تحصل فإسرائيل حصلت على ما يشبه المعجزة من ذريعة ساقطة بفضل انبطاح شعوبنا لعمالة حكامهم حيث أصبحت دولة الكيان المحتل تقود الجيوش التي أسست لإزالتها، وتُدير عواصمها سياسيا وإداريا ورسخت أراضينا كمجال حيوي لها، واندمجت عمليا بالمنطقة وكأن فلسطين وقضيتها أصبحت خلفها. وكل هذا بدون حرب. وهذا ما يسمونه بالتطبيع وما هو إلّا استعمار واحتلال. فلماذا لا تكون رتب هؤلاء الحكام العسكرية والقابهم الملكية والرئاسية والأميرية كلها في كادر الكيان الصهيوني، أليست رقابهم تدنس وتنجس أحبال المشانق. فكلهم بخونتهم ووطنييهم غدروا بالفلسطينيين وسلموا فلسطين، وكان من الطبيعي أن يغدروا ويسلموا اليوم الوطن العربي. وما لم تنهض شعوبنا وتسحق إقليميتها البغيضة وتهجر الذل والنفاق وتواجه أنظمتها وتلحق بالشعب الفلسطيني الذي بصموده وانتمائه وتضحياته أبقى على شعرة وصلنا مع تراث الأمة / فإننا سنشهد الواقعة، التي سيخرج منها الفلسطيني مارداً معه أحرار العرب يحرر فلسطين لتتحرر بلاد العرب والمسلمين تلقائياً.

كاتب وباحث عربي

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى