آراء

العلامة بن بيه: مقامات التدرج نحو الوعي بالمشترك الإنساني / محمد يحي أشفاغه

يتأسس المشروع الفكري للعلامة الشيخ عبد الله بن بيه على جملة من القيم الأخلاقية الكبرى، التي نجدها مبثوثة في ثنايا مؤلفاته وحاضرة في خطاباته وفتاواه، لأداء دورها الوظيفي في بنية النسق العام لفكر الشيخ.

وقد أشار الشيخ “بن بيّه” في أكثر من مناسبة إلى أن سؤال الأخلاق يُعد من أكثر أسئلة عصرنا إلحاحا، داعيا إلى التصدي لتحدياته باستعادة الضمير الأخلاقي للإنسانية، بشكل يعيد الفاعلية لقيم الفضيلة المتمثلة في الرحمة والرأفة والإيثار والتضامن ومساعدة المحتاج من الفقراء والعاجزين، دون التفات إلى عرقهم أو دينهم أو أصولهم الجغرافية.

ويؤكد الشيخ أن الحل يتمثل في الارتقاء من الحق إلى الفضيلة، إذ إن التعامل انطلاقا من مبدأ الحقوق فقط يقتضي الاقتصار على منح الآخر ما هو عائد له بالأصل، أو كفِّ الأذى عنه، والامتناع عن التعدي عليه، بينما التعامل انطلاقا من الفضائل يتضمن معنى المكارمة والإحسان بوصفه بذلا في غير مقابل وتنازلا للآخر عما ليس له بحق.

ويتفق الشيخ “بن بيه” مع التصور النيتشوي، الذي يرى أن الحضارات تمرض وأن الفلاسفة هم أطباؤها، ويدعو إلى علاج حضارتنا المريضة بإيلاء المزيد من الاهتمام بالوظائف الأساسية للمنظومة الأخلاقية، متمثلة في ما يُطلق عليه في مقاصد الشريعة الضروريات الخمس: الدين والنفس والعقل والنسل (العائلة) والمال (الملكية).

ويمكن للعين الفاحصة أن تجد في بعض القيم المؤسسة لمشروع الشيخ “بن بيه”، ما يشبه مقامات التدرج نحو الوعي بالمشترك الإنساني، فتقود “قيمة/مقام” الصبر إلى إمكان تحقق “الرحمة” التي تفتح الباب أمام فعل “الحوار”، فإن تخلله التفهم ساد “العدل” وعمت “المحبة” ثم “الإيثار” حتى نصل إلى قيمة القيم المتمثلة في “التسامح” الذي بفضله يتحقق الوعي بالمشترك الإنساني.

ويُعد “التسامح” قيمة مركزية وثيمة حاضرة في المشروع الفكري للشيخ، باعتباره مفهوما وظيفيا يهدف إلى “تحييد التأثير السلبي للاختلاف في المعتقد والاختلاف الجبلي في الآراء والرؤى”، ويؤسس لما يطلق عليه الشيخ التعددية الإيجابية، ذلك أن التسامح يرفع التعارض بين الإيمان والتنوع، ويفتح المجال أمام قبول الآخر بوصفه أنا مماثلة.

وفي هذا الصدد، يرفض الشيخ الرؤية، التي تقدمها الفلسفة الغربية لعلاقة الأنا بالآخر، مقدما تصورًا بديلا يشمل الإشكاليات الوجودية والمعرفية والقيمية التي يطرحها مفهوم “الآخر”.

إن الآخر عند الشيخ “بن بيه” هو ذات ماثلة أمام الأنا ومماثلة لها في الوقت نفسه، دون أن يجلب وجودها صراعا حتميا مع الأنا كما لدى هيجل، أو تسلبها الحرية والكمال الأصليين باعتبارها الجحيم حسب الطرح الذي يقدمه جان بول سارتر، كما أن الآخر وفق التصور الجديد لن يُنظر إليه باعتباره تهديدا لهوية وتميز الأنا، كما يذهب إلى ذلك مارتن هايدجر.

ويستلهم الشيخ تصوره للآخر من رؤية إسلامية مستمدة من قول الإمام علي رضي الله عنه: “الناس صنفان: أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق”، فالآخر هو الأخ الذي يشترك معك في المعتقد أو يجتمع معك في الإنسانية.

والإسلام يُقدم الكرامة الإنسانية بوصفها أول مشترك إنساني، لأن البشر كافةً كرّمهم الله عز وجل بنفخة من روحه في أبيهم آدم عليه السلام، (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).

غير أن إشكالية معرفة الآخر تطرح معضلة شائكة في الفلسفة الغربية، حيث يذهب ديكارت ومالبرانش إلى استحالة معرفة الآخر بوصفها احتمالية ومشكوكا فيها، وذلك في مقابل المعرفة اليقينية التي نحصل عليها حول ذواتنا بحدس مباشر ودون توسط خارجي.

كما أن معرفة الآخر تُحوله إلى موضوع مثل أي شيء خارجي، حيث ينشأ عن العلاقة بين الذات والموضوع تشييء متبادل، فيقوم كل طرف بتحويل الطرف الآخر إلى موضوع، يعمل على نفيه، وتشييئه بإفراغه من إنسانيته، بعد أن يسلبه إراداته وحريته، التي هي شرط أساسي لوجوده، حسب التصور السارتري.

ويُقدم الشيخ حلا للمعضلة السابقة باقتراحه “التعارف” المُؤسس على الحوار، بحيث تُصبح معرفة الأنا للآخر قائمة على ما يُقدمه هذا الأخير عن نفسه، وليس على التمثلات المنفردة للأنا بوصفها ذاتا عارفة في مواجهة موضوع جامد للمعرفة.

ويفتح الحوار الباب أمام إمكانية تَعرُّف الذات على نفسها في الآخر بعد اطلاعها على المشترك الإنساني المتمثل في “القيم الكونية التي لا تختلف فيها العقول ولا تتأثر بتغيّر الزمان أو محددات المكان، أو نوازع الإنسان”.  

إن الحوار ضرورة يستدعيها اتحاد مصائر البشرية في عصر أصبح فيه ما يصيب طَرَفا من المعمورة تصيب آثاره الطرف الآخر، ضمن نسق واحد مترابط، لا انفصال فيه ولا انفصام.

وهنا يستدعي الشيخ بن بيه، مَثَل السفينة الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم، في الحديث الصحيح “مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا”.

ويجد الشيخ في هذا الحديث استعارة رمزية بليغة لحالة الإنسانية، التي تشبه حالة السفينة المحكوم على ركابها بمصير واحد مشترك، والتي قد يُفهم من درجاتها التقسيم الوظيفي الحاصل بين الناس، كما يُفهم من العلو المشار إليه علوٌّ معنويٌّ، “فالذين بأعلى السفينة هم الذين يتولون تدبير الشؤون العامة، وهم المنوط بهم رعاية المصالح المتمثلة في الكليات الخمس التي جاءت الملل بحفظها والتي بها قوام كل مجتمع: الحياة، والدين، العقل، الملكية، العائلة”.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى