آراءموضوعات رئيسية

منتخب يلعب بالمونديال بعد عقود من التصفيات.. شجعوه بحب/ كمال خلف

بدأ الجمهور العربي بمتابعة مجريات المنافسة في مونديال كأس العالم في الدوحة، وقد حظيت قطر بدعم الشعوب العربية والإسلامية في استضافة المونديال لأول مرة على ارض عربية.

 واستاء الجمهور العربي الواسع من حملة الانتقادات والتشويه التي تعرضت لها دولة قطر من وسائل اعلام ومسؤولين في الغرب، واعتبروا ان الحملة موجهة للعالم العربي والإسلامي، وللثقافة والحضارة العربية، وليس لقطر فحسب. على الرغم من ان سياسات قطر الخارجية خاصة في العقد الماضي كانت محل انقسام وانتقاد ومواجهة في المنطقة العربية.

ad

 لكن استضافة اول دولة عربية لهذا الحدث العالمي الهام لأول مرة في تاريخه، ومحاولة النيل من هذا الإنجاز، ايقظ الرابطة القومية لشعب واحد ممتد على أجزاء مفتتة ومقسمة بقوة جيوش الغرب الاستعماري، وشعرت الشعوب العربية بان ثمة هجمة على هويتها وانتقاصا من موقعها الإنساني.

 هذه الرابطة الوجدانية بين الشعوب العربية، وهذه الهوية الجامعة ظهرت جلية على هامش انطلاق الألعاب الكروية في مونديال الدوحة.

 واذا كان لكل منا منتخبه العالمي الخاص الذي يشجعه، حتى تجد في البيت الواحد من يشجع البرازيل ومن يشجع المانيا ومن يشجع الارجنتين الخ.. الا ان الجميع يضعون اعجابهم بفرقهم العالمية جانبا، عندما يعلب فريق عربي، والكل يشجع الفريق العربي سواء كان سعوديا او مغربيا او أيا كان.

امس عم الفرح والسرور والفخر العالم العربي من أقصاه الى أقصاه بفوز المنتخب السعودي على منافسه الكبير منتخب الارجنتين، وارتجفت القلوب وهي تتابع التعادل بين تونس والدانمارك، وعم الحزن والخيبة بعد خسارة منتخب قطر امام خصمه في مباراة الافتتاح.

 ماذا يعني كل هذا ؟ ماذا يعني حجم المساندة والدعم سواء في وسائل التواصل او وسائل الاعلام او الملاعب او الشوارع. ماذا تعني وحدة الشعور بين جمهور ممتد على دول وجغرافية متناحرة متخاصمة في السياسيات.

 ما الذي يجعل السوري او الفلسطيني يفرح لفوز السعودي؟، ما الذي يجعل العراقي او الأردني او المصري يحزن لخسارة منتخب قطر؟، ما الذي يدفع الجزائري او السعودي او القطري لتشجيع المنتخب المغربي او المنتخب التونسي؟… انها الرابطة العربية، رابطة الهوية.. والثقافة، والمصير المشترك، والتاريخ المشترك، هي رابطة الوجدان الجماعي التي لا يمكن ان تتوفر الا في مفهوم الامة..

 اننا شعب واحد.. بقلب واحد.. واحساس واحد.. وحضارة واحدة.. هذه الرابطة المقدسة الصامدة لعقود من الزمن تتعرض لمحاولة الإلغاء، والتدمير، والانقراض. عصفت بها سياسات الدول الغربية الاستعمارية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى واستمرت لليوم.

 بعد غزو الولايات المتحدة للعراق 2003 اول شيء فعلته هو تقسيم الشعب الى مكونات طائفية وعرقية تتناحر فارضة ذلك في الدستور وبنية النظام الجديد. اول ما دخلت الولايات المتحدة الى سورية 2012 فصلت الجزيرة السورية وانشأت كيان عرقي كردي مسلح، ووضعت أسس الحل للحرب السورية وفق تصور طائفي ” سنة، علويين، دروز مسيحيين”. وفي لبنان الامر ذاته قديم جديد، وكذلك ليبيا “”عشائر وقبائل ومناطق”” والسودان تقسيم جغرافي وعرقي.

 بالمقابل كانت الأنظمة العربية رديفا لهذه السياسات ومثلت مصالح القوى الكبرى على حساب مصالح شعوبها وعملت على تحجيم وتهميش الروح الجامعة بين شعوب الامة العربية، وانتهجت سياسيات تابعة فجرت خلافات وتناحرا مزمنا تكون فيه القوى الخارجية هي الحليف والسند والمرجع، وجرت النخبة للمواجهة والشعوب الى الاختلاف والتباين. بتنا في السنوات العشر الأخيرة نخاف على الوحدة الداخلية للدول، ولم نعد نفكر بتكامل عربي او تضامن عربي او امن قومي عربي.

غير صحيحة تلك المقولة بان الرياضة يجب فصلها عن السياسة، تلك مقولة باعنا إياها الغرب مع جملة بضاعة فاسدة للاستهلاك المحلي من اجل تبرير ادخال إسرائيل الى عالمنا العربي عبر بوابة الألعاب الرياضية، ولمنع تكرار اعتذار الاعبين العرب والمسلمين عن اللعب مع لاعبي دولة الاحتلال. تلك الدول هي نفسها من حرمت الشعب الروسي من مشاهدة منتخبه في كأس العالم بسبب الحرب في أوكرانيا، مع انهم شركاء في تلك الحرب. وهي نفسها من منعت الشركات العالمية من بيع الملابس والمعدات الرياضة للمنتخب الإيراني في هذا المونديال.

لم تكن دبلوماسية الوشاح بين امير قطر تميم بن حمد وولي عهد السعودية، عندما لبس الأمير محمد بن سلمان وشاح علم قطر على كتفيه، ورد الشيخ تميم بوضع علم السعودية بذات الطريقة بعد مباراة السعودية والأرجنتين امس سوى تعبير سياسي عن دفع العلاقات نحو الأفضل، وطي صفحة الخلاف الحاد بين البلدين. قبل عقود استخدم الرئيس الصيني السابق ” هوجينتاو” دبلوماسية “البينغ بونع” مستخدما اللعبة لفتح العلاقة مع الولايات المتحدة واعترافها لاحقا بالنظام الشيوعي.

اذن الرياضة في صلب السياسية. والجمهور العربي لم يكن بوحدته يعبر عن موقف رياضي بمعزل عن الهوية والانتماء والتاريخ. انما كان الفضاء الرياضي هو فرصة نادرة ظهر فيه الاتجاه السياسي الشعبي العام المنشود، وصوت ضمير الشعوب، الصوت الحقيقي بعيدا عن رقيب السياسة او وصاية النخبة البائسة او وسائل الاعلام الموجهة. هذا هو الشعب العربي ظهر على حقيقته، وعلى سجيته، وما كان ان يظهر هذا المشهد لولا ان المناسبة رياضية.

ان وحدة الروح والموقف والشعور لدى الشعوب العربية في مونديال قطر تجاه الفرق العربية، وتناسي الخلافات والأزمات والانقسامات بين الدول، ليس فصلا بين الرياضة والسياسة. بل هو النهج السياسي الذي تحلم به هذه الجماهير وهي السياسة المعبرة عن روح هذه الامة ونبضها.

 السياسات تتغير، وكم تغيرت وتبدلت السياسات في عالمنا العربي، والحكومات تتغير والأنظمة تسقط وكم سقطت أنظمة وحدثت انقلابات، غير ان رابطة الامة بين شعوبها لم تتغير ولم تتأثر. وظهر منتخب جديد في المونديال يشجعه كل العرب هو منتخب الامة رغم تعدد الألوان والاسماء والاعلام. شجعوه بحب.

 كاتب واعلامي

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى