التربية المدنية والواقع الموريتاني حين يرسب المجتمع رغم نجاح الأفراد / قاسم صالح

لطالما شكلت التربية المدنية إحدى المواد الهامشية في الوعي المدرسي الموريتاني. كان الكثير من التلاميذ يتعاملون معها بوصفها مادة ثانوية لا تؤثر في المعدل العام، ولا يسهم ضعفها في الرسوب. ومع مرور الوقت تبين أن هذا الهامش التربوي لم يكن مجرد قرار إداري، بل تحول إلى هامش في الوعي العام، وأن المجتمع برسوبه في امتحان المواطنة أثبت أن ما أهمله التلميذ داخل القسم عاد ليظهر في البنية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للبلاد.
– التربية المدنية وفلسفة المواطنة
في الفكر التربوي الحديث، تمثل التربية المدنية الإطار الذي يبنى فيه وعي المواطن بحقوقه وواجباته، وبمعنى الدولة والقانون والمصلحة العامة. ليست مجرد دروس نظرية حول الرموز الوطنية أو المؤسسات، بل هي بناء للعقل العمومي وتشكيل للقيم المشتركة التي تضمن تماسك المجتمع.
في الدول التي حققت انتقالا ديمقراطيا أو نهضات اجتماعية، كانت التربية المدنية بصيغ مختلفة جزءا من الهندسة الثقافية التي تؤسس احترام القانون، وروح المشاركة، وقدرة المواطن على إدراك ذاته كفاعل في المجال العام.
الواقع الموريتاني وإشكالية الوعي المدني
الواقع الموريتاني، يوضح أن غياب التربية المدنية كان أحد أهم عوامل هشاشة البنية الاجتماعية والسياسية. فانتشار الفردية المفرطة، وضعف احترام القانون، وتفاقم العصبيات، وتدني الإحساس بالمصلحة العامة، كلها ملامح تشير إلى فجوة في التربية على المواطنة.
إن المواطن الموريتاني أصبح يتحرك داخل شبكة من الانتماءات الأولية القبيلة، الفئة، الجهة أكثر مما يتحرك ضمن إطار الدولة بوصفها عقدا اجتماعيا. وهذا انعكاس مباشر لغياب تراكم تربوي يؤسس للمواطنة
لا يمكن لمجتمع أن يحترم القانون إذا لم يدرب على قيمه.
ولا يمكن أن يحافظ على الممتلكات العامة إن لم تزرع فيه فكرة الخير المشترك.
ولا يمكن أن يبني دولة حديثة إذا بقيت التربية المدنية مجرد مادة ضعيفة في وعي المدرسة وفي الوعي الاجتماعي.
– من رسوب المادة إلى رسوب المجتمع
يستطيع الطالب أن ينجح في الامتحانات رغم إهمال التربية المدنية، لكن المجتمع لا ينجح إن أهملها. وعندما كبر جيل كامل ليجد الواقع يعاني من اختلالات المزاج السياسي، ومن ضعف احترام القواعد، ومن انتشار ثقافة الاتكالية والبحث عن الامتيازات الخاصة، اكتشف ذلك الجيل أن المادة التي لم تكن تسهم في الرسوب قد تسببت في النهاية في رسوب مجتمع كامل.
إن رسوب المجتمع لا يظهر في ورقة امتحان، بل في
أزمة الثقة بين المواطن والدولة
هشاشة قيم المسؤولية العامة
ضعف المشاركة السياسية الواعية
انتشار نماذج الطائفية والقبلية كبدائل عن القانون
تراجع الشعور بالواجب مقابل البحث عن الحقوق فقط.
– بناء المواطن بين المدرسة والفضاء العمومي
من أجل تجاوز هذا الواقع، لا بد من إعادة الاعتبار للتربية المدنية عبر ثلاثة مسارات رئيسية
1. التربية المدرسية
تحديث مناهج التربية المدنية لتكون مرتبطة بالواقع الموريتاني المواطنة، القانون، الجدارة، المسؤولية، مكافحة الفساد.
الانتقال من الحفظ إلى الفهم والممارسة مشاريع، مناظرات، أنشطة تطبيقية.
ترسيخ فكرة الدولة كإطار جامع يتجاوز الهويات الضيقة.
2. التربية الأسرية والمجتمعية
المؤسسة التربوية لا تعمل بمعزل عن المجتمع. فلا قيمة لتدريس قيم المواطنة داخل المدرسة إذا أعاد المجتمع إنتاج نقيضها. من الضروري أن تنتقل الأسرة ووسائل الإعلام وخطابات النخبة من ثقافة الأشخاص إلى ثقافة المؤسسات.
3. دور الدولة والمجتمع المدني
الدولة مطالبة بإعادة الاعتبار لفلسفة القانون، وبتجسيد مفهوم المواطنة عبر الممارسة عدالة، مساواة، فرص.
المجتمع المدني يجب أن يتحول إلى مدرسة موازية تعيد إنتاج القيم من خلال الشراكات، والورشات، وبرامج التوعية.
لقد اكتشفنا حين كبرنا أن المجتمع رسب في امتحان التربية المدنية الذي لم يأخذه أحد على محمل الجد. وأن غياب الوعي المدني ليس مجرد نقص ثقافي، بل اختلال بنيوي عطل مسار الدولة الحديثة، وأضعف المواطن، وأبقى المجتمع في دائرة التوترات والانقسامات.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ من إعادة بناء المواطن، ومن جعل التربية المدنية ليست مادة مدرسية، بل مشروعا وطنيا يعيد صياغة علاقة الفرد بالدولة، ويزرع في الأجيال القادمة القدرة على النجاح، ليس في الامتحانات فحسب، بل في امتحان الحياة العامة.

قاسم صالح

زر الذهاب إلى الأعلى