أفول العالم القديم وتعثر ميلاد الجديد.. إيران قوة صاعدة / قاسم صالح

يشهد النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تحولات عميقة تمسّ بنيته القيمية والمؤسسية، تراجع الهيمنة الأحادية، وصعود قوى إقليمية، وتزايد الصراعات غير المتكافئة، كلها مؤشرات على احتضار نموذجٍ سابق دون أن يتبلور بديل واضح.
في هذه المساحة الفاصلة بين العتمة والضوء، تتحرك قوى إقليمية لإعادة صياغة أدوارها، ومن بينها إيران التي تسعى لترسيخ مكانتها بوصفها قوة مؤثرة في غرب آسيا.
1 العالم القديم بين الانكفاء والتآكل:
بعد نهاية الحرب الباردة، رسّخت الولايات المتحدة نظاماً أحاديا تجسد في تدخلات عسكرية مباشرة، وهيمنة اقتصادية، ومؤسسات دولية تعكس موازين قوى مختلة، غير أن الحروب الممتدة، والأزمات المالية، وصعود منافسين دوليين، أضعفت القدرة على الاستمرار في هذا النمط القيادي.
يشير باحثون كثر إلى أن النظام الدولي دخل مرحلة انتقالية تتسم بسيولة التحالفات، وتعدد مراكز القرار، وتزايد أدوار الفاعلين من غير الدول.
2 تعثر ولادة العالم الجديد:
لم تنجح القوى الصاعدة في بلورة نظام بديل متماسك. فالتنافس بين القوى الكبرى، وتباين المصالح الإقليمية، وغياب رؤية مؤسسية جامعة، كلها عوامل تجعل العالم يعيش حالة اللايقين البنيوي.
في هذه البيئة، تتزايد أهمية القوى الإقليمية القادرة على استثمار الفراغات الاستراتيجية، وبناء شبكات نفوذ تتجاوز الحدود التقليدية للدولة القومية.
3 إيران كقوة في المنطقة الرمادية:
– الأسس الجيوسياسية
تقع إيران في موقع استراتيجي يربط بين الخليج وآسيا الوسطى والبحر المتوسط، هذا الموقع منحها قدرة على التأثير في مسارات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
– أدوات القوة الصلبة
طورت إيران قدرات عسكرية غير تقليدية، واعتمدت على استراتيجيات الردع غير المتكافئ، وبناء تحالفات مع فاعلين محليين في الإقليم.
هذه الأدوات سمحت لها بتوسيع نطاق نفوذها دون الانخراط في مواجهات تقليدية واسعة مما سمح لها بهذه القوه التي تواجه بها أمريكا وإسرائيل
– أدوات القوة الناعمة والرمزية
إلى جانب القوة العسكرية، تستثمر إيران في الخطاب الأيديولوجي، والروابط الثقافية والدينية، وبناء شبكات اجتماعية وسياسية عابرة للحدود يرسخها الإيمان بمشروع إيماني راسخ، يزيد في صعودها رغم الحرب ومخططات الغرب الهجين.
– بين العتمة والضوء
تمثل اللحظة الراهنة ما يمكن تسميته بالمنطقة الرمادية في العلاقات الدولية؛ حيث تتجاور عناصر التفكك وإرهاصات التشكل الجديد.
في هذه المنطقة، لا تقاس القوة بالمعايير التقليدية فحسب، بل بقدرة الدولة على إدارة التعقيد، وتوظيف الأزمات لصالحها، وبناء توازنات مرنة.
إيران، في هذا السياق، ليست قوة عظمى بالمعنى الكلاسيكي، لكنها تمثل نموذجا لقوة إقليمية استفادت من هشاشة البيئة الدولية لتعزيز حضورها.
إن احتضار العالم القديم لا يعني بالضرورة ميلاد عالم أكثر استقرارا، فالفترات الانتقالية غالبا ما تتسم بالاضطراب وإعادة توزيع الأدوار، وفي ظل هذا المشهد، تظل إيران فاعل إقليمي يسعى إلى تثبيت مكانته في نظام دولي لم تتضح معالمه بعد.
قاسم صالح.



