إرادة الشعوب في مواجهة الهيمنة.. صمود إيران وتحولات ميزان القوة العالمي / قاسم صالح

تشكل تجربة الجمهورية الإسلامية الإيرانية خلال العقود الأربعة الماضية نموذجا لافتا في دراسة ديناميات الصراع بين القوى الكبرى والدول التي تسعى إلى ترسيخ سيادتها واستقلال قرارها السياسي.
فمنذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979، واجهت إيران منظومة معقدة من الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية، قادتها قوى غربية كبرى، في مقدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، بهدف احتواء نفوذها وإضعاف قدرتها على التأثير الإقليمي.
ورغم الحصار الممتد لأكثر من أربعين عاما، لم يؤد ذلك إلى تفكيك الدولة أو كسر إرادتها، بل أسهم، وفق عدد من التحليلات في تعزيز اعتمادها على الذات، وتطوير قدراتها في مجالات متعددة، بما في ذلك الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.
هذا المسار يعكس ظاهرة معروفة في العلاقات الدولية، حيث يمكن للضغوط الخارجية أن تتحول إلى محفزات داخلية لإعادة بناء القوة الوطنية.
من منظور استراتيجي، تبرز إيران كفاعل إقليمي استطاع فرض معادلات ردع جديدة، خاصة في ظل تصاعد التوترات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ويذهب بعض المراقبين إلى أن هذه المواجهة كشفت حدود القوة التقليدية، حيث لم تعد الهيمنة العسكرية وحدها كافية لفرض الإرادة السياسية، في ظل وجود إرادة شعبية وسياسية صلبة قادرة على الصمود.
كما أن الخطاب الذي يركز على إرادة الشعوب مقابل هيمنة القوى الكبرى يعكس تحولا أوسع في الوعي السياسي لدى العديد من المجتمعات، لا سيما في الشرق الأوسط. إذ باتت مفاهيم مثل السيادة، والاستقلال، ورفض التبعية، عناصر مركزية في تشكيل الحكايات الوطنية.
وفي هذا السياق، تطرح تجربة إيران بوصفها مثالا سواء اتفق معه البعض أو اختلف على إمكانية تحدي النظام الدولي القائم، وإعادة التوازن في علاقات القوة، فالصمود الطويل، مقرونا بالقدرة على التكيّف، قد يفضي إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك السياسي والعسكري.
يمكن القول إن التاريخ لا يكتب فقط بقوة السلاح، بل أيضا بثبات الإرادة، وتجربة إيران، في نظرنا، تمثل دليلا على أن الشعوب التي تتمسك بخياراتها الاستراتيجية قادرة على فرض حضورها، مهما بلغت التحديات.
غير أن تقييم هذه التجربة يظل مفتوحا للنقاش الفكري الواعي، في ظل تعقيدات الواقع السياسي وتعدد زوايا النظر.
قاسم صالح.