لماذا تستمرّ انعكاسات منطق النظام الاستثنائي في إبطاء تطوّر الديمقراطية ودولة القانون؟ / عبد القادر ولد محمد

في خضمّ النقاش الدائر حول الحريات العامة، عاد الجدل مجددًا بشأن الحق في التظاهر، بين من يراه حرية دستورية أصيلة، ومن يختزله في مجرد إجراء إداري لا يُمارس إلا بإذن مسبق.
والحقيقة أن هذا الجدل، في عمقه، لا يتعلق بالتظاهر فقط، بل يكشف عن توتر أعمق بين منطقين: منطق الحرية ومنطق الضبط الامني .
لقد بات من الواضح أن الحق في التظاهر في موريتانيا ليس فوضى بلا قواعد، ولا امتيازًا يُمنح بترخيص، إنه حرية دستورية تُمارس في إطار تنظيم قانوني يقوم على الإشعار لا الإذن.
فحين تتحول الحرية إلى رخصة، نكون قد انحرفنا عن روح الدستور، وحين تُترك بلا تنظيم، نكون قد فتحنا الباب للفوضى، وبين هذا وذاك، يبقى التوازن هو جوهر دولة القانون.
غير أن هذا التوازن النظري يصطدم، في الواقع، بثقل مقاربة أخرى ما تزال تتحكم في كثير من السلوكيات والمؤسسات: المقاربة الأمنية. وهي مقاربة لا يمكن فهمها دون العودة إلى السياق الذي أنتجها.
فالمجتمع الموريتاني، الذي عانى من فترات عدم استقرار، يحمل في وعيه الجماعي خوفًا حقيقيًا من الانزلاق نحو الفوضى، خاصة في ظل ما شهدته دول أخرى من اضطرابات، ومن هنا أصبح الأمن، بمعناه الواسع، مطلبًا جماهيريًا مشروعًا، بل أولوية لا ينازع فيها أحد.
كما أن طبيعة السلطة، التي تشكلت في جزء معتبر منها في ظل قيادة عسكرية، أسهمت في ترسيخ هذا المنحى، فالمقاربة الأمنية، في جوهرها، ليست خيارًا اعتباطيًا بقدر ما هي امتداد طبيعي لثقافة تقوم على الانضباط والتحكم وتغليب الاستقرار، وليس من الواقعي انتظار غير ذلك من قيادات تشكلت في هذا السياق، خاصة حين تجد في مطلب الأمن صدىً شعبيًا واسعًا.
لكن الخطر لا يكمن في هذا الميل نحو الأمن في حد ذاته، بل في ما قد ينشأ على هامشه. فقد أفرز هذا السياق، مع مرور الزمن ، فئة من الفاعلين الذين يتقنون التكيف مع موازين القوة، فيستثمرون خطاب الأمن لتبرير الجمود، ويستغلون قربهم من السلطة لترسيخ مصالحهم الخاصة، في مواجهة أي محاولة إصلاحية جادة تسعى إلى ترسيخ دولة القانون والمؤسسات.
ويزداد هذا الاختلال عمقًا في ظل معارضة تعاني من التشرذم، بعد أن كانت في بدايات المسار الديمقراطي أكثر تماسكًا وقدرة على التأثير، وهو ما أدى إلى غياب توازن سياسي فعلي، يضمن حيوية النقاش العمومي ويحول دون تغول منطق واحد على حساب باقي المنطق.
أما المخرج من هذا التوتر، فلا يكمن في القطيعة مع الواقع ولا في الإنكار، بل في إعادة بناء التوازن على أسس واضحة.
يبدأ ذلك بإصلاح الإطار القانوني عبر سنّ قانون عصري للتظاهر يقوم على مبدأ التصريح بدل الترخيص، بما يرفع الغموض القائم ويعيد الأمور إلى نصابها الدستوري، ويتعزز هذا المسار بتفعيل القضاء الإداري، تمكينًا للأفراد من الطعن في قرارات المنع، وتكريسًا لرقابة قضائية حقيقية تردّ التعسف وتضبط السلطة. كما لا يمكن الحديث عن توازن دون إعادة تأهيل الفعل السياسي نفسه، بتجاوز حالة التشرذم وبناء بدائل جدية قادرة على استعادة الثقة وتكريس التمثيل.
وأخيرًا، يظل الرهان الأعمق هو ترسيخ ثقافة الدولة القانونية، التي تدرك أن الأمن والحرية ليسا نقيضين، بل عنصران متكاملان لا يستقيم أحدهما دون الآخر.
في النهاية، لا يكمن الإشكال في الأمن ولا في الحرية، بل في غياب التوازن بينهما، وحدها دولة القانون قادرة على الجمع بينهما، من خلال تنظيم عقلاني للحريات، يضمن ممارستها ويحمي المجتمع في آن واحد.
إن بناء هذه الدولة المنشودة يستدعي ترسيخ ثقافة قانونية جديدة، تؤمن بأن الحرية ليست خطرًا، وأن الأمن لا يكون مستدامًا إلا في ظل احترامها.
المصدر: الفيسبوك – صفحة الكتاب.