الجابري والعروي وإشكال النهضة العربية/ قاسم صالح

تعد قضية النهضة العربية من أكثر القضايا الفكرية إلحاحا في الفكر العربي المعاصر، إذ ظل سؤال التخلف التاريخي والعجز عن إنتاج حداثة عربية مستقلة محورا مركزيا في أعمال عدد من المفكرين العرب. وفي هذا السياق، يبرز مشروع كل من محمد عابد الجابري وعبد الله العروي بوصفهما من أبرز المشاريع الفكرية التي حاولت تشخيص أزمة العقل العربي وتحديد شروط الخروج منها. غير أن الاختلاف الجوهري بينهما يكمن في زاوية النظر إلى أصل الأزمة فالجابري انطلق من نقد بنية العقل العربي وآليات اشتغاله داخل التراث، بينما رأى العروي أن الإشكال يتجاوز الفكر إلى التأخر التاريخي المرتبط بفشل تشكل الدولة الحديثة ومؤسسات الحداثة.
ومن هنا، تبدو النهضة العربية وكأنها عالقة بين مشروعين متكاملين ومتنازعين في آن واحد مشروع يعيد بناء العقل من الداخل، وآخر يدعو إلى حسم تاريخي مع أنماط الوعي التقليدي لصالح الحداثة بوصفها قدرا تاريخيا لا يمكن تجاوزه.
انطلق الجابري من فرضية أساسية مفادها أن أزمة العالم العربي ليست سياسية أو اقتصادية فقط، بل هي أزمة عقل بالدرجة الأولى. ففي مشروعه النقدي الضخم، خاصة في سلسلة نقد العقل العربي، سعى إلى تفكيك البنية المعرفية التي حكمت الثقافة العربية الإسلامية عبر التاريخ، مميزا بين ثلاثة أنظمة معرفية البيان، والعرفان، والبرهان.
وقد اعتبر الجابري أن هيمنة البيان والعرفان على الثقافة العربية أدت إلى تعطيل العقل البرهاني النقدي، الأمر الذي أسهم في إنتاج عقل يعيد إنتاج الماضي بدل مساءلته. لذلك دعا إلى إعادة بناء العقل العربي على أسس عقلانية حديثة، تستلهم التراث العقلاني، خصوصا النموذج الرشدي، بوصفه القادر على التوفيق بين العقل والواقع.
إنّ أهمية مشروع الجابري تكمن في محاولته تجاوز المفاهيم التمجيدية للتراث دون السقوط في القطيعة الكاملة معه. فهو لم يكن يدعو إلى هدم التراث، بل إلى إعادة فهمه فهما نقديا يسمح بتحرير العقل العربي من آليات التفكير المغلقة. وهنا يظهر البعد الإصلاحي في مشروعه؛ إذ ظل يؤمن بإمكان بناء حداثة عربية تنطلق من داخل الثقافة العربية الإسلامية نفسها.
غير أن هذا المشروع تعرض لانتقادات متعددة، أبرزها أنه ركز بشكل كبير على البنية الفكرية والمعرفية، وأعطى أهمية أقل للبنى السياسية والاجتماعية والتاريخية التي تنتج هذا العقل وتعيد تشكيله. فالعقل، وفق هذا النقد، لا يعمل في فراغ، بل داخل شروط تاريخية ومؤسساتية محددة.
على خلاف الجابري، انطلق عبد الله العروي من سؤال التاريخ لا من سؤال العقل. ففي أعماله مثل الإيديولوجيا العربية المعاصرة ومفهوم الدولة ومفهوم الحرية، اعتبر أن الأزمة العربية هي أزمة تأخر تاريخي ناتجة عن عدم استيعاب منطق الحداثة الغربية بوصفها مسارا تاريخيا متكاملا.
يرى العروي أن المجتمعات العربية تعيش نوعا من الانفصال بين الوعي والواقع؛ إذ ترفع شعارات الحداثة بينما تستمر في إنتاج البنيات التقليدية ذاتها. ومن هنا جاءت دعوته إلى حسم التاريخ، أي القبول بشروط الحداثة السياسية والفكرية كما تشكلت تاريخيا في الغرب الدولة الحديثة، العقلانية السياسية، المؤسسات، الديمقراطية، والتاريخانية.
ويختلف العروي عن الجابري في أنه لا يمنح التراث مركزية كبرى في مشروع النهضة، بل يعتبر أن التعلق المفرط به قد يتحول إلى عائق أمام الدخول في العصر الحديث. لذلك دعا إلى تبني الحداثة بوصفها ضرورة تاريخية، لا خيارا ثقافيا انتقائيا.
لقد بدا العروي أكثر راديكالية في تعامله مع سؤال النهضة، لأنه رأى أن التأخر العربي ليس أزمة فهم فقط، بل أزمة اندماج في حركة التاريخ الكوني. فالنهضة عنده لا تتحقق عبر إصلاح الفكر وحده، وإنما عبر بناء الدولة الحديثة وتغيير البنية الاجتماعية والسياسية التي تنتج هذا الفكر.
وهنا يمكن سؤال بين العقل والتاريخ… أين يكمن مدخل النهضة؟
إن التأمل في المشروعين يكشف أن الخلاف بين الجابري والعروي ليس خلافا حول ضرورة النهضة، بل حول نقطة البداية. فالجابري يعتقد أن تغيير الواقع يمر عبر تحرير العقل من البنى المعرفية التقليدية، بينما يرى العروي أن تغيير العقل نفسه رهين بتحولات تاريخية ومؤسساتية عميقة.
وفي الحقيقة، تبدو الأزمة العربية أعقد من أن تختزل في بعد واحد. فلا العقل منفصل عن التاريخ، ولا الدولة الحديثة يمكن أن تبنى بعقل تقليدي يعيد إنتاج أنماط الطاعة والامتثال. ولهذا يمكن القول إن المشروعين، رغم اختلافهما، يتكاملان أكثر مما يتناقضان.
فالنهضة الحقيقية قد تحتاج إلى مسارين متوازيين
نقد البنية العقلية والثقافية التي تعيق التفكير الحر والعقلاني.
وبناء مؤسسات الدولة الحديثة القادرة على إنتاج مواطن حديث ووعي تاريخي جديد.
إن إخفاق التجارب العربية الحديثة يكشف أن التحديث التقني أو السياسي وحده لا يكفي، كما أن الاكتفاء بالنقد الثقافي دون إصلاح الدولة يظل محدود الأثر. فالمجتمع الذي لا يمتلك مؤسسات حديثة يصعب أن ينتج عقلا حديثا، والعقل الذي لم يتحرر من سلطات التقليد لن يستطيع حماية مشروع الدولة الحديثة.
ويبقى السؤال المطروح هل تبدأ النهضة من إصلاح العقل أم من حسم التاريخ وبناء الدولة؟
ربما تكمن الإجابة في تجاوز هذا التقابل ذاته؛ لأن النهضة ليست فعلا أحاديا، بل عملية تاريخية شاملة يتداخل فيها الفكري والسياسي والثقافي والمؤسساتي. لقد أدرك الجابري أن تحرير العقل شرط أساسي لأي نهضة، كما أدرك العروي أن الحداثة لا تتحقق خارج الدولة والتاريخ. وبين المشروعين تتكشف مأساة الواقع العربي المعاصر عقل لم يتحرر بالكامل، وتاريخ لم يحسم بعد.
ومن ثم، فإن النهضة العربية المؤجلة ليست نتيجة غياب الأفكار بقدر ما هي نتيجة العجز عن تحويل النقد الفكري والوعي التاريخي إلى مشروع حضاري متكامل، قادر على المصالحة بين العقل والحداثة، بين التراث والتاريخ، وبين الإنسان العربي ومستقبلِه.

زر الذهاب إلى الأعلى