الوعي الجمعي في موريتانيا هل تقودنا مراكز الدراسات أم السيرك السياسي والثقافي؟/ قاسم صالح

يشهد المجتمع الموريتاني كما هو حال كثير من المجتمعات النامية تحولا عميقا في مصادر إنتاج الوعي الجمعي. فلم تعد النخب الأكاديمية ومراكز البحث والمؤسسات الفكرية هي الفاعل الأكثر تأثيرا في تشكيل الرأي العام بل أصبحت الساحة تتقاسمها منصات التواصل والخطابات الشعبوية والاستقطابات السياسية وما يمكن وصفه (بـالسيرك السياسي والثقافي) حيث يغلب منطق الإثارة على منطق المعرفة وتعلو الضوضاء على صوت التحليل الرصين.
لقد أفرز هذا التحول واقعا تتراجع فيه الثقافة المؤسسية لصالح ثقافة اللحظة. فأصبحت القضايا الوطنية الكبرى من التنمية والإصلاح والتعليم والعدالة الاجتماعية، تُناقش بمنطق الانفعال أكثر من منطق الدراسة وتقاس قيمة الأفكار بقدرتها على إثارة التفاعل لا بقدرتها على تقديم حلول واقعية. وهكذا يتشكل وعي جمعي سريع التقلب تحركه الموجات الإعلامية أكثر مما توجهه الرؤية الاستراتيجية.
وفي الحالة الموريتانية تبدو هذه المفارقة أكثر وضوحا. فالدولة تمتلك كفاءات أكاديمية وخبرات وطنية قادرة على إنتاج المعرفة وصناعة البدائل، إلا أن حضورها في المجال العام يظل محدودا مقارنة بالحضور الكثيف للخطابات الشعبوية والمشاحنات السياسية والجدالات الإعلامية. لذلك كثيرا ما تتقدم الشخصيات الأكثر حضورا إعلاميا على أصحاب الاختصاص، فتغيب الرؤية بعيدة المدى أمام ضغط اللحظة، ويصبح النقاش العام أسيرا للأشخاص بدل الأفكار.
إن أخطر ما يترتب على هذا الواقع هو إضعاف العقل النقدي لدى المجتمع، وتحويل المواطن من شريك في صناعة المستقبل إلى مجرد متابع لعروض سياسية وثقافية متلاحقة. وعندما يصبح الانطباع بديلا عن المعرفة، فإن القرار العام نفسه يصبح أكثر عرضة للتأثر بالضجيج، لا بالحقائق، وهو ما ينعكس على جودة السياسات العامة واستقرار الأولويات الوطنية.
ومع ذلك، لا يزال الأمل قائما في إعادة الاعتبار للمؤسسات الفكرية والجامعات ومراكز الدراسات، شريطة أن تنفتح على المجتمع، وأن تتحول المعرفة من رفوف المكتبات إلى أدوات فاعلة في صناعة القرار وبناء الوعي. فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة المتحدثين، وإنما بوفرة المفكرين، ولا تنهض بمن يجيد إثارة الجدل، بل بمن يحسن تفسير الواقع واستشراف المستقبل.
إن موريتانيا اليوم أحوج ما تكون إلى مشروع وطني يجعل من المعرفة مرجعية، ومن البحث العلمي شريكا في القرار، ومن المثقف صاحب رسالة لا مجرد صانع محتوى. فالأمم التي يقودها العقل تتجاوز أزماتها، أما التي تقودها الإثارة فتظل أسيرة اللحظة، تدور في دائرة الاستقطاب دون أن تقترب من آفاق التنمية والاستقرار. ومن ثم، فإن معركة موريتانيا الحقيقية ليست معركة السلطة وحدها، بل معركة الوعي لأن من يقود الوعي اليوم، هو الذي يرسم ملامح الدولة غدا.

زر الذهاب إلى الأعلى