أركونية في علاقة الحزب بالدولة والسلطة والمجتمع والحزب الحاكم كنموذج/ قاسم صالح

إذا كان محمد أركون قد جعل من نقد العقل الإسلامي مشروعا لتفكيك المسلمات التي تحولت بفعل التاريخ والمؤسسات إلى يقينيات مغلقة فإن من الممكن استلهام منهجه ــ دون نقله حرفيا إلى المجال السياسي ــ لطرح سؤال آخر كيف يمكن نقد العقل السياسي للحزب الحاكم في موريتانيا؟
فالمسألة هنا لا تتعلق بحزب الإنصاف بوصفه تنظيما سياسيا فحسب وإنما تتعلق بنمط أوسع من العلاقة بين الحزب والدولة والسلطة والمجتمع. ذلك أن الحزب الحاكم في التجربة السياسية الموريتانية لا يتحرك دائما في المجال الحزبي بالمعنى النظري المجرد بل يجد نفسه قريبا من السلطة التنفيذية ومن البرنامج السياسي لرئيس الجمهورية.
وتؤكد الوثائق الحديثة للحزب نفسه هذا الارتباط فقد أعلن في ديسمبر 2025 أن الحزب والحكومة يعملان على (أرضية واحدة) لتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية كما أقر الحزب إصلاحات تنظيمية وخطابا سياسيا جديدا خلال 2026.
1 – من نقد العقل الديني إلى نقد العقل السياسي
يقوم المنهج النقدي الذي ارتبط بمشروع أركون على عدم التعامل مع الأفكار باعتبارها معطيات نهائية وإنما البحث في الشروط التاريخية والاجتماعية والسياسية التي أنتجتها.
وبالمثل، فإن نقد العقل السياسي لا يبدأ بالسؤال
هل الحزب الحاكم جيد أم سيئ؟
إنما يبدأ بسؤال أكثر عمقا
كيف يفكر الحزب الحاكم؟ وكيف ينتج خطابه؟ وكيف يحدد علاقته بالسلطة؟ وكيف ينظر إلى المعارضة والمجتمع والدولة؟
الحزب السياسي الحديث يفترض أن يكون مؤسسة مستقلة نسبيا عن الدولة له برنامجه ورؤيته وآلياته الداخلية ويسعى إلى الوصول إلى السلطة أو المحافظة عليها من خلال التنافس الديمقراطي.
لكن عندما تصبح الحدود بين الحزب والدولة والسلطة التنفيذية شديدة التداخل فإننا أمام ظاهرة تستحق الدراسة لأنها قد تجعل الحزب يتحول تدريجيا من مؤسسة سياسية ذات مشروع إلى أداة لمواكبة السلطة القائمة.
هنا تبدأ الحاجة إلى نقد العقل السياسي.
2 – الحزب والدولة… أين تنتهي السلطة وأين يبدأ الحزب؟
تقدم الوثائق الرسمية لحزب الإنصاف مثالا مهما على هذه الإشكالية.
فالحزب أعلن صراحة أنه يعمل والحكومة (على أرضية واحدة) لتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية كما أكد أن من أدواره مواكبة عمل الحكومة وتثمينه ودعمه والدفاع عنه.
فمن الناحية السياسية يمكن فهم ذلك باعتباره تعبيرا طبيعيا عن حزب أغلبية يدعم رئيس الجمهورية.
لكن من الناحية النقدية يطرح الأمر سؤالاً ضرورياً
هل وظيفة الحزب الحاكم هي الدفاع عن برنامج السلطة فقط أم أن عليه أيضا أن يكون مؤسسة سياسية قادرة على إنتاج الأفكار والسياسات وممارسة النقد الداخلي؟
فالتمييز بين الحزب والسلطة ليس نقدا بل إنه أحد شروط بناء حياة حزبية سليمة.
الحزب الذي يتحول إلى مجرد امتداد للسلطة قد يحقق قوة انتخابية وتنظيمية لكنه يخاطر بفقدان أهم وظيفة للحزب السياسي: إنتاج مشروع سياسي مستقل وقابل للنقاش.
3 – من الولاء للشخص إلى الولاء للمشروع
من أكبر التحديات التي تواجه الأحزاب الحاكمة في الأنظمة السياسية عموما ظاهرة شخصنة السياسة.
فعندما يصبح نجاح الحزب مرتبطا بصورة رئيس الدولة أكثر من ارتباطه بفكرة الحزب وبرنامجه ومؤسساته يصبح الحزب معرضا للتحول من مؤسسة ذات ذاكرة سياسية إلى جهاز تعبئة انتخابية.
هنا يمكن استعارة سؤال أركوني مهم:
متى يتحول التاريخ السياسي إلى عقيدة؟
في المجال السياسي يمكن صياغته هكذا:
متى يتحول الولاء السياسي إلى يقين لا يسمح بالنقد؟
الحزب القوي ليس هو الذي يصفق للسلطة أكثر وإنما الحزب الذي يستطيع أن يقول للسلطة: نحن مع المشروع ولكننا نختلف مع هذه الآلية أو ذلك القرار عندما نراه غير مناسب.
هذه القدرة على الاختلاف داخل الأغلبية نفسها هي إحدى علامات نضج الثقافة الديمقراطية.
4 – إصلاح الحزب… هل هو إصلاح تنظيمي أم تحول في العقل السياسي؟
شهد حزب الإنصاف منذ نهاية 2025 مسارا معلنا للإصلاح وإعادة الهيكلة فقد استحدث هيئات قيادية جديدة، منها مكتب سياسي مكون من 78 عضوا ولجنة دائمة من 33 عضوا كما انتخب محمد ولد بلال مسعود رئيسا للحزب.
في مايو 2026 صادق المكتب السياسي على تحديث الخطاب السياسي وتجديد الهيئات الحزبية وإطار استراتيجي للتمويل ومخطط إعلامي وبرنامج للعمل الحزبي.
هذه الخطوات مهمة من الناحية التنظيمية لكنها تفتح سؤالا أعمق:
هل يستطيع الإصلاح التنظيمي أن ينتج إصلاحا في العقل السياسي نفسه؟
فإعادة توزيع المناصب والهياكل لا تكفي إذا بقيت الثقافة السياسية قائمة على منطق:
القيادة تقرر والقواعد تعبّئ والمواطن يصوت.
أما الإصلاح الحقيقي فيفترض الانتقال إلى منطق آخر:
القيادة تقترح والقواعد تناقش والمؤسسات تراقب والمواطن يختار.
هذا هو الفارق بين إعادة هيكلة الحزب وإعادة بناء الحزب.
5 – الحزب والمجتمع… من التعبئة إلى التمثيل
يعلن حزب الإنصاف اهتمامه بتقوية الهيئات القاعدية وتوسيع المشاركة كما تحدث عن تجديد هذه الهيئات وتعزيز دورها التأطيري والتوجيهي.
لكن السؤال الاهم هنا هو:
هل القاعدة الحزبية مجرد قناة لتعبئة المواطنين لصالح السلطة أم أنها مساحة حقيقية لإنتاج السياسة؟
الحزب الديمقراطي لا ينبغي أن يكون مجرد جهاز يصل من خلاله الخطاب من الأعلى إلى الأسفل بل يجب أن يكون أيضا قناة تصعد من خلالها مطالب المجتمع إلى مركز القرار.
بالتالي فإن قوة الحزب لا تقاس فقط بعدد المنخرطين أو المهرجانات التي ينظمها وإنما بقدرته على الاستماع إلى المجتمع وتحويل مطالبه إلى سياسات عامة.
6 – الخطاب السياسي الجديد… هل نحن أمام تحول حقيقي؟
في مايو ويونيو 2026 أعلن الحزب تحديث خطابه السياسي مع خطة لتجديد هيئاته وتعزيز الانضباط الحزبي وتطوير الإعلام والتمويل.
هذه نقطة بالغة الأهمية.
فكل إصلاح سياسي يبدأ باللغة لأن الخطاب يكشف كيف يرى الحزب نفسه وكيف يرى المجتمع وكيف يرى الدولة والخصوم السياسيين.
لكن تحديث الخطاب لا يصبح تحولا حقيقيا إلا عندما ينتقل من الكلمات إلى المؤسسات.
فإذا تغيرت اللغة وبقيت الممارسة القديمة، فإننا أمام تحديث لغوي لا أكثر.
أما إذا تغيرت اللغة وتغير معها أسلوب اتخاذ القرار وآليات اختيار القيادات وطرق إدارة الاختلاف والعلاقة مع المعارضة والمجتمع، فنحن أمام تحول حقيقي في العقل السياسي.
7 – المعارضة ليست عدوا
من أهم مؤشرات العقل السياسي المغلق أنه ينظر إلى المعارضة باعتبارها تهديدا.
أما العقل السياسي الديمقراطي فينظر إليها باعتبارها جزءا من النظام السياسي نفسه.
هنا يمكن استلهام فكرة أركون حول ضرورة تجاوز الثنائيات المغلقة.
فليس صحيحاً أن:
الحكومة = الوطن
ولا أن:
المعارضة = ضد الوطن.
الحكومة جزء من الدولة والمعارضة جزء من المجتمع السياسي وكلاهما يخضع للدستور والقانون.
ومن ثم فإن قوة حزب الإنصاف لا ينبغي أن تقاس بضعف المعارضة بل بقدرته على تقديم مشروع سياسي يجعل المواطن يختاره لأنه مقتنع به لا لأنه الخيار الأقرب إلى السلطة.
8 – من حزب السلطة إلى حزب الدولة المدنية
التحدي الأكبر أمام الحزب الحاكم في موريتانيا ليس فقط الفوز بالانتخابات وإنما بناء مؤسسة سياسية تستطيع الاستمرار خارج الأشخاص والولايات الانتخابية.
وهنا يكمن الانتقال الحقيقي:
من حزب يرتبط بالسلطة
إلى حزب يشارك في إدارة المجال السياسي.
ومن حزب يواكب الحكومة
إلى حزب يمتلك رؤية للحكومة والسياسة والمجتمع.
ومن الولاء للأشخاص
إلى الولاء للمشروع والمؤسسة.
ومن التعبئة الانتخابية
إلى التأطير السياسي والفكري للمجتمع.
إن استلهام مشروع محمد أركون في نقد العقل السياسي للحزب الحاكم لا يعني إسقاط مفهوم (نقد العقل الإسلامي) على السياسة بصورة ميكانيكية وإنما يعني الاستفادة من منهج تفكيك المسلّمات
وهنا يمكن أن نبحث عن (اللامفكر فيه) سياسياً أي الأسئلة التي لا تطرح بجدية داخل المجال السياسي رغم أنها أسئلة أساسية، مثل:
من يملك القرار فعليا؟
كيف تصنع النخب؟
كيف تتوزع الموارد والنفوذ؟
ما حدود استقلال المؤسسات؟
هل الولاء السياسي أهم من الكفاءة؟
هل المواطن شريك في الدولة أم مجرد قاعدة انتخابية؟
هذه ليست أحكاما مسبقة على الحزب بل أسئلة بحثية يمكن اختبارها بالوقائع.
وحزب الإنصاف بوصفه الحزب الحاكم، يقف أمام فرصة تاريخية: إما أن يظل حزباً مرتبطا بقوة السلطة التنفيذية وبرنامج رئيس الجمهورية، أو أن يستثمر الإصلاحات التي أعلنها ليصبح مؤسسة سياسية ذات شخصية وبرنامج وثقافة داخلية قادرة على الاستمرار.
لقد أعلن الحزب بالفعل عن تحديث خطابه، وتجديد هيئاته وتقوية بنيته التنظيمية والإعلامية وتعزيز الانضباط والعمل القاعدي.
لكن السؤال الذي سيحسم نجاح هذه الإصلاحات ليس عدد الهيئات التي ستنشأ ولا عدد الاجتماعات التي ستعقد وإنما:
هل سينتج عنها عقل سياسي جديد؟
عقل يرى الدولة أكبر من الحزب والحزب أكبر من الأشخاص والسلطة خاضعة للمساءلة والمعارضة شريكا في الحياة الوطنية والمواطن ليس مجرد ناخب في موسم الانتخابات بل صاحب المصلحة الأولى في السياسة والدولة.
هنا تحديدا يبدأ الانتقال من حزب السلطة إلى
حزب المؤسسة ومن الولاء السياسي إلى الوعي السياسي ومن التعبئة إلى المواطنة
زر الذهاب إلى الأعلى