مكافحة الفساد في موريتانيا: من استراتيجية 2030 إلى اختبار النتائج..\ عبد القادر محمد

مكافحة الفساد في موريتانيا: من استراتيجية 2030 إلى اختبار النتائج..\ عبد القادر محمد

تستحق المستجدات الأخيرة المتعلقة بمكافحة الفساد في موريتانيا قراءة هادئة تتجاوز السجال السياسي المعتاد حول الموضوع. فالفساد ليس، في نهاية المطاف، قضية موالاة أو معارضة، وإنما هو قضية دولة ومؤسسات، تتعلق بحماية المال العام وترسيخ الحكامة واحترام القانون.
ومن المهم، بداية، التذكير بأننا لا ننطلق من فراغ.
فقد أعدت موريتانيا منذ سنة 2022 استراتيجية وطنية لمكافحة الفساد في أفق 2030. ومن ثم ينبغي النظر إلى الإصلاحات الحالية باعتبارها جزءًا من مسار يفترض أن يقود، بحلول ذلك الأفق، إلى بناء منظومة أكثر فعالية للوقاية من الفساد وكشفه ومتابعته.
وقد شكل إنشاء السلطة الوطنية لمكافحة الفساد بموجب القانون رقم 2025-023 محطة مهمة في هذا المسار.
واليوم، وبعد تشكيل مجلسها واعتماد نظامها الأساسي والشروع في استكمال جهازها التنفيذي، أصبحت معالم المؤسسة أكثر وضوحًا، من خلال هياكل متخصصة في الوقاية والتعاون، والتصريح بالممتلكات والمصالح والتحريات، والشؤون القانونية والدراسات، والموارد البشرية والمالية، ونظم المعلومات والرقمنة.
وهي هندسة مؤسسية مهمة.
لكن بناء المؤسسة ليس سوى البداية.
فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تتحول النصوص والهياكل إلى ممارسة ونتائج.
وماذا بعد تقارير التفتيش؟
يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة في ضوء التقرير الأخير للمفتشية العامة للدولة وما كشف عنه من اختلالات في تسيير المال العام، وما ترتب عليه من إجراءات وإحالات.
فالمفتشية تستطيع كشف المخالفة وتحديد أوجه الخلل وتقدير آثارها المالية واقتراح الإجراءات المناسبة.
لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟
هنا تكمن إحدى أهم الإشكاليات التي واجهت، ولا تزال تواجه، منظومات مكافحة الفساد: الانتقال من اكتشاف المخالفة إلى متابعة آثارها ومعالجة أسبابها.
فليس كل خلل في التسيير جريمة، كما أن ثبوت شبهة ذات طابع جنائي يستوجب احترام اختصاص القضاء وضمانات المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.
وفي المقابل، فإن اكتشاف اختلالات متكررة ينبغي ألا ينتهي بمجرد معاقبة الأشخاص أو استرجاع بعض الأموال، بل يجب أن يقود أيضًا إلى التساؤل عن الأسباب التي سمحت بحدوث تلك الاختلالات.
وهنا يمكن أن تظهر القيمة المضافة الحقيقية للسلطة الوطنية لمكافحة الفساد.
فهي ليست مفتشية عامة أخرى، ولا محكمة حسابات موازية، ولا جهة قضائية جديدة.
المطلوب منها، ضمن الاختصاصات التي رسمها القانون، أن تساهم في الربط بين الوقاية والكشف والتحري والتنسيق والإحالة والمتابعة، مع احترام اختصاص كل مؤسسة واستقلالها.
وبعبارة أخرى، ليس التحدي في إضافة جهاز جديد إلى أجهزة الدولة، وإنما في جعل الأجهزة القائمة تعمل ضمن منظومة متكاملة.
من البحث عن المسؤول إلى البحث عن أسباب الخلل
لعل من أهم جوانب المقاربة الجديدة الاهتمام بتقييم مخاطر الفساد ووضع خرائط تحدد المجالات الأكثر عرضة له.
وهذا تطور مهم في فلسفة الرقابة.
فعندما تكشف تقارير التفتيش عن تكرار الاختلالات في قطاع أو إجراء أو نوع معين من الإنفاق، ينبغي ألا يقتصر السؤال على:
من المسؤول؟
بل يجب أن نسأل أيضًا: لماذا سمح النظام بحدوث الخلل؟
هل تكمن المشكلة في النصوص؟ أم في إجراءات الصفقات؟ أم في ضعف الرقابة الداخلية؟ أم في نقص الكفاءات؟ أم في عدم وضوح المسؤوليات؟
فمكافحة الفساد لا تعني فقط اكتشاف المخالفات بعد وقوعها، وإنما تعني أيضًا بناء نظام يجعل وقوعها أكثر صعوبة.
وهنا تحديدًا يمكن أن تتحول تقارير أجهزة الرقابة إلى مصدر للمعلومة يساعد على تطوير السياسات العمومية، بدل أن تبقى مجرد وثائق تسجل ما حدث في الماضي.
الاستقلال لا تثبته النصوص وحدها
منح القانون السلطة الوطنية لمكافحة الفساد ضمانات مهمة للاستقلال، وهو أمر ضروري بالنسبة إلى مؤسسة تتولى مهام
بهذا القدر من الحساسية.
لكن الاستقلال الحقيقي لا تقرره النصوص وحدها، وإنما تثبته الممارسة.
سيظهر ذلك في نوعية الكفاءات التي يتم استقطابها، وفي المهنية والحياد في معالجة الملفات، وفي حماية المعلومات، وفي تجنب الانتقائية، وفي القدرة على مقاومة الضغوط السياسية والإعلامية مهما كان مصدرها.
كما أن مكافحة الفساد يجب أن تظل دائمًا جزءًا من دولة القانون.
فالشفافية لا تعني إدانة الأشخاص في وسائل الإعلام قبل القضاء، والحرص على مكافحة الفساد لا يلغي قرينة البراءة وحقوق الدفاع.
وفي الاتجاه المقابل، ينبغي ألا تتحول سرية التحريات إلى غموض دائم بشأن مآلات الملفات.
والتوفيق بين هذين المطلبين سيكون أحد معايير مصداقية السلطة الجديدة.
2030… لكن أين نحن اليوم؟
تحمل الاستراتيجية الوطنية عنوان أفق 2030، ونحن اليوم في سنة 2026.
ومن المشروع، والحالة هذه، أن يبدأ التفكير في حصيلة مرحلية.
ليس المقصود إصدار أحكام متسرعة بالنجاح أو الفشل، وإنما طرح أسئلة بسيطة وضرورية:
ما الذي تحقق منذ اعتماد الاستراتيجية؟ وما الذي بقي منها قيد التنفيذ؟ وكيف تتكامل المؤسسة الجديدة مع أجهزة الرقابة القائمة؟ وهل تتم متابعة توصيات التفتيش؟ وهل تتحول الاختلالات المكتشفة إلى إصلاحات تمنع تكرارها؟
وقد يكون التقرير الأخير للمفتشية العامة للدولة فرصة مناسبة لاختبار هذه المنظومة عمليًا.
فالاختبار لن يكون في عدد الأشخاص الذين تتم إقالتهم أو الملفات التي تتم إحالتها وحده، وإنما أيضًا في ما ستتعلمه الإدارة والدولة من الاختلالات التي تم اكتشافها.
لدينا اليوم استراتيجية وطنية في أفق 2030.
ولدينا قانون جديد وسلطة متخصصة وأجهزة رقابة قائمة وتقارير تكشف الاختلالات.
وبالتالي لم يعد السؤال الأساسي متعلقًا بوجود المؤسسات.
السؤال هو: هل نستطيع جعلها تعمل معًا؟
تفتيش يكشف، وسلطة تقي وتنسق وتتابع، وإدارة تصحح، وقضاء يفصل فيما يعرض عليه، وأموال عامة تسترد متى ثبت استحقاقها.
فالنجاح الحقيقي في مكافحة الفساد لا يتحقق فقط عندما تستطيع الدولة معاقبة من يفسد، وإنما عندما تصبح قادرة على التعلم من كل اختلال حتى تجعل تكراره أصعب.
وهذا، في تقديري، هو الرهان الحقيقي في الطريق إلى 2030.

 

زر الذهاب إلى الأعلى