أرشيف صحفي

تلخيص كتاب “الدوائر السبع” (9 من 17) بقلم الدهماء..موسى جبريل يتحدث عن التيه في الصحراء الموريتانية والعمل مع الفرنسي سيمبير الذي كان ابنه وزيرا للداخلية حينما ذبح “البظان”مجموعة الـ” Peul”

……………………………كان “الرماة السود” شتاتًا من الأعراق، وجدوا أنفسهم في غربة نفسية حادة، يعانون القهر في بيئية قاسية لا يربطهم بها أي شيء،.. كنا نَجتمع حول النار نُغنِّي، نستذكرُ سالف حياتنا، أسرنا، نُغني بلهجاتنا الإفريقية المختلفة في الليالي المُوحِشة، نحاول مواساة بعضنا، .. حاولت أن أستعيد صوت الطّبْل، النهر،.. أصوات الحقول والطُّيور،.. كنت أفتقد هذه المفردات التي ألفتُ في بيئتي الأم،.. ففي الصَّحراء ما من صوتٍ غير صفير الرياح، وصوت الفراغ الشاسع.

أتعجبُ من الخريفِ في صحراء “البيظان” البائسة،.. رعدٌ وبرقٌ كالنَّار، وقطرات من المطر هنا وهناك، تتبخَّر أو تمْتصُّها الأرض،.. أو تسيل بسرعة باتجاه الوادي لتختفي بعد أيام.. أو حتى أحيانا بعد ساعات!،.. كم هي سخية السماء في الضفة، تُمطر و تُمطر كثيرا.. ويصعدُ النَّهر تدريجيا الى أن يفيض فيعمّ الخير.
كنتُ أتحايلُ على واقِعِي، فكلَّما لَفحتْ ريّاح السُّمومِ وجْهي و سَدَّت بالتُّراب أعيني و أنفي وفمي،.. أسْكبُ بعضًا من ماء النهر في مُخيلتي.. أغسلُ به وجهي.

تنعدمُ في “تكَانت” البرك المائية الثابتة، كما هو الحال في “يقْرف”، ورغم أنَّ المستعمر لم يصادر نقاط الماء، إلا أنَّ الأهالي سواء من “البيظان” أو “الفولْبي” كانوا يَهْجرونها طواعية خوفا من الاختلاط بالفرنسيين.. كلَّما ما اقتربنا مِنْها.

كان من دواعي فرحي في “تكَانت” أني كحَّلتُ ناظري للمرة الأولى منذ سنوات برؤية البقر، الكثير من البقر، كنت مسرورًا حتى ولو كان سرورًا بطعم الغربة و الألم، فلم أشاهد منذ التُقِطتُ كالعبد إلا الإبل والماعز.
انتقلنا من “تكَانت” الى “اترارزة”،.. إلى “بوتلميت”، ومؤلمٌ جداًّ أني على مقربة من أسرتي وعاجزٌ عن التَّواصل معها أو حتى مُجرَّد اخبارها بوجودي في المنطقة.
في شهر يونيو 1945 تم تسريحي من الجيش، بعد أن أنهيت فترة خدمتي المحددة من طرف الجيش،.. كان عمري سبعا وعشرون سنة، و فقد التحقتُ بالجيش في 17 فبراير 1941،.. الفرنسيون جدّ سعداء فقد انتهت حربهم، وغُلب عدوّهم، نظموا احتفالا كبيرًا، سكبوا الكثير من النبيذ،.. وذبحوا خرافا كثيرة، حملونا في الى “سين-لوي” في السنغال وهناك عرضوا على الرَّاغبين في تجديد التزامهم مع الجيش الفرنسي التسجيل ثانية، رفض الجميع تقريبا بينما قرَّرتُ التَّرشح للحرس.
الحرس في الدَّوائر الإدارية لموريتانيا الاستعمار يقوم بمهمة البوليس المدني، فلم تكن الشرطة موجودة ويدعى ” حرس الدَّائرة”
أخذتُ الباخرة حتى “بوكَي” ومنها الى “سايي” قريتي، مسقط رأسي، لألتقي أسرتي بعد طول غياب،.. عدتُ لأرضي ولحقْلي الذي افتقدتُه كثيرا.
قرَّرت ممارسة التِّجارة في انتظار الجواب من الإدارة الفرنسية، كنتُ أملكُ قطيعًا صغيرًا من البقر، فمن عاداتنا أن نمنح لكل طفل منحة من البقر فور ولادته، تكبر معه وتتكاثر ولما يبلغ أشده تكون له عونا على الانطلاق الآمن في الحياة.

بِعْتُ بعض الثيران في “بوكَي” فنحن لا نبيع إناث البقر، ، وبدأتُ مشروعي التجاري،.. لكن في نفس الحين تلقَّيتُ الجواب بالإيجاب على طلبي، كان عَليَّ الذهاب الى “روصو”، ومهما كانَ، ما كنتُ لأفعل دون إذنٍ من والدي ومباركته،.. لقد كان رجلا حكيمًا فخورًا بابنه، وبسمعته الطيبة التي كسب لدى الجيش الفرنسي، ممَّا أهله للقبول به أيضًا في خدمة فرنسا كحرسي.
تركتُ ثانية قريتي “سايي” ما زلتُ لم أتزوَّج بعدُ، لكن خطيبتي “رَامَا” بلغت الثالثة عشرة، وقد حان وقت الزَّواج، على الأقلِّ في جزئه الأوَّل ، العقد الشرعي.
توَّجهتْ اسرتي الى ” دَمَتْ ” حيثُ أسرة “راماتا ديالو” بُغيةَ إبرامِ العقد وتبادل الهدايا، فلم يكنْ من داع لحضوري، ففي تقاليدنا يكمن لأسرتي تزويجي ، و يمكنها حتى تطليقي ان رغبت.
لم التق أصدقائي من شريحتي العمرية كنا في سنة 1945 و قد اختطفوا للتَّجنيد القسري منذ سنة 41 ، و لا تعلم أسرهم عنهم أي شيء، الأهالي يعيشون على الدُّعاء والأمل في عودة الأبناء في أي وقت، وقد جَّربوا كل شيء للتعجيل بعودتهم.. حتى الشعوذة ، ففي الحرب السَّابقة مات الكثير من مجنَّدي الضفة،.. والجيش الفرنسي يرفض إعطاء الأهالي أي معلومات تفيد عن مصير أبنائهم.

التحقتُ بمدرسة الحرس “بروصو” للتكوين لفترة تمتد على تسعة أشهر، كانت “روصو” مدينة صغيرة، ومعبر تبادل تجاري حيوي، والمحطة الثانية للبواخر النَّهرية بعد ” سين-لوي ” ” Saint-louis” ، وكان نقطة عبور حيث لا توجد حدود معلومة بين موريتانيا والسنغال ، فالسِّيادة الفرنسية قائمة على الضِّفتين، وكانت العبَّارة تقوم بنفس الدَّور الذي تقوم به الآن.
حُوِّلتُ إلى “كيفه” دائرة “لعصابه”، .. جمعونا قبل التوجه إليها في مدينة “تيِيسْ” ، “Thiès ” بالسنغال، ومنها أخذنا القطار صوب “خايْ” “khaye “، لنسافر الى “كيفه”.
“كيفه” كانت مدينة جميلة تشبه شيئا ما في مناخها مناخ ” دييري- بوكَي”، وتَعْرفُ تبادلاً تجاريا نشطا مع مالي والسنغال، “كيفه” أرض مباركة وتختلف عن الشَّمال،.. بها غابات صالحة للزراعة، وتنمية لمختلف أنواع الماشية، وبالاتجاه نحو الجنوب تتواجد مجموعات “الفولبي” المُترحِّلة مع قطعان القبر، ينزلون الى حواف بحيرة تدعى “كاراكورو”، حيث تَتعايشُ عدَّة أعراقٍ و تزاول الزراعة حولها، :: “الفلان” و “السوننكي” و السود من عبيد “البيظان”، الذين يتكلَّمون العربية و يسمون “لحراطين”، عندما يُزْعَمُ أنهم حُرِّروا،.. وآخرون.
قائد الدائرة يسمى “مونِيي” ” Monié” ومساعده ” سيمبير” “Cimper”، فرنسيان اثنان فقط لإدارة أربعين من الحرس و منطقة شاسعة و كثيفة السكان، خصوصًا الجانب المتعلق بفرض النِّظام والسِّلم،.. كانا بحاجة ماسة إلينا.
لم يكن القائد ” مونيي” متزوجاً، فتولَّينا تدبير شؤون حياته، بينما كان “سيمبير” متزوِّجًا من “بيظانية” وله منها ولد يدعى جبريل، وبنت لم أعد أذكر اسمها،.. لم يكن الوالد سيئا و الابن كان طفلا، لا يمكنني أن أنساه فقد كبر وأصبح صاحب شأن في موريتانيا،.. وزيرا للداخلية سنة 1989 حين ذَبح “البيظان” مجموعة “البيل” ” Peul” ، سأعود الى ذلك في ما بعد…
…………………
يتواصل بإذن الله تعالى
…………………
ملخص من كتاب ” Les sept cercles, Une odyssée noire “، ” الدوائر السبع، ملحمة سوداء”، رؤية أحد ” الرماة السود” من مجتمع ” الهالبولار” الموريتاني لواقع استعمار موريتانيا، صدر سنة (2015م)، بالتعاون مع خبيرة الأنثروبولوجيا ” Sophie Caratini ” ، نشرته مطابع ” Thierry Marchaisse “، بفرنسا.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى