أرشيف صحفيموضوعات رئيسية

في ذكرى اعتقالات مارس 1984.. قتل وتعذيب.. ( جمع الحلقات الـ6 ) / الشيخ بكاي

كتبت هذه الحلقات في الذكرى الـ34 لأعمال القمع الوحشي التي تعرض لها الناصريون في العام 1984.. لم أسع هنا إلى التأريخ ولا إلى كشف الخفايا والملابسات التي أحاطت بالعملية.. كانت فقط انطباعات سجين يكتب عن تجربة يعتبر أنها ما زالت حية وعن شخوص معظمهم أحياء في مجتمع تتحكم فيه القبلية…

كل التفاصيل موجودة في كتاب عدلت عن نشره بعد ضغوط كثيرة.. وسيأتي اليوم الذي ينشر فيه..

1من 6
26 مارس:

في صباح هذا اليوم: 26 مارس من العام 1984 جاءني في البيت الواقع في “إيلو سي” إلى الشرق من الرئاسة سائقي محمد مبارك.. كان متوترا جدا.. قال: “الشرطة تنتظرك في الوكالة وتبحث عن بومدين ولد أحمد سالم.. تعال أهربك”.. لم أستغرب الأمر فقد كانت المؤشرات تدفع إلى أن ترتكب السلطة حماقات…
قلت للأخ محمد مبارك إني لن أهرب لأني لم أقم بما يستدعي ذلك.. ورغم رفضي توقف الرجل الطيب مرات في الطريق يطلب مني الهرب..

كان الناصريون أيامها قد وزعوا على نطاق واسع منشورا يهاجم “التحالف العسكري الرأسمالي”، وكتبوا الشعارات الواردة فيه على الجدران في عدد كبير من مدن البلاد في الليلة نفسها.. وغرقت المدارس في إضرابات..

كان الدخول إلى مكتبي يقتضي أن أمر بقاعة التحرير.. لم يقف لي أحد، ولم يسلم علي أحد.. كانت القاعة واجمة هادئة..
بعد دخولي المكتب جاء مدني وقال: “تريدك الشرطة في الخارج”.. رددت عليه: ” قل لهم أن يدخلوا.. هم أصحاب الحاجة ..”.
دخل الضابط بزومه وسلم في شكل مهذب جدا. وقال لدي أمر باعتقالك”.
رددت في ثقة “مصطنعة” فقد كنت أعرف ألا حول لي ولا قوة: “عندك أمر اعتقال من النيابة؟.. غير ذلك يكون عملية اختطاف”.
أغلق بوزومه الباب في هدوء وقال: ” الشيخ..خارج الرسميات، هذا أنا وأنت أنت ولا أريد أن اضطر إلى أن أعاملك بطريقة غير لائقة بنا”…
ورغم يساريتي ومحاولتي التحرر من التقاليد، فهمت بسرعة خطاب الرجل الذي يعني مودة متأصلة في التاريخ، فهو رجل من أولاد الناصر وأنا ابن الشيخ سيدي المختار الكنتي..
كنت مديرا لتحرير الوكالة الموريتانية للانباء لكنني في هذه الأيام أتولى مسؤوليات المدير العام الموجود في سفر..
قلت له وقد كنت هادئا هذه المرة: “صحيح.. هل يمكن أن تسمح لي بإجراء اتصال من مكتب المدير العام”… قال:” نعم.. تفضل” وبقي في مكتبي.
كنت أريد أن أعرف وضع الكوري ولد حميتي، وحمود ولد عبدي، وبعض أصدقائي الخاصين… وعرفت من الاتصالات أنه تم اعتقالهم…
في الليلة الماضية كنت وحمود في الطريق إلى بيت نسهر فيه في العادة.. قلت له إني غير ذاهب معه فأنا أشعر بفيض من الحنين إلى “أهل الرشيد” أي المنحدرين من قريتي… ذهبت إلى توجونين حيث يكثر الأهالي.. زرت كثيرين وسهرت مع إخوة وأخوات في جو أسري كنت أشعر بالحاجة إليه…..
لم يشرب حمود “البراد الأول” حتى التحق به ضابط شرطة.. وبات ليلته في ضيافة سيدة راقية، مضيافة، كريمة، سليلة الكرماء تسمى “أمن الدولة”…

في الطريق إلى “المضافة” سمح لي بوزومه بشراء 4 كرتون من مارلبورو.. وانتبهت بعد أن عدت إلى السيارة إلى أنني ارتكبت خطا، فشراء هذا القدر من السجائر يعني أنني أفترض أن أطيل المقام… وعموما لم أدخنها فقد صادرها الرحماء شرطيونا الأشاوس..
عن ساعاتي الأولى كتبت في كتاب لم ير النور بعد:

:دفع بي الرقيب سيدي محمد إلي الداخل بعنف حتى سقطت علي تلة من القمامة والرمل المالح يبدو أنهم جمعوها للاحتفاء بي في هذه الغرفة الضيقة المسقوفة بالصفيح المتآكل… وقبل أن يغلق الرقيب الغرفة قال في حقد ظاهر: ” لقد انتهت وظيفة المدير التي أنت منتفخ بها، وهذه الثياب أيضا سنزيل انتفاخها”.

لملمت أشلاء كبريائي وأدرت البصر بين ” التلة” والأرضية العارية إلا من أتربة حمراء مالحة ، لأختار مكانا للجلوس…شغلت نفسي لبعض الوقت بأعمدة دخان السجائر تمتزج بأشعة الشمس الساقطة من خلال ثقوب في السقف. ضربت الباب مرات… فتح مرة … وكان أمامه شرطي أسود، طويل القامة، مدجج بالسلاح… قال مصوبا رشاشه إلي نحري: ” ماذا تريد؟”.

قلت: ” هل تتكرم بالبحث لي عن جريدة أقتل بها الوقت؟”.
نظر إلي وقال في هدوء: ” أيها السيد ..! لا جرائد هنا… يبدو أنك لا تستوعب الموقف. وسأنصحك : توقع الأسوأ، واعمل المستحيل من أجل أن تصون كرامتك”. ثم أقفل الباب… كان اسمه عبد ول جي …

2 من 6 :الترغان” (الترويض).. ثم السلخ..

أمضيت الليلة الماضية على الأرض من دون فراش وسط أكوام القمامة، ولم يكن النوم أقل عداء من رقيب الشرطة سيدي محمد، فقد تحالف ضدي مع رهبة الجو وأصوات الجزم، ودمدمة الحديد في باب الزنزانة يفتحه الشرطيون على الدوام للتأكد من وجود “المجرم الخطر”.

تحولت زنزانتي في هذا اليوم إلى ما يشبه المطعم.. وصلت كميات كبيرة من الطعام من مصادر مختلفة منها أخي محمد رحمه الله. ومنها كمية مخصصة لثلاثة أشخاص هم المرحوم محمد ولد جدو وحمود ولد عبدي وأنا.. كانت من بيت المرحوم محمد ولد جدو.. هي وجبة كنا نأكلها معا في البيت، وتعرف السيدة فاطمة مباركه أننا نحبها.. قلت للشرطي “هذا الطعام لي ولاثنين آخرين.. أنا عندي ما يكفيني.. إذهب به إليهما”.. أَغْلَق الباب من دون جواب… سأعرف في ما بعد أنهما لم يمرا بـ”النعيم” الذي أنا فيه، فقد بدأ “التحقيق”- الجَلْدُ معهما منذ اليوم الأول.
امتلأت زنزانتي أيضا بالشاي والسكر والسجائر من المصادر نفسها ومن أختي النانه بنت اج التي تعرف أني إذا وجدت السجارة والشاي أكون سعيدا..
كنت أحس أن الشرطيين يمارسون نوعا من “الغصب”.. يأخذون السجائر والشاي والسكر من دون إذن، وحتى الرقيب سيدي محمد كان يأتي ليأخذ حصته أو يرسل من يأخذها.. سأقول له في وقت لاحق حينما مد يده لياخذ بعض السكر من دون إذني: “إذا أخذته الآن فإنك تأخذه لأنني عاجز عن الدفاع عن نفسي”.. لم ألاحظ في سلوكه ذرة شهامة إلا هذه المرة فقد خرج مستاء من دون أن يأخذ شيئا..كنت أريد أن أغيظه عقابا على سلوكه الحيواني معنا…

أنا في الواقع كنت أقبل أن يأخذوا ما يريدون، لأنه في المقابل هناك من يجالسونني في الزنزانة، يعدون لي الشاي، وأستدرجهم لمعرفة بعض الاخبار.. كنت أمارس حريتي في أمر واحد هو اختيار من يأكل معي.. كنت ابادر: “خذوا أنتم تلك الوجبات، وتعال أنت لتأكل معي”..
عرفت من الشرطيين من هم جيراني في الغرف 1،3،4،5، أما الرقم 2 فكانت هي قصري.. وعرفت منهم أسماء العشرات من بينهم الشهيد سيدي محمد لبات، والمرحوم كابر هاشم…
لم يطل “النعيم” فقد صادر الرقيب سيدي محمد كل “ممتلكاتي فجأة وبدأ أسلوب ” عبد الجبار” في ليلة الـ 29 مارس:

بعد أن تأقلمت مع النوم تحت وئيد الجزم ودمدمة الحديد بدأت أصحو ليلا على جزمِ مقنعين تركلني، وأياد تصفعني، وأصوات تناديني: “عبد الجبار.. عبد الوهاب.. عبد الفتاح.. عبد اللطيف..”.
في إحدى المرات أمسكت بقناع أحدهم بقوة وصرخت في وجهه:
“Tu sais très bien que je ne suis pas Abdel Jebbar”
(تعرف جيدا أنني لست عبد الجبار).
سقط قناع الشرطي فإذا هو الشاب عميرات الذي عرفته يعاملني بلطف واحترام .. قال بسرعة :”أنا مأمور” وواصل الصراخ..
في الليلة الموالية تطور الأسلوب إلى “ترويض”: أستيقظ من النوم على عملاقين يمسك كل واحد منهما بيدٍ ويجريان بي بسرعة صائحَين: “الرياضة.. الرياضة”..
قلت لأحدهم مرة: “أنتم وحوش”.. رد علي: ” ذا ألاَّ الترغان… ذاك جايك مزال…”…
بدأت أخبار التعذيب “الحقيقي” تصلني: “الجاغوار”، و”الحشو بالفلفل الحارق” و” الصعق بالكهرباء”… وبدأت شخصيا الرحلة خارج “الترويض” و”الترغان”…
كانت أول جلسة “تحقيق” مع المفوض دداهي ولد عبد الله ومفوض آخر أعتقد أنه مات ولذا أُمسك (هنا) عن ذكر اسمه.. اعتقدت وقتها أن هذا المفوض لم يك محققا فقط كان شخصا له حسابات خاصة.. (كان ذلك اعتقادي خلال الجلسات وقد أكون مخطئا)..
بدا المفوض دداهي “ملاكا” ولم ترد على لسانه إهانة.. كان يطرح اسئلته بهدوء واحترام وأحيانا يكون طريفا: ” والله إنكم لحركة متبعرصة).. وهي حيلة استخباراتية فهمتها بسرعة…
كان أول سؤال: “ماهي قبيلتك”؟…. ورددت: ” رغم استغرابي لربط اعتقالي العشوائي بالقبيلة، أنا من كنته”.
دخل المفوض الآخر في سلسلة من الحديث عن “غرور كنته، و”اتْخَوْمِي” كنته، وكون ماء المرحاض لا يليق بكنته…. وأطنب في هذا الأمر إلى درجة جعلتني أنسى أين أنا، وكيف، ومن أكون أمام آلة الطحن التي أنا واقع بين فكيها..
قلت غاضبا:” دداهي لم لا تقول لهذا الرجل ألا مكان للقبيلة هنا؟”. والتفتُ إليه هو:” لوكنتُ هنا على أساس انتمائي القبلي لما استطعتَ النطق (ما اتحل الصاق فمك).. وأردفت: مارس مهنتك بحرفية.. واجهني بمعلومات أكيدة عني تجعلني أنهار وأعترف”.
ابتسم دداهي في هدوء وقال:” فلان.. ما قال لك الشيخ صحيح.. دع قبيلته”..
وبالمناسبة يحتاج هذا المفوض إلى الترحم فقد ارتكب فظائع لا تتصور منها أنه أخذ اثنين أحدهما أكبر سنا من الآخر وبينهما الاحترام وعراهما وحشاهما بالفلفل الحارق وهما ينظران إلى بعضهما بعضا… لا أستطيع أن أكتب “رحمه الله”….
على الرغم من أن دداهي كان بعد ولد اميشين الشخصية الأهم فإنه لبس خلال التحقيق ثوب “الملاك” ولم أسمع أنه أساء لفظيا إلى أي أحد.. والأساءة اللفظية ليست أقل شأنا من الاساءة الجسدية..
بعد الجدل القبلي دخلنا في المهم: الانقلاب، والتنظيم العسكري، والأمانة التنفيذية وهيكلة التنظيم. ولم أسأل شخصيا عن “الأموال الليبية”..
قرر دداهي بعد ثلاث جلسات إرسالي إلى فرق “الموت”

أظهرت الأسئلة خلال التحقيقات صراع أجنحة في النظام نفسه وفي المخابرات بدت مقدمة لانقلاب معاوية ولد الطايع في العام نفسه.. كانت هناك جهات تدفع باتجاه تجريم بعض أعضاء اللجنة العسكرية مثل الضباط: محمد الامين ولد الزين، آتيه همات، مولاي ولد بوخريص… وكل الأعضاء القريبين من المقدم هيداله..
وكانت هناك جهات تدفع باتجاه توريط ما كان يعرف ب” تحالف موريتانيا ديمقراطية” في العملية من أجل إضفاء صدقية على اتهام الناصريين بالعمالة لليبيا في أجواء الاتحاد الغريب الذي أقامه المرحومان معمر القذافي والحسن الثاني.. ولهذا الغرض اعتقل معنا السيد الداه ولد عبد الجليل الذي كانت تهمته حينما ذهبنا إلى المحكمة الجنائية الخاصة مثل تهمتي والكوري وحمود وكل الناصريين وهي إنشاء التنظيم الناصري… ووووو”… ولمن لا يعرف الأستاذ الداه من غير الموريتانيين هو في الأصل ذو خلفية ماركسية تبنى بعدها الفكر الديمقراطي الغربي. وكان الناصريون في تلك الفترة يعتبرونه خصما سياسيا وفكريا لهم.
وكانت هناك جهات مصرة على تصفية عدد كبير من ضباط الجيش بتهمة “تشكيل تنظيم عسكري ناصري..”..
وفي الواقع لم يكن للناصريين تنظيم عسكري. بل إنهم قرروا عن وعي الابتعاد عن الجيش… وأعرف شخصيا قادة ناصريين حضروا المؤتمرات السرية ولعبوا أدوارا نضالية كبيرة في الحركة الطلابية، لكنهم بمجرد دخولهم الجيش عزلهم التنظيم وانعزلوا عنه…
أما الانقلاب فلم يفكروا فيه مطلقا، ولم تكن لهم علاقات بالعسكريين في السلطة.. كانوا حركة شعبية تسعى إلى التغيير من خلال الثورة الشعبية…
وتبقى “اللوثة” الليبية” التي ألصقها الخصوم السياسيون واستغلتها السلطة كلما أرادت أن تنقض عليهم.. وما لا يعرفه كثيرون أو لا يريد كثيرون أن يعرفوه أن “التنظيم الوحدوي الناصري” ظل على الدوام في صراع مع النفوذ الليبي.. ودفع الثمن غاليا من وحدته وتماسكه بسبب رفض التجربة الليبية.
.
أمضيت خمس ليال من دون طعام أو شاي أو سجائر.. كان الوكيل ديوب يعطيني من حين لآخر سجارة أدخنها وهو يستعجلني واقفا على الباب خشية أن يدخل أحد الكبار.. أتاني بعلبة حليب رفضت أن اشربها في المرة الأولى، فقد قالت لي “الطفولة” إنهم يضغطون علي بمنع الطعام.. والحليبُ طعام ولن آكل أو أشرب خلسة. لكن ردت الواقعية: ” هم يريدون إضعافي بمنع الطعام. لن أساعدهم سآكل وأشرب ما يهرب إلي.. وناديت جوب…
كان جيوب يأتيني بكأس شاي في علبة حليب فارغة من عند جاري في الغرفة رقم 1 الصحفي عبد الله السيد… كان الزميل عبد الله قوميا يكتب أشعارا قومية جميلة اعتمدت في مكتبة التنظيم. وقد أعطيت إحداها للمرحوم الخليفة ولد أيده فغناها، لكن أعتقد أنه في تلك الفترة لم يكن على صلة بالتنظيم السري.. ولذا لم يطل مقامه بيننا.. وترك خروجه فراغا كبيرا، فقد كان شخصية مرحة أفادني وجوده جارا لي، وأدخل السرور والتفاؤل على مجموعة من الشباب محبوسة في قسم الشرطة بعد نقله إليها من الغرفة الانفرادية.
الزميل عبد الله رجل صوفي ابن زوايا ومن الطبعي أن يقرأ القرآن، لكنني ذات ليلة سمعت من ثقب في الجدار قرآنا ما هو بقرآن..
أصخت السمع من ثقب الجدار فتمكنت من سماع الآية:
_” هل مازالوا يمنعون الطعام ؟.. هل عذبوك؟”
رددت ب،”آية” أخرى مؤكدا بالطريقة التي نرتل بها القرآن (آقبابيد)..
واستمر الاتصال بيننا بهذه الطريقة القرآنية التي لا تستطيع الشرطة أن تكتشفها حتى رُحَّل عني..

3 من 6:
قوميون عرب في ضيافة الزنوج
30 مارس… 2 ابريل

من بين ما سجلت يوم 2 ابريل على “الأجندة” الكُورية البيضاء التي حصلت عليها يومي الثاني في المعتقل:
Torture reached its peak” ( بلغ التعذيب ذروته..)

عن”الأجندة”:

أخفيت “الأجنده” أولا بين القمامة المتراكمة في الزنزانة، ومن ثم تحت الفراش، حينما سمحوا به. وحُل المشكل بعد السماح لنا بالكتب.. لكن مشكلها ظل مطروحا بعد أن جمعنا كلنا في قاعدة “الهندسة العسكرية”. فأنا لا أريد أن يطلع غيري على المدون بها.. كان الأصدقاء يرونها معي وأتثبت منهم من بعض الأمور، ولم يكن من بينهم حسب علمي من يعرف الانجليزية، لكني ظللت في غاية الحرص عليها.. واخترت التدوين بهذه اللغة لأن قلة في البلد تفهمها.

عدت إلى الوراء في الأجندة إلى ما قبل اعتقالي في 26 مارس، فسجلت عن الاضرابات والمنشور والكتابات على الجدران.. وعن أول اعتقال في بداية الأحداث؛ وكان في 3 مارس حيث اعتقل طفل من الناصريين على خلفية شجار مع طفل من الإخوان المسلمين يرفض أن يُضْرِب.

وفي 6 مارس اعتقلت مجموعة من تلامذة الثانوية ،من سكان مقاطعة التيارت بنواكشوط. وفي 16 مارس اعتقل شخص باسم “الشيباني”.. وبدأت موجة الاعتقالات الواسعة يوم الـ 25 مارس.. وواصلت التدوين عن الأحداث حتى مرور شهر على انقلاب 12/12/1984

استخدمت حروفا وأسماء رمزية للأشخاص وبعض الوقائع من باب الاحتياط .. و فككت كل شفرة حينما انتهى التحقيق وجمعنا في الهندسة العسكرية.

******** ******* ********** ***********
كان التعذيب على أشده…جلسات أو وقفات يتخللها الصراخ والغياب… وكان التجويع “وجبة” مكملة يقدمها الزبانية لضيوفهم.

بعد أن ينهي وكلاء الشرطة مهام التعذيب يجتمعون في غرفنا ويبدأ كل منهم يروي قصص ما قام به أو شاهد…

أخبار غير مطمئنة عن المرحوم محمد ولد جدو… قال الوكلاء إنه في وضعية صحية صعبة بسبب التعذيب.. أجمعوا على أنه صلب شجاع…وكان يتحدث باحتقار إلى جلاديه..

محمد الحافظ ولد اسماعيل، حمود، كابر هاشم، الناتي.. الخليل ولد الطيب .. أسماء أعرفها وأخرى لا أعرفها.. الكل في المسلخة..

تداول الوكلاء بصق أحد الذين يجري تعذيبهم على وجه مفوض شرطة…

لا خبر عن سيدي محمد لبات.. أخبار قليلة عن محمد الامين ناجم، والكوري ولد حميتي.. عرفت إلى الآن فقط أنهما يواجهان أشرس أنواع التعذيب معزولين في قبوين من أقبية إدارة الأمن في ضيافة المدير شخصيا..

عانيت في هذه الأيام جلسات “حارة” مع مفوضي شرطة ومفتشين وضباط..

ومن “أطرف” أعضاء لجنة “التحقيق- الجلد” الضابط “…. بابا”..

كان “… بابا” رجلا “بزقيا” يتحدث بلكنة خاصة، ويقول عنه المعتقلون إنه كان جريئا على ضرب”المناطق الخاصة” في جسم الانسان..كان يهدد فريسته بأن تصبح عاجزة عن الانجاب: ” إلَ عدت ما تبغي اتعود ما اتْرَ الشَّاشره اتكلم”…

بدأت النقود تنفد وهي هنا مهمة لأنها تستخدم في “تطييب الخاطر”، لكنها مهمة لي أيضا، فأنا أعيش على علبة حليب “روز” يهربها الوكيل ديوب، ويهرب لي فيها كأس الشاي بعد أن أفرغها…

الشاي الآن يُهرب لي من زنزانتين واحدة يقيم بها مناضل شاب اسمه محمد الكوري، والثانية هي قصر “القاضي” الاستاذ محمد محمود ولد محمد الامين..

مَنحْنا الاستاذ محمد محمود صفة القاضي ( بعد أن أصبح في مقدورنا أن نضحك) انطلاقا من تصريح حكومي وصفنا بالحركة الخطيرة التي لها محاكم “تصدر أحكاما ضد المواطنين”..

كان الأستاذ محمد محمود أريحيا كريما خلوقا وقد اتخذه بعضنا أستاذا في مادة اللغة العربية حينما جُمعنا في الهندسة العسكرية.. كنت من بين الذين درسوا على يده ما أمكن من “ألفية ابن مالك”…

وفي الهندسة العسكرية أيضا كان أستاذنا في الرياضة البدنية الدكتور محمد الامين الناتي.. أخذنا عنه مصطلحات لم نكن نعرفها مثل “زنكتشو”…
لم يكن دور ديوب تهريب الحليب والشاي فقط.. كان يقوم بمهمة أخطر.. كان كل يوم يسجل نشرات أخبار الإذاعة الموريتاية وينتظر الوقت المناسب ليسمعها لي، وإذا هو عجز يقدم لي تقريرا شفهيا بما سمع…. كنت عبره أتابع في شكل جيد ما تقول السلطة عنا وتوجهاتها العامة…
كان ديوب يصاب بالهلع حينما يقترب شرطي عربي، لكنه يغلق المسجل في هدوء حينما يكون المار زنجيا…

من بين الشرطيين العرب أفراد قلة جدا تعاملوا معنا بتعاطف أو اعتدال أو إسانية.. كان الشرطي العربي يعطينا الانطباع بأن بيننا وبينه حسابات خاصة.. كانوا يتعاملون معنا بوحشية وحقد ظاهر، ويمعنون في احتقارنا..
الشرطي الزنجي يمارس التعذيب أمام رؤسائه، لكنه حينما يتغيب الرئيس يسند الضحية الساقط على الأرض، من فرط التعذيب، ويقول لمن هو قيد الجلد: ” واصل الصراخ” ليواصل هو الضرب على الحائط أو الأرضية، أو يصدر الأصوات التي توهم بأنه يقوم بعمله…

كانت رسائلنا تصل إلى أسرنا عبر الشرطيين الزنوج وكانوا ينقلون إلينا أخبار الأسر.

ولعله من حظنا أن السلطة قررت أن تختار “فرق الموت” على أسس عرقية .. لست أدري هل كان الاختيار عن قصد أو كان صدفة؟.. أنا متأكد فقط أن اختيارها لغالبية العناصر الناطقة بالحسانية كان موفقا.. فقد أظهر هؤلاء من الحقد ما لا يتصور…

يمكنني القول إن نحو 80 بالمائة من أفراد الفرقة كانوا من الزنوج.. وحتى في الهندسة العسكرية حينما جمعنا بها كنا في ضيافة ثلاثة هم المرحوم الرقيب غيسى، والرقيبان لام عبدو اللاي وجوب شيخنا أستاذي للغة البولارية خلال مقامي هناك..
أتذكر أن الرقيب لام عبدو اللاي كان يحملني على ظهره وأنا مصاب في الكاحل إلى الحمام ومنه.. وأتذكر خدمات الرقيب غيسى الذي سماه المرحوم محمد ولد جدو “قيس الكنتي”.. وأتذكر طيبة الرقيب جوب شيخا..

تفاجأت بعد أعوام بالرقيب لام عبدو اللاي يحاكم في الجريدة بتهمة المشاركة في محاولة انقلابية اتهم فيها 50 من العسكريين الزنوج.. وكم كان حزني وأنا أرى الحديد في معصميه…

رحم الله العقيد الشيخ ولد بيده الذي سمح لي بأن أعانقه، وألتقي به وأقدم المساعدة… وكم كان سروري بعد ذلك وأنا واقف في منطقة مظلمة في المقاطعة الخامسة أنتظر من يستلم مني كومة من الرسائل حملتها من ولاتة حينما سمحت لي السلطات بصفتي مراسلا أن أزور سجناء الانقلاب و حركة “فلام”.. كانت هذه المغامرة من أجل لام وديوب وموسى، وعبدول جي، وغيسى وغيرهم، ومن أجل موريتانيا تتبادل الاعتراف، ويداوي مواطنوها جروح بعضهم البعض..

 

لم تعاطف معنا الزنوج إذن؟…

ذلك موضوع واسع آخر لن أتناوله الآن.. أقول فقط إنه برهان ساطع على أن القومي الناصري الموريتاني والزنجي الموريتاني قوميا كان، أو مواطنا عاديا، هما -عكسا لما يراد- وعبر الاعتراف المتبادل واستبعاد الأحكام المسبقة صِمام الأمان لوحدة بلد متعدد الأعراق والثقافات..
اختتمت ملاحظاتي في الاجندة هذا اليوم بما يلي:
“أشعر الآن بجفاف شديد في الجسم وضعف في القوى وصداع .. إنها ليلتي الخامسة من دون أكل وسط “السهرات الحمراء” والرقص على طبول الجن…”

4 من 6: محمد الامين ولد ناجم:
3 إبريل:

معلومات جديدة عن المناضل محمد الأمين ناجم المعزول في قبو بإدارة الأمن.. فهمت وقتها من المعلومات القليلة التي وصلتني أن حياته في خطر، يواجه أبشع أنواع التعذيب الجسدي و النفسي… وعلمت في ما بعد أن أسرته أمضت شهرا تبحث عبثا عن أي معلومات عن مكان وجوده…
وكلوا به “رجل أمن” لا عمل له إلا الضرب بحذائه على الباب كلما أعتقد أنه نام.. وكان “التحقيق- الجلد” يجري معه مرات في الليلة على أيدي فرق مختلفة…
قال في ما بعد إن التعذيب الجسدي كان أخف عليه من أخذ جلاد بلحيته وقوله له “أكيذبت”…
كان المرحوم محمد الأمين فنيا في الإذاعة الموريتانية وكان نقابيا بارزا.. عرف بحسن الاخلاق والأمانة والصدق والبساطة والالتزام الديني.. وما لا يعرفه الآخرون هو أنه كان من أبرز العناصر في أمانة السر في “التنظيم الوحدوي الناصري”. كان يقوم بأخطر المهام السرية ويعهد إليه بأخطر الوثائق…
اقتربت من عمله الخطر في إحدى سنوات الثمانين، حيث رأى التنظيم أن أسبابا أمنية تستدعي نقل ” ماكينة” سحب المنشورات والوثائق إلى منزلي في حي “إيلو كا” … لم أكن وقتها قد تزوجت فاستقبلت الساحبة في غرفة نومي…
كان محمد الامين يأتي في أوقات مختلفة يجلس معي أمام الناس، ولا يدخل “غرفة السحب”، من أجل ألا يثير وجوده أي انتباه في حال كانت عنده مهمة خاصة…
كان يسحب الوثائق، يضعها على ظهره ويخرج من باب خلفي، ويختفي واضعا عمامته، لا بسا ثوبا متواضعا يناسب ما يحمل أي فقير على باب الله… لم يكن مطروحا أن أوصله بالسيارة…
بعد عملية الافراج عن الناصريين من دون محاكمة لم يحصل المناضل محمد الامين على رواتبه للفترة التي أمضاها في الحبس، في حين حصل الآخرون على رواتبهم في إطار تعليمات بعودة الجميع إلى وظائفهم واعتبار فترة الحبس تعطيلا خارجا عن الارادة تم في نهايته سحب المتابعة من دون محاكمة.
وفصلته الإذاعة من عمله وهو على فراش الموت في داكار ولم يبق أمام تقاعده إلا تسعة أشهر فقط..
توفي الفقيد في داكار ودفن بها في 19 مايو( 2005) غريبا عن وطن عاش من أجله..
ونسيه الناصريون كما نسوا أنفسهم…
كرس المرحوم محمد الأمين ناجم حياته للنضال بأمانة وإخلاص ونكران ذات، وفتح بيته للمناضلين… إنه يستحق علينا الكثير…
ذكرى رحيل المناضل محمد الامين هي 19 مايو القادم…. ألا ترون أن هذه الذكرى العطرة تستحق وقفة؟
رحمه الله………

 

5 من 6: معتقلون و”معتقلون وهميون”.. “زعيم التنظيم”
4ابريل :

– ثغرة في “الحصار الاقتصادي” المفروض علي منذ خمسة أيام.. وصلتني وجبة غداء… و قيل لي إن ثيابا نظيفة عند قسم الشرطة تنتظر إذنا بالسماح لي بها..

رفض الشرطيون أخذ الثياب في البداية .. ولست أدري لماذا، فلم يتوقف الأهالي عن إرسال الطعام والشاي والسكر السجائر. ولم يكن يصلني أي شيء منذ فرض الحصار..

اضطرالشرطيون في الأخير أن يأخذوا الثياب بعد أن بكت قريبة لي في شكل جارح.. وقالت إنهم قتلوني..

وكم كان وفيا غسال الثياب الذي رفَضَ أخذ نقود قائلا إنه سيظل يغسل ثيابي حتى أعود… شاهدت خلال هذه التجربة الكثير من صور الوفاء الرائعة، لكنني اطلعت على صور لؤم بشعة، منها شهادة “معتقلين وهميين” ضد أقارب وأصدقاء وأولياء نعمة لا يستحقون عليهم سوى الخير…

نقل وكلاء الشرطة أن أحد المعتقلين قال في مواجهة مع معتقل” وهمي”: ” أيها الحقير أنا لم يرغمني التعذيب على الاعتراف بما لم أفعل، وتظن أنت أنك تستطيع!”…

قال لي شرطي في أحد هذه الأيام: ” لقداعتقلنا رئيسكم”.. استنكرت استخدامه صيغة الجمع وقلت: “هوم منهومه يبوي؟”، لكنني كنت في الواقع أريد أن أعرف فشجعته.. قال ضاحكا:”هو يبدو الزعيم فقد جاء يقود سيارته واعتقلناه بعد أن ركنها في هدوء”.

تابعت من خلال وكلاء الشرطة مواجهات بين معتقلين “وهميين” وآخرين يجري سلخهم.. وتابعت أخبار رجال آخرين فضحت الاعتقالات طوياتهم… لقد كانوا أغبياء، تعاملوا مع أجهزة لم توفر لهم الحماية “الاجتماعية”.. لعلهم راهنوا على أنه لا ذاكرة للموريتانيين…
وحتى “أجندتي” هذه التي تختزن أسرارا وذاكرتها حديد، لا تبدو وفية لي ولا لأصدقائي فتفضح كل من ساهم في أكل أجسادنا و لعق دمائنا التي نزفت…
5 ابريل:

أيقظني ديوب في الصباح الباكر يحمل علبة الحليب، وعاد بعد دقائق بكأس الشاي ملفوفة كالعادة في علبة فارغة.. كنت مريضا ولم أنم إلاقليلا، فقد عدت متأخرا من “سهرة” الليلة الماضية منهكا متألما..

سألته:”ألا يمكن أن أنام وبعد أن أستيقظ نشرب الشاي معا هنا..؟.. ألم يفكوا عني الحصار؟”

رد : ” لا.. أنت مسموح لك بالغداء فقط، ولأ أعرف هل أكون حرا في تهريب الشاي إليك من غرفة أخرى في هذا اليوم بعد الآن ..”.

فوضت أمري إلى الله واستلقيت على ظهري منتظرا الكأس المسروقة، وسرحت في وقائع “سعير” الليلة الماضية، والانقلابات والعسكريين. وقادني ذلك إلى تدبر معاني بيان حكومي اتهمنا ضمن أمور أخرى بمحاولة السيطرة على البلاد من خلال “اتحاد العمال، واتحاد الطلاب، و.. الوكالة الموريتانية للانباء!!”..
كان الكوري ولد حميتي يقود اتحاد العمال، وحمود ولد عبدي يقود اتحاد الطلاب… و.. “الوكالة الموريتانية للانباء!!؟”… كان يوجد بها بومدين ولد أحمد سالم رئيسا لمصلحة الأرشيف، وكنت أنا مدير تحريرها..
النقابات تقود العمال والطلاب.. أما الوكالة فإنها “تقود الكلام”.. وهي لم تتحدث قط إلا بافتتاحيات نارية تمجد أمير المؤمنين قائد الأمة محمد خونة ولد هيداله وتلعن أعداءه المحليين والخارجيين.. ومن أشهر افتتاحياتها واحدة (مكتوبة خارجها) تحرض على تصفية الجماعات “السرية المخربة”…
كم هو غبي هذا البيان.. أهو استهداف لأشخاص معينين؟.. ذلك غير منطقي، فالمستهدف أكبر من هؤلاء ومن غيرهم…

في الواقع كان الناصريون في أوج قوتهم.. يقودون المنظمتين النقابيتين الأهم، وينظمون غالبية الطلاب والتلاميذ الموريتانيين في خلاياهم السرية.. ولهم سمعة طيبة في أوساط الموريتانيين العاديين ولدى المجتمع المحافظ الذي لم تلوثه الأفكار الوهابية بعد…
وكانوا في هذه الفترة أيضا قد بدأوا يكسرون سلاحا ظل بعض خصومهم يشهره في وجوههم وهو تخويف المكونة الزنجية منهم.. ومن دون إعطاء تفاصيل، قطع الناصريون خطوات على طريق إفهام البعض من نشطي هذه المكونة أن الفكر الناصري فكر منطلقه إفريقيا وهو فكر إنساني، تحرري، موضوعي، يعترف بالآخر وخصوصياته..وفي شكل واضح عملوا على إقناع الطرف الآخر بإيمانهم بموريتانيا متعددة الأعراق والثقافات… وبدأت الفكرة تتسلل إلى الضفة عبر آلية خاصة..
لم يكن ينقص الناصريين في الواقع إلا ما يحاول الجلادون إلصاقه بهم، وهو الاستناد إلى جناح عسكري داخل اللجنة الحاكمة، أو تنظيم عسكري خاص بهم.. وكانوا في الواقع يفتقرون أكثر إلى إرادة في الوصول إلى السلطة.. كانوا فعلا حركة شعبية واسعة تحلم ببسط العدالة الاجتماعية والمساواة، وتوحيد الأمة وتحريرها من التبعية. لكن لم يكن لديهم أي تفكير في السلطة على المدى القريب، بل إن الشعور الغالب كان نوعا من “الصوفية” “الساذجة”، إلى درجة استهجان التعيين في الوظائف الحكومية الكبيرة.
كان “التثوير” والشحن داخل الخلايا مستمرا كالعادة، فيما تسوء ظروف البلد، ويتخبط النظام في سياسات رعناء، وينتشر الرعب، والبطش..ولم يكن غريبا في هذه الظروف حدوث ردة فعل، خصوصا أن الشارع الناصري بدأ يضغط بقوة لم تعد تسمح بتحاشي الاصطدام بالنظام أو اختيار وقته المناسب…………………………
لم تكن المنشورات والكتابات على الجدران والاضرابات إلا أسلحة عادية استخدمها التنظيم وغيره في السابق، ولم تقد إلى ضربة بحجم هذه، غير أن قلق أطراف في السلطة وخارجها من القوة المتنامية للحركة، واشتراك هذه الأطراف في الحقد عليها ، وصراعات أجنحة السلطة نفسها، أمور أدت إلى عملية الإجهاز .. ويبدو أن تقارير الاستخبارات التي قدمت إلى الرئيس هيداله اتحدت كلها في تسويق الخطر.. وسيؤكد لي هيداله نفسه في ما بعد في أول مقابلة يدلي بها لصحفي بعد خروجه من السلطة أنه أُغرق في تقارير كاذبة. وقال لي بالحرف الواحد إنه لو كان يفهم الأبعاد لما أقدم على كل ذلك. والمقابلة موجودة عندي بصوته، وبها الكثير من المعلومات المهمة التي ليس لها مكان هنا الآن… ومنها أنه كان يدس جواسيس. ويبدو من كلامه أنهم خَدَعوا أو خُدِعوا..
عاد ديوب بالكأس الثانية وأنا أفكر في عقول من صاغوا البيان ومحاولة كل واحد منهم إدخال كلمة أو جملة تخدم ما يريد…..

– خرج “… بابا” من لجنة “الجَلْد” بعد اعتقاله على خلفية تهم بالسرقة والتزوير لم يكشف عنها وكلاء الشرطة.. كان من أطرف الجلادين، لكنه كان عدوا لتكاثر البشرية….(راجع الحلقة الثالثة)…
6 أبريل:
مازلت تحت التحقيق…
– توصل بعض المعتقلين إلى طريقة تختصر الفترة التي يمضونها في “الجاغوار”.. هي أن يعطوا الانطباع بفقد الوعي قبل أن يصلوه… مسألة صعبة جدا فالألم لا يترك للمرء عقلا يفكر به …
– لم أجد اليوم من يُهَرِب لي كاس شاي ولا سجارة … كان حارسي عربيا أصيلا.. يدحرجني بفوهة رشاشه حينما “يسوقني” إلى دورة المياه…
كلمني مرة واحدة حينما رمي إلي الغداء وقال :”هاك..”.. قلت : “أينا الكلب؟”.. لم يرد وأغلق الباب…لم أتناول الغداء في ذلك اليوم…

 

 

6 من 6: الشهيد لبات:
7 إبريل…

أثار انتباهي خلال أيامنا الأولى في التحقيق وكيل شرطة شاب مهذب إلى أقصى الحدود عكسا لزملائه العرب.. كان يؤدي عمله بصمت ورفق، وحذر في الوقت ذاته..

كان يعيدني ذات مرة إلى زنزانتي.. تصادفنا في الطريق مع كثيرين “يسوقهم” شرطيون ..كانت مدرسة الشرطة تغص بالناصريين وترتفع منها أصوات الصراخ من كل الأركان…
ثبت عينيه في عيني وأنا أدخل وقال :” كل ليمونة ستنجب طفلا/ ومحال أن ينتهي الليمون…”
كان يكرر دائما بيت نزار قباني كلما رآني في وضعية استياء…

لم أثق في الوكيل محمد… ربما كان مدسوسا علي، لكنني استحسنت أدبه.. وأنا في هذه الظروف على استعداد لقبول أي شيطان يقبل الحديث إلي ويسمح لي بقليل من الهواء يدخل من باب الزنزانة.. أو يهرب لي سجارة أو كأس شاي..
مع الزمن تحولت العلاقة إلى أخوة وصداقة، لم يكن فارق العمر بيننا كبيرا .. لم يزد محمد مطلقا في الإيحاء على بيت نزار قباني خلال الأيام الأولى، ولم أحاول أنا مطلقا استكناه حقيقته…

لم يكن صوته جميلا كثيرا ، لكنه كان أحيانا يحاول إخراجي من أجواء الاكتئاب بتقليد أم كلثوم وفيروز.. أتذكره الآن وهو يدندن: “غني لي شوي.. شوي.. ”

بعد انتهاء التحقيق طلب مني أن أدرسه اللغة الانجليزية فأعطيته من الوقت ما يسمح به عمله.. وقد أبدى ذكاء وقدرة كبيرة على الاستيعاب… التقيت بوكيل الشرطة هذا في سنوات الألفين وقد أصبح يحمل الدكتوراه ورجلا ذا شأن.. كان قصة نجاح…

لم يكن الحصول على الأخبار من صديقي الوكيل سهلا، وكنت أشفق عليه أيضا مخافة أن يكون لبيت نزار دلالة خاصة… وكان يبتعد عن الثرثرة ابتعاد ثقافة أهل الترارزة عنها.. غير أن إيحاءاته كانت بليغة..تحدث لي قليلا عن صعوبات يمر بها الشهيد سيدات..

8 ابريل:

خلال الليل حل نزيل جديد في وقت متأخر بالغرفة الرقم 1 الملاصقة لغرفتي… أيقظني أنينه… لم يعد الأنين والصراخ أمرا مثيرا فقد تعودنا عليهما، لكنه كان يئن بطريقة مؤلمة.. مؤلمة جدا…

في الصباح أعددت شرابا من “المخزون” المهرب وشربت، وناديت الشرطي الذي يحرس الغرفتين: “تعال إذا كنت تريد أن تشرب”…

تناهى إلى سمعي صوت ضعيف من ثقب في الجدار:” أريد أن اشرب”..
خلتني عرفت الصوت.. إنه هو…دفعت الباب بقوة.. أمسك الشرطي برقبة دراعتي من الخلف.. كانت من “الشكه” وتمزقت… دخلت… كان ينزف.. ينزف.. ينزف.. جروح في كل مكان.. الوجه الرأس.. الصدر .. البطن.. الظهر.. كان يلبس بقية ثوب ممزق…
قال لي: “أكلتني الوحوش”…

كان الشرطي الزنجي عند الباب.. أغلقه علينا خوفا على نفسه… رجعت إليه.. استعطفته بوجه المصطفى عليه الصلاة والسلام أن يتركني أعود بشراب.. قال “أسرع… ستخلق لي مشاكل”…

أسندت أعز الناس بصعوبة .. كان يتحرك بصعوبة وألم بالغ.. نظرت في أجزاء جسمه الممزق.. ضبطت عليه ما بقي من دراعته….
كانوا كلابا فعلا…..

كان سيدي محمد لبات (سيدات) من أعز أصدقائي.. أمضينا معا سنوات خارج البلاد أيام الدراسة.. وجمعنا النضال فترة طويلة… وعرفته في بيته.. وعرفته سندا في أيام كنت أحتاج فيها إلى من يقف معي….
كان لحسن أخلاقه ونزاهته مقبولا من الجميع.. من القواعد وقيادات الدرجة الثانية ومقبولا داخل قيادة التنظيم…كان الكل يثق فيه….
10 إبريل:

كانت جلسة التحقيق الللية الماضية مؤلمة للغاية.. كانوا أكثر وحشية… أعادوني في وقت متأخر..

في الصباح كان الألم يأكل كامل الجسد مصحوبا بحمى تسري في الجسم سريان “الجاغوار”.. أرسلت إلى الرقيب سيدي محمد أني مريض.. لم يرد..

في اليوم الموالي طلبت ست مرات عبر شرطيين أن أعالج، لكن الرقيب واصل الرفض.. ومرة لقيته قرب الزنزانة وأنا في الطريق عائدا من دورة المياه، قلت له إني مريض رد في جفاء: ” ادخل”..
11 ابريل:

اليوم رئاسة قسم الشرطة للوكيل ديوب.. زارني ووعد بأن يحاول مع الرقيب.. وكما وعد أقنع رئيسه بإرسالي إلى المصحة..

كان الطبيب رائدا في الجيش خدم في النبيكه بولاية تكانت ويعرفني جيدا، ويحترم والدي رحمه الله .. قلت له “أهلا فلان .. أنا محظوظ إذن…” .. تصرف كما لو كان لا يعرفني وأظهر وجهه استياء بالغا… تفهمت الرجل فالوضع صعب…

أتي الرقيب سيدي محمد بالدواء.. أعطاني جرعة اليوم. ورفض ترك الدواء معي.. قلت: “دع عنك دوائي معي.. لمَ تأخذه؟”.

رد في وحشية: “أخاف عليك من الانتحار”، وخرج…

في المصحة لا حظت أن معتقلين كثرا كانوا مرضى…
12 ابريل:

حديث بين شرطيين عن شخص في حال خطرة… كنت حينما أسأل يقولون لا شيء… ومرة سمعت أحدهم في حديث هامس مع زميله ينطق اسم “لبات”.. سألته: سمعتك تذكر لبات ما به؟… قال أحدهما ” سأكون حارسه الليلة”…
كنت قلقا إلى أقصى حد بسبب الحالة التي رأيته عليها قبل أيام…

15 ابريل:

دخل الوكيل محمد.. وكنت متعبا جدا وفي غاية التبرم.. قال لي: “سيفرج عنكم قريبا”… اعتقدت أنه يريد فقط أن يخفف عني.. قلت: “لا أعتقد.. لجة التحقيق ترفض أن أوقع محضري، مصرة على أن يكون فيه ما لا يوجد إلا في خيالها”.
قال: “هناك أمر عظيم حدث ، وسيفرجون عنكم”..
حينما تأكدت وفاة الشهيد أقمنا ” سلكة” على روحه.. كان الشرطي يتنقل بين غرفنا حاملا وريقات صغيرة مكتوب عليها: “اقرأ من قوله تعالي…. إلى…”.
لم أسمع خلال السنوات التي تلت أن مفتشا أو ضابطا أو مفوضا في الشرطة أصيب بالجنون نتيجة صحوة ضمير..أو استقال أو اعتذر… صادفت في الحياة العامة قتلة لبات آكلي أجسادنا… كانوا أشخاصا عاديين.. يضحكون .. يجمعون المال.. ويربون أطفالهم…
ويل لكم يوم الحشر….
ورحم الله الشهيد لبات..

العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم

185 رأي على “في ذكرى اعتقالات مارس 1984.. قتل وتعذيب.. ( جمع الحلقات الـ6 ) / الشيخ بكاي”

  1. Can I simply say what a relief to discover someone who actually knows what they are talking about
    on the net. You actually know how to bring a problem to light and make it important.
    More people really need to look at this and understand this side of
    your story. I can’t believe you’re not more popular given that you surely possess the
    gift. https://www.cnestartit.com/blog/cne-flamant-campio-catalunya-equips/17103549_1430154493674124_768002682101522385_n/

  2. Hi would you mind sharing which blog platform you’re using?

    I’m looking to start my own blog soon but I’m having a difficult time making
    a decision between BlogEngine/Wordpress/B2evolution and Drupal.

    The reason I ask is because your design and style seems different then most
    blogs and I’m looking for something completely unique.
    P.S Apologies for getting off-topic but I had to ask!

  3. I have been exploring for a little bit for any high-quality articles or blog posts in this kind of house .

    Exploring in Yahoo I finally stumbled upon this website.
    Reading this info So i am satisfied to express that I’ve
    an incredibly good uncanny feeling I found out
    just what I needed. I most without a doubt will make certain to don?t overlook this web
    site and give it a look regularly.

  4. costume wigs
    But it something I cannot stress enough. For
    the horrors of segregation and Jim Crowe, an organized civil rights movement was born,
    and from it a solidification of the African American identity,
    the key word being American.In Latino countries, race relations
    usually boils down to: you don like it, go back to Africa.
    This is because to most Latino countries, black people despite often having just
    as much European ancestry as anyone else are still seen as outsiders.

    Lace Wigs The wig is a superior wig. It have an incredibly soft and comfortable fit.
    Gorgeous! The fringe measures 5″ and sits prettily swept to the side. Manhattan exterior shots were filmed in several days. The apartment was located off the East River in the Upper East Side, in the upper 70s or lower 80s (streets) between York Avenue and East End Avenue. In the episode entitled “Seorita,” Ann Marie lists her address as 627 East 54th Street. Lace Wigs

    hair extensions I was just in ireland two weeks ago! I took two pairs of shoes with me and it worked out pretty well. I took a pair of Blondo Liams in the taupe color for walking around the cities and going out at night. Super cute and waterproof, went with everything. hair extensions

    U Tip Extensions Erik EstradaErik Estrada is best known for his role as Ponch Poncherello in the TV series CHiP’s. He adronedposters on a lotofteen girls bedroom and has been on the coverof the popular teen magazineTiger Beat!He has been quite busy though the years. He has been on the Soap Opera the Bold and the Beautiful. U Tip Extensions

    tape in extensions Shaving the bully may be a punishment, yes. But it would only reinforce the idea that the baldness is a reason for mockery and shame. Maybe the bully would realize it wrong to tease someone for their appearance, but at the cost of making HER an example of someone deserving mockery and shame for something beyond her control.What message is she learning? Tough it up when people criticize your appearance? If she can handle it, then her victim should as well.I all for making the bully suffer and learn a lesson. tape in extensions

    costume wigs Damle suffered a mild heart attack in May 2013. He was undergoing treatment at an Andheri hospital. Damle was admitted to the crticarehospital after feeling uneasy. With Diane a room away. And he died somewhere between that room and the hospital. The reveal isn operatic, but gut wretching as Kalinda and Diane peel back that sheet. costume wigs

    cheap wigs Kennedy; former Governor Joe Kernan; Senator Evan Bayh; former Congressman and New York University President John Brademas; former Maryland Lt. Governor Kathleen Kennedy Townsend; former Congressman, 9/11 Commission member and current Ambassador to India Timothy J. Roemer; former President Bill Clinton; and the late Aloysius J. cheap wigs

    wigs for women According to My Gorgeous Life, and statements Edna has made over the years, she was born Edna May Beazley in Wagga Wagga, New South Wales, with a sibling who would give birth to Barry McKenzie. Everage started her stage career in a sketch entitled “Olympic Hostess” in the revue Return Fare on 19 December 1955 as Mrs. Norm Everage, an “average Australian housewife” from Moonee Ponds, a suburb in Melbourne, Victoria. wigs for women

    hair extensions New additions include Kris a light weight open cap pixie, Judi a polished hand tied Monofilament Shag, and Julianne a mid length wavy “spring look” featuring Smart Lace Hand Tied Monofilament. All wigs in this collection weigh between 2.0 3.5 ounces, making them all cool and comfortable. Enjoy our preview and be sure to take advantage of the exclusive low pricing on allJon Renau wigs,hairpieces and extensions during our”Wiggy WeekendSale” Simply enter “VIP” in the Coupon Box and Save 30%. hair extensions

    full lace wigs That being said, I looked for ways to ‘get long hair’ I wore wigs for about two and a half years during High School until one day I jumped in a pool at a pool party and it fell off. From that day forward I started my ‘natural journey’ which wasn’t really a journey at all. It was me haphazardly doing my hair in a natural and bandwagoning off of the freedom which is being natural when I didn’t even understand the movement. full lace wigs

    cheap wigs Hair styles and groomingThis is the most difficult part of the Pulp Fiction costume. Vincent Vega has well groomed, shoulder length dark hair. His sideburns extend down to about the bottom of each ear. Finally, the new millennium brought forth a new attitude towards hair weaves. They have become a well accepted and mainstream form of hairstyling. Once again, hair weaves are a status symbol and those with the longest, fullest, and most expensive hair weaves are considered the most valuable in pop culture today.. cheap wigs

    hair extensions Aside from that, it pretty damn silly to put Shanghai above both Seoul and London. Like come on, lol. Even if it was the whole MY roster, I think LH with Munchkin/Fleta/Zunba would have rolled them. Clearly they planned the first kid. And they were probably excited about a second but when 3 and 4 quickly followed, they clearly gave up and submitted to defeat. All I can say, is thank god for the Air New Zealand flight attendant who constantly fed me Johnny Walker Blue Label, for free, until I passed out.. hair extensions

    U Tip Extensions In my personal experience, I was always kind of the nerd in class, always answering questions and being a bit of a know it all. Eventually a couple of kids started harassing me after class and I eventually punched one in the face and got the other in a headlock before a teacher broke us up. The two guy told the principal that I was a bully. U Tip Extensions

    lace front wigs I was able to successfully get myself a couple of raises by just generally being a good worker. I never just not showed up for work and if I ever late it always less than 5 minutes. Other than that I don really slack off and I just treat my coworkers with respect and do my job without being an asshole. lace front wigs

    hair extensions The most important item of all, probably, although it made so little show, was a certain broomstick, on which Mother Rigby had taken many an airy gallop at midnight, and which now served the scarecrow by way of a spinal column, or, as the unlearned phrase it, a backbone. One of its arms was a disabled flail which used to be wielded by Goodman Rigby, before his spouse worried him out of this troublesome world; the other, if I mistake not, was composed of the pudding stick and a broken rung of a chair, tied loosely together at the elbow. As for its legs, the right was a hoe handle, and the left an undistinguished and miscellaneous stick from the woodpile. hair extensions

    human hair wigs Turning bald is a normal aging process in most men. There is nothing to be worried about. One is finasteride, commonly known by its trade name Propecia and the other is minoxidil, commonly known by its trade name Rogaine. He attends weekly music therapy sessions and his parents are seeing great progress. Mother said, “Within a week, he learned how to spell ‘Clark’.
    Without music therapy, it would have taken several weeks or several months.
    human hair wigs

    full lace wigs They do have some funny fuck ups, but usually practicing means they
    go for secrets, additional content or show some cool tricks.
    Their Silent Hill, Resident Evil LP are great. Watch Their
    original runs of Crash Bandicoot and when the remake
    to see some fuckups turn into redemption full lace wigs.

  5. With havin so much content do you ever run into any issues of plagorism or copyright violation?
    My site has a lot of completely unique content I’ve either created myself or outsourced but it looks like a
    lot of it is popping it up all over the internet without my authorization. Do you know any solutions to help
    protect against content from being stolen? I’d definitely appreciate
    it.

  6. Heⅼlo there! I knoԝ this is kinda off topic nevertheless I’d
    figured I’d ask. Would you be interested in trading links oг maybe guest wrіting
    a blog ɑrticle oг vice-versa? My websіte addresses a lot οf the same subjects as yours and
    I belіeve we could greatly benefit from eaϲh ߋther. If you’re
    interested feel free to send me an e-mail.
    I look forward to heaгing from you! Awesome Ƅlog by the
    way!

  7. I’m amazed, I have to admit. Seldom do I come across a blog that’s both equally
    educative and amusing, and without a doubt, you have hit the nail
    on the head. The issue is something that not enough people are
    speaking intelligently about. I’m very happy that I stumbled across this in my search for
    something concerning this.

  8. Good day! I know this is kinda off topic nevertheless I’d figured I’d ask.
    Would you be interested in trading links or maybe guest authoring
    a blog article or vice-versa? My site covers a lot of the same
    subjects as yours andd I think we ciuld greatly benefit
    from each other. If you’re interested feel free
    to send me an e-mail. I look forward tto hearing from you!
    Fantastic blog by the way!
    เทรด bitcoin bx iq option ได้เงินจริงไหม pantip วิเคราะห์แท่งเทียน

  9. Thanks on yourr marvelous posting! I genuinely
    enjoyed reading it, you could be a grezt author.
    I will be sure too bookmark your blog and will come
    back sometime soon. I waht to encourage you to definitely continue
    your great posts, have a nice evening!
    Online poker for money password for freeroll (forum.adhys.org) online
    poker for money

  10. Have you ever thought about writing an e-book or guest authoring on other blogs?

    I have a blog centered onn thee sawme ideas you discuss and would love to have
    you share some stories/information. I know my audience would value your work.
    If you are even remotely interested, feel free to shoot me an e-mail.

    лучшие онлайн казино website slot machines forr money
    pm

  11. Unquestionably believe that which you stated. Your favorite
    reason appeared to be on the net the simplest thing to be aware of.
    I say to you, I certainly get irked while people consider worries that they plainly do not know about.
    You managed to hitt the nail uppon the top as well as defined out the whole thing without having
    side effect , people couhld take a signal. Will likely be back
    to get more. Thanks
    Online poker ffor money how to play poker learn to play poker

  12. I have been browsing on-line greater than three hours today, bbut I by no means found any attention-grabbing article like yours.

    It’s lovely worth sufficient foor me. In my opinion, iff all
    site owners and bloggers made just right content as you did, the nnet might be much more useful than ever
    before.
    مراجعة ثنائية أفضلتطبيقات التداول مخططات فوركس مجانية

  13. Hello there, I discovered your blog via Google at the same
    time as searching for a similar matter, your web site got here up, it looks good.
    I’ve bookmarked it in my google bookmarks.
    Hi there, simply changed into alert to your weblog via Google, and located that it’s really
    informative. I’m gonna watch out for brussels. I’ll appreciate should you proceed this in future.
    A lot of folks shall be benefited from your writing. Cheers!

  14. Hey there I am so happy I found your blog, I really found you by accident, while I was searching on Google for something else, Regardless I am here now and would just
    like to say kudos for a tremendous post and a all round thrilling blog
    (I also love the theme/design), I don’t have time to browse it all at the minute but
    I have saved it and also added in your RSS feeds, so when I
    have time I will be back to read a lot more, Please do keep up the superb work. https://parbriz-auto-bucuresti.ro/parbriz-rover-mini.html

  15. I’ve been browsing on-line more than three hours lately,
    but I never found any fascinating article like yours.
    It is pretty value enough for me. In my view, if all
    website owners and bloggers made excellent content material as you probably
    did, the web will likely be a lot more helpful than ever before.

  16. Hi there would you mind sharing which blog platform you’re working with?
    I’m looking to start my own blog soon but I’m having a difficult time selecting between BlogEngine/Wordpress/B2evolution and
    Drupal. The reason I ask is because your design seems different then most blogs and I’m looking for something completely unique.
    P.S Apologies for getting off-topic but I had to ask!

  17. Greetings from Carolina! I’m bored to death at work so I decided to check out your site
    on my iphone during lunch break. I really like the knowledge you present here and can’t wait to take a look
    when I get home. I’m surprised at how fast your blog loaded on my cell phone ..
    I’m not even using WIFI, just 3G .. Anyways, wonderful blog!

  18. I was curious iff you ever thought of cganging thhe page layout of
    our blog? Its very wrll written; I love what youve got to say.
    But maybe you could a little more in the way off content sso people could connect with it better.
    Youve got an awful lot of text for only having 1
    or two images. Maybe you could space it out better?

    Poker play online pokerschoolonline igry poker

  19. hey there and tһank yоu foг yоur info – I have cеrtainly picked uρ anythіng new from rigһt here.
    І Ԁіd however experrtise а few technical issues ᥙsing thiss web
    site, siunce Ӏ experienced to reload tһe web site lots of times prevіous tօ I cοuld get it tо load correctly.
    Ӏ hаd Ьeen wondering іf уour web hosting іs OK?
    Not thаt I’m complaining, Ƅut sluggish loading
    instances tіmes will ᴠery frequently affect уour placement іn google
    and ⅽɑn damage yoսr quality score if ads аnd
    marketing witһ Adwords. Ꭺnyway I’m adding this RSS tо mу e-mail and cаn look out
    for a lot more οf yⲟur respective fascinating contеnt.

    Make sure you update this aɡain ѵery soon.

  20. I’ve been exploring for a little bit for any high quality aarticles or weblog ppsts in this sort of area
    . Exploring in Yahoo I eventually stumblsd upon this website.
    Reading this information So i am satisfied to express that I have an incredibly good uncanny feeling I diecovered just
    what I needed. I so much no doubt will make sure to do not put out
    of your mind thi site and give it a look regularly.

  21. What i do not understood is actually how you are not actually much more well-preferred than you
    may be now. You are sso intelligent. You understand therefore considerably
    with regards to this topic, made me in my view imagine it from nunerous varied angles.

    Its like women aand men are not involved unless it is one thing to do wih Girl gaga!

    Your individual stuffs great. All the time hqndle it up!

  22. When I originally left a comment I seem to have clicked on the -Notify me when new comments are
    added- checkbox and from now on whenever a comment is added I get four emails with the exact same comment.
    Perhaps there is an easy method you can remove me from that service?
    Thanks a lot!

  23. So you’ve registered your business, formulated a financial plan and gone
    through all the other key steps to starting a business . What now?
    Yes, selling yopur products or services is the obvious answer, but how do you manage to do
    this in a way that breaks through the noie annd
    clutter of tthe marketplace you operate in? By formulating an eCommerce
    marketing strategy, of course! To create a strategy that’s oone step ahead of your competitors, you need to be au fait with the latest ecommerce trends.
    Ecommerce trends are so important that wee haven’t
    beeen able to stop blogging about them here and here.

    Integrating your accounting spftware with an onlkne store iis also essential to reducing workload.
    Integrate WooCommerce/Magento/Shopify with Sage,
    SAP, Syspro, Microsoft 365 or IQ retail

    In thius blog we’ll take a look at eCommerce integration trends that you
    can incorporate into your marketing strategy to make your operatios efficient.

  24. Definitely consider that which you said. Your favourite
    justification seemed to be at the internet the easiest factor to understand of.

    I say to you, I certainly geet irked while folks think about concerns that they plaily don’t recognise
    about. You managed to hit the nail upon the highest and
    outlined out the entire thing with no need side-effects ,
    other folks can take a signal. Will likely bee back too get
    more. Thankk you

    Also visit my web page … http://www.secondhandmall.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.