“الوسط” تدخل طبقات المجتمع الموريتاني وتبحث عن الجوانب المشرقة والمعتمة لظاهرة “الرق” موريتانيا : هل غسلت الدولة آثار “العبودية” ؟

نواكشوط-الشيخ بكايأعاد اختيار منظمة مناهضة الرق Anti-Slavery الغربية لنيل جائزتها الموريتاني الأسود البروفسور سعديوه كامارا أخيراً موضوع “العبودية” في موريتانيا إلى الواجهة. وفي حين تراوحت مواقف بعض الموريتانيين بين الارتياح والتجاهل والامتعاض ازاء ما وصفه أحدهم بـ “استغلال مرتزق لجهل الغربيين للبلد في تحقيق مآرب شخصية”، التقت آراء في القول إن كامارا “ليس أبرز المستحقين”. ولكن هل “يستعبد” الموريتانيون حقاً إخوة لهم في نهاية القرن العشرين؟ لماذا تصر غالبية الموريتانيين على نفي وجود الاسترقاق، فيما يؤكد موريتانيون استمرار الظاهرة؟ هل هناك دخان من دون نار؟

“الوسط” تأخذكم إلى هذا التحقيق من داخل المجتمع الموريتاني. تستنطق الماضي، و”تنبش” الحاضر، تحاور مهتمين، وتحلل أسباب الغموض الذي يكتنف القضية.

لا يناقش الموريتاني في العادة موضوع “العبودية” مع موريتاني آخر إلا حين يثار الأمر في الخارج! فالموريتانيون – في ما بينهم – يعرفون ألا أحد يستطيع إكراه الآخر الآن، مع ادراكهم لوجود علاقات اجتماعية غير متكافئة تجد سنداً قوياً في وضع اقتصادي متدهور وبقايا ذهنية عامة محافظة.

ويشعر الموريتانيون بالحرج الشديد من إثارة موضوع فشلوا حتى الآن في وضعه في إطاره الصحيح، وهم منقسمون إلى فئتين رئيسيتين: الفئة الأوسع ترى أنه ما دام الاسترقاق غير موجود إلا في الماضي فينبغي تجاهل “الجماعات الحاقدة وما تروج له”. وترى الفئة الأخرى، ومنها الدكتور جميل منصور، الإسلامي المعارض، أن “المشكل قائم بتاريخه وبحاضره وبآثاره. وتجاهله قريب من المكابرة”. ويضيف: “ان بداية الحل هي الاعتراف، فالوعي، فالدراسة، فالتجاوز. وليس من العيب لمجتمع أن يكون في ماضيه ظلم، لكن العيب في الانكار”.

غير ان منصور يرى أنه لا ينبغي “أن نتجاوز الحجم الحقيقي للمسألة، فهي واحدة من اشكاليات كثيرة تحتاج إلى معالجة شاملة”. وزاد: “ينبغي تحويل القضية من هم فئوي إلى هم وطني يطرحه الجميع”. وحذر من أنه لا ينبغي تجاوز الظلم بظلم بديل، “فظلم الأرقاء سابقاً لا يحل بظلم لأبناء المسؤولين عن ذلك الظلم”.

وقلل منصور من أهمية حصول سعديوه كامارا على جائزة المنظمة التي يوجد مقرها في لندن، وقال إنه على رغم ان المجال هنا ليس للحديث عن هذه الجوائز وطبيعتها وطرق تسييرها واختيار أصحابها ومستحقيها، فإنه “مع احترامنا لجهد الرجل وبعض نضالاته، فإن العمل ضد الاسترقاق ومن أجل حقوق الإنسان لم يصل بعد المستوى الذي يستحق أصحابه التكريم، لا من حيث الفاعلية ومن حيث النتائج”. وإذا كان منصور يعتقد أن الاسترقاق “تفكك بفعل التطور الزمني وليس بفعل سياسة تحريرية موجهة”، فإن صار ابراهيما الأمين العام المساعد لحزب “العمل من أجل التغيير” الذي يضم الناشطين في “جبهة تحرير الأفارقة السود”، إضافة إلى “الحراطين” الأرقاء السابقين، يقول إن “العبودية ما زالت تمارس وإن كانت في شكل أقل من السابق”.

ويتفق ابراهيما مع منصور في أن كامارا ليس أفضل من يكرم في مجال حقوق الإنسان، وإن كان ذلك بأسلوب مهذب هو الآخر: “الجائزة دعم لنضالنا من أجل الحرية، لكن على رغم أني لا أريد اصدار حكم قيمي على الجائزة ومن منحت له، فإني اعتقد بأن كامارا ليس وحده المستحق، وفي كل الأحوال يبقى الحكم للشعب الموريتاني”.

دور الدولة الحديثة

وأعرب مثقف موريتاني آخر هو سيدي ولد دومان عن دهشته من “تزوير الحقائق”، ولم ير في الجائزة سوى “استغلال مرتزق لجهل الغربيين بأوضاع البلد في تحقيق مآرب شخصية”.

ويقول ولد دومان: “لا من ترديد الأكاذيب وتصديق أصحاب النفوس المريضة، على من يشك في وجود العبودية هنا أن يأتي ويتحقق بنفسه” ويضيف: “الاسترقاق نظام عرفته البشرية في كل العصور وموريتانيا عرفت هذا النظام لكنه انتهى وغسلت الدولة الحديثة آثاره”.

ويستغرب ولد دومان استمرار الحديث عن موضوع غير موجود، استناداً إلى وجود نظام اجتماعي “آيل هو الآخر إلى الزوال وينقسم بموجبه المجتمع إلى طبقات”، ويتساءل: “هل كون فلان ابن فلان يؤثر سلباً أو ايجاباً في فرص التعليم أمامه؟ في فرص العمل؟ في الترقية الوظيفية؟ في التعيين والمناصب السامية؟ في نجاح الأعمال التجارية؟”، ويرد هو نفسه قائلاً: “الحراطين يحتلون الوظائف السامية في الحكومة والجيش والأحزاب وأسياد الأمس يعملون تحت إمرتهم ويأتون إليهم طالبين التدخل لحل هذا المشكل أو ذاك”.

موريتاني يؤكد، واثنان ينفيان، وان بأسلوب مختلف. يُضاف إلى هذا وجود منظمتين تهتمان بالموضوع هما “اس. او. اس لمكافحة الاسترقاق” و”الرابطة الموريتانية لحقوق الإنسان” التي تهتم بقضايا الافارقة والسود، وتهتم جزئياً بموضوع “الحراطين” ويرأس الأخيرة ابن كامارا. وإلى جانب هاتين المنظمتين، هناك “حركة الحر” المنقسمة إلى طوائف وأجنحة. فهل يصارع كل هؤلاء “طواحين الهواء؟” هل هو “دخان من دون نار”؟ هناك حقاً نار، لكنها انطفأت وتركت أعمدة دخان كثيفة تملأ الآفاق، فمثل معظم البلدان، مارس الموريتانيون جريمة الاسترقاق. وقد جاء المهاجرون العرب أيام الفتوحات العربية لافريقيا بـ “عبيدهم” وزاد العدد خلال الحروب، وتحول “العبيد” بمرور الزمن جزء من التركيبة الاجتماعية للقبيلة التي كانت تمثل الوحدة السياسية في بلد لم يكن يحكمه نظام مركزي. وبمرور الزمن تحولوا طبقة اجتماعية تسمى “الحراطين”، وربما كانت الكلمة تحريفاً لـ “الحراثون”.

حظر الاسترقاق نهائياً

تكونت هذه الطبقة في البداية من “العبيد” الذين يعتقهم أسيادهم لهذا السبب أو ذاك، وارتفع عدد الذين ينتقلون إلى طبقة “الحراطين” حينما شجعت الإدارة الفرنسية “العبيد” على التمرد من دون أن تقوم بما يغضب “الأسياد” لئلا يتحول الأمر تمرداً ضدها. لكن موقفها شكل سنداً لمن يريد ترك سيده. وحينما حصلت موريتانيا على الاستقلال في 1960 حُظر الاسترقاق نهائياً، ولم يعد بمستطاع أي شخص ان يقهر غيره، وأصبح من يقدم شكوى ضد غيره بأنه “عبده” أو حاول ارغامه على البقاء معه، ينال العقاب. وساعد في تبلور أفكار الحرية والمساواة خلال السنوات اللاحقة ميلاد الحركات السياسية القومية واليسارية، وعودة الكثير من المتعلمين في المدارس والجامعات الغربية، والذين ساهم انبهارهم بالغرب في نبذ الكثير من قيم المجتمع، ومنها بالطبع العبودية.

ومن هنا دخل الموضوع حلقة أخرى ليس من السهل على غير الموريتاني فهمها بصورة موضوعية. ذلك أنه في حين استقل كثيرون من “العبيد” بأنفسهم، بعيداً عن “أسياد” الأمس، وحافظ كثيرون على حد أدنى من علاقات “القرابة”، احتفظ آخرون بعلاقات أقوى مع “السادة”، أعضاء في الأسرة أحياناً، وعمالاً أحياناً أخرى. وربما كان من الغريب أن يحب “رقيق” من استرقه أو استرق أجداده! وهذا في الواقع ما هو حاصل!

ولعل الخطأ في عدم استقلالية بعض أحفاد الأرقاء يعود إلى الحكام الذين تعاقبوا على السلطة والذين ظلت ردود فعلهم دائماً الشعور بالحرج والغضب حين يثار الموضوع، وقد وصل الحرج ببعضهم الرئيس السابق المقدم محمد خونا ولد هيدالة إلى إلغاء الرق في 1981، غير مدرك أن الالغاء تم أصلاً منذ زمن بعيد، ولم يُجْدِ قراره الذي كان الهدف منه إبراء ذمته أمام الغرب سوى تأكيد وجود ظاهرة هي غير موجودة فعلياً.

ويعتقد مهتمون بالموضوع أنه لو أدرك الحكام أن تحسين الأوضاع الاقتصادية وتوفير فرص عمل لآلاف الرجال والنساء الذين يعتمدون على “أسياد” الأمس هو الوسيلة الوحيدة التي يمكن أن تزيل الالتباس لانتهى الموضوع. وهذا ما يبدو ان الرئيس الموريتاني الحالي معاوية ولد سيد أحمد الطايع أدركه، وبدأ العلاج على جبهتين، الأولى: محو الأمية – وعلى رغم ان المسؤولين عن برامجها اهتموا أكثر بالشكليات الدعائية، إلا أنها أفادت كثيرين. وتعتبر طبقة “الحراطين” أكبر مستفيد منها لأنها الطبقة التي يتفشى فيها الجهل أكثر من غيرها.

أما الجبهة الثانية فهي الاصلاح العقاري الذي سمح لكثيرين بامتلاك الأراضي الزراعية، إضافة إلى تمويل المشاريع الاقتصادية الصغيرة ذات الطبيعة الاجتماعية، ولو لم يكن الفساد الإداري مستشرياً لكانت النتائج أهم.

وعلى رغم ان “الحراطين” يحتلون وظائف مهمة في كل قطاعات الدولة، منهم وزراء وقادة في الجيش ومديرون لمؤسسات الدولة ونواب في البرلمان، إلا أن الغالبية تعمل في الزراعة والأعمال اليدوية وخدمة المنازل. ويعتقد بأن الحديث عن “العبودية” يعزى إلى وضع هذه الفئة.

يفضل رب البيت الموريتاني أن يكون خادمه من سلالة “عبيده” السابقين، لأنه من جهة لن يخونه بالسرقة، كما يعتقد، ولن يعتدي على أفراد أسرته. ومن جهة ثانية يرغب العامل بدوره في أن يعمل مع “أسرته”، فإذا هو مرض عولج على حساب رب العمل، لأنه من الأسرة، وإذا ضعف وجد لديها الحنان. وبمستطاعه أيضاً الحصول على أكثر من راتبه لداعي “القُربى” هذا نمط من العلاقة. وهناك أنماط أخرى، إذ ان هناك من لا يعمل عند سيده، لكنه يلبس ويأكل ويتعلم في المدرسة أو الجامعة. وهناك الذي يعمل مع أفراد الأسرة الآخرين من دون راتب محدد مثل أعضاء أسرته، وله أن يخرج من الأسرة في الوقت الذي يريد. ومن الأنماط الغريبة لهذه العلاقة ان ابن “الرقيق” المثقف شاغل الوظيفة الكبيرة أو التاجر الموسر ينفق على أسرة “أسياده” السابقين التي افقرت، فهو في هذه الحال يعاملها كما لو كان ابناً لها.

هذه هي الجوانب “المشرقة” في المسألة، أما الجوانب المحزنة والسيئة فتتمثل في الآثار النفسية والاجتماعية للرق التي لا تزال قائمة، وهي الخلفية الحقيقية التي تحرك الناشطين السياسيين من “الحراطين” وتسبب هذه الضجة التي لا تتوقف.

ولفهم هذا الواقع ينبغي استعراض التركيبة المعقدة للمجتمع الموريتاني الذي يقوم على القبيلة. وتقوم هذه الأخيرة على طبقات اجتماعية متفاوتة في “المكانة” الاجتماعية من حيث الاعتبار والتزاوج.

يأتي “الزوايا” أهل العلم في قمة الهرم، فهم يتولون القضاء والتعليم وكل ما له صلة بالمعرفة. ومعهم في المكانة نفسها “العرب” المحاربون الذين كانوا يحملون السلاح دفاعاً عن القبيلة، وهناك طبقات وقبائل جمعت بين “السيف” و”القلم”.

وتتدرج طبقات القبيلة بعد ذلك فهناك “المطربون” الفنان طبقة اجتماعية، و”الحدادون” و”زنافه” مربو الماشية. ويأتي “الحراطين” في أدنى درجات السلم.

وفي المجتمع القديم كانت هناك قبائل لا تزوج بناتها لقبائل أخرى، وفي القبيلة الواحدة لا تزوج طبقة بناتها لطبقات دونها مستوى. إلا أن القيم القديمة آخذة في التآكل ويحدث في المدن الآن ما لم يكن يتصور حدوثه حتى قبل 20 عاماً فحسب.

والواقع ان أعوام القحط ابان السبعينات اثرت في نمط العيش الريفي وأدت بمعظم سكان البادية إلى الهجرة نحو المدن أو إقامة مدن وقرى جديدة، وهذا ما خلخل العلاقات الاجتماعية التي كانت قائمة. وأدى الفقر الشديد الذي أصاب كثيرين من “سادة” الأمس الذين يأنفون العمل اليدوي ولم تعد لديهم مئات الابل والابقار والماعز إلى تحول في القيم وإلى انكسار “المهابة” في أعين الطبقات الأخرى.

وكان المثقفون من أبناء “الحراطين” قد أنشأوا منظمة سرية اطلقوا عليها “الحر”، تدعو في منشوراتها “الحراطين” إلى التمرد على أوضاعهم وتصف العلاقات القائمة بين بعضهم و”أسياد” الأمس بأنها “عبودية”.

ومع هذه الحركة بدأ الموريتانيون السود يحرضون “الحراطين” ويطرحون أمورهم باعتبارهم أفارقة سوداً عُرِّبوا رغماً عنهم. ومنذ الثمانينات تحولت المسألة سلعة رائجة في أيدي جماعات من السياسيين الباحثين عن الوظائف في إطار “العهر” السياسي الذي انتهجته معظم الحركات السياسية الموريتانية – يسارية ويمينية – مع العسكريين. ومثل أعضاء الحركات السياسية الأخرى، عيّن ناشطون في حركة “الحر” في مناصب رفيعة فسكتوا! ولما اعفي بعضهم عاد إلى طرح الموضوع… وبعد ذلك انقسموا فئة راضية ساكتة عن الحال كما هي، وتعرف ان الزمن كفيل بتغيير الأوضاع الاجتماعية وتبدل القيم وهذه تحتل أو تأمل في احتلال مناصب رفيعة في الدولة، وفئة غاضبة معارضة تقول إن الكل يتواطأ على السكوت على “العبودية” وتستنجد بالمحافل الدولية. وينتمي إلى فئة “الحراطين” الوزير السابق والمحافظ السابق والحاكم المركزي السابق مسعود ولد بلخير رئيس حزب “العمل من أجل التغيير”، وأبو بكر ولد مسعود المدير العام السابق لشركة التعمير الحكومية الرئيس الحالي لمنظمة “اس. او. اس” لمكافحة الاسترقاق! >

الوسط

رأي واحد على ““الوسط” تدخل طبقات المجتمع الموريتاني وتبحث عن الجوانب المشرقة والمعتمة لظاهرة “الرق” موريتانيا : هل غسلت الدولة آثار “العبودية” ؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.