أرشيف صحفيموضوعات رئيسية

“روندا” الجديدة : مذابح و 200 ألف نازح ازوادي .. حرب في مالي على العرب والطوارق

صحراء أزواد (مالي)- من الشيخ بكاي– يضيع أزيز محرك “الهيلوكس” في دوي الرعد وهي تغوص تارة في الطين، وتتزحلق أخرى لترتطم بصخرة هنا، أو تسقط في حفرة ماء هناك. وقال المرافق الأزوادي ونحن نقترب من مناطق الحدود الموريتانية – المالية عبر المسالك الوعرة في يوم تموزي ماطر: “نودع الآن عالماً وندخل آخر له قوانينه وأساليبه الخاصة”…

وتتراءى بعد حين مدينة “باسكنو” ببيوتها المطلية بالطين الأحمر، والخاضعة لحالة طوارئ غير معلنة بسبب احتضانها واحداً من ثلاثة مخيمات أقامتها الأمم المتحدة للاجئين العرب والطوارق الماليين الهاربين من المذابح في بلادهم، والذين ازدادت معاناتهم بعودة الحرب أخيراً بين الحكومة المالية والجبهات الأزوادية في أعقاب مذابح جديدة أدت الى فرار نحو 200 ألف شخص الى الدول المجاورة، فيما يستمر تدفق النازحين عبر مئات الكيلومترات، على الأقدام والإبل والحمير في اتجاه الحدود الموريتانية.

دخلنا “باسكنو” من جهة غير معهودة لأن مرافقي “زودة” الذي “اصطدته” في نواكشوط لا يريد أن يقابل رجال الدرك الموريتانيين الذين يحققون مع كل داخل الى المدينة وكل خارج منها، ويرغمون أصحاب السيارات على وقفها أمام مقر الدرك من الساعة السادسة مساء وحتى السادسة صباحاً لحمايتها من رجال “المافيا” وعصابات السطو المنتشرة في منطقة الحدود منذ بدأت المأساة الأزوادية قبل خمسة أعوام، وللسيطرة كذلك على تحركات اللاجئين الذين يتهم بعضهم بالمشاركة في الأعمال العسكرية وكل النشاطات الأخرى التي تمارس في المنطقة.

اختفى “زودة” ليعود مع رجال ملثمين يدخل معهم في أحاديث هامسة باللهجة الطوارقية تنتهي بقوله: “علينا الانتظار بعض الوقت فالأمور هنا غير تلقائية”. ودارت مشادة كلامية بسبب ما اعتبرته بعثة “الوسط” اضاعة للوقت ما دامت خطة العمل تقتضي عدم النزول الى المخيمات قبل العودة من قواعد الثوار في الشمال المالي. وتبدأ مساومات في سوق النقل الأزوادية السوداء. ويحضر “زودة” سيارة “لاندروفر” قديمة ويقول بحزم: “سنذهب في هذه الى المواقع العسكرية في شمال مالي”… واقتنعنا بعد نقاش بأن “السيارات الموريتانية لا تستطيع عبور الحدود، وبأن أفضل طريقة هي استئجار هذه السيارة الخربة التي لا تثير ريبة العسكريين الموريتانيين ولا طمع رجال العصابات”.

الشيخ بكاي مع مقاتلين أزواديين في صحراء أزواد خلال مهمة صحفية

انضم إلينا أربعة ملثمين صعدوا من دون سلام… لكننا تبادلنا التحيات خارج المخيم، وأبلغونا كيف نتصرف إزاء اسئلة العسكريين الموريتانيين.

بائع متجول

عند أول حاجز عسكري انزلنا من السيارة لتفتيشها وأخذ ضابط اسماءنا واحداً بعد الآخر. وأعطي اسمي محرفاً قليلاً مع وظيفتي التي هي مثل “الرفاق” الآخرين “بائع متجول”. تركنا الضابط من دون أن يسأل عن أوراق الهوية، فقد كانت ثيابنا القذرة وهيئتنا تعطي الانطباع بصدق دعوانا… وقد اعتاد الجنود على منظر الباعة الأزواديين الذين يتنقلون يومياً بين القرى الحدودية.

وعند الحاجز الأخير أضفنا الى مهنة التجارة أننا ذاهبون الى حي بدوي قريب لعقد قران أحدنا على احدى بناته! لكن الملازم الموريتاني قال: “لن تذهبوا بالسيارة”. واقترب “زودة” هامساً: “ستصل الى المواقع ولو على ظهري… اخف الكاميرا جيداً واتبعني”. وجلسنا للتداول في إمكان استخدام الجمال، بينما دخل “العريس” في مفاوضات صعبة مع الضابط استغرقت أكثر من ساعة وانتهت بالسماح للسيارة بالعبور.

كانت الشمس قد غربت ونحن في منطقة صحراوية يتقاطع فيها الجيشان الموريتاني والمالي والجبهات الأزوادية والعصابات والميليشيات المتمردة على هذه الجبهة أو تلك. وبعد ساعات من الصمت، أظهر فيها السائق مهارة فائقة جعلت “زودة” “رجل الأمن” المتكتم يفخر به قائلا: “هو منا”، دخلنا مناطق نفوذ “الجبهة العربية الاسلامية لتحرير أزواد”… وسألت رفيقي “زودة” ربما كان هذا اسمه الحركي “أين نحن الآن؟”. ورد باقتضاب: “لا تكن كثير الاسئلة”. لكنني سألت مرة أخرى عن أغصان الشجر التي نعبر فوقها من حين لآخر في منطقة لا توجد فيها أشجار، فأجاب: “لا تسأل عما لا يعنيك”. لكنني أصررت “هل هي لغة تفاهم بينكم؟”… فلم يرد ودخلنا في حديث عام عن الجبهات والحركات الأزوادية.

خمس منظمات

تتوزع الساحة في شمال مالي المعروف بـ “أزواد” خمس منظمات سياسية عسكرية مع عدد من الميليشيات والمجموعات المنشقة والعصابات. والمنظمات الرئيسة الخمس هي “الجبهة العربية الاسلامية لتحرير أزواد” التي يقودها الذهبي ولد سيدي محمد. وتمثل الجبهة – كما يفهم من اسمها – المجموعة العربية في الشمال المالي التي تتألف من القبائل نفسها الموجودة في موريتانيا. ويفخر الأزواديون العرب بأنهم استطاعوا المحافظة على وحدتهم في جبهة واحدة، على رغم وجود فصيل منشق صغير يطلق على نفسه “الحرس الثوري”. أما الأربع الأخريات فتمثل الطوارق، وهي “الجيش الثوري لتحرير أزواد” ويقوده عبدالرحمن آغ (ابن) قله الذي تلقى تدريباً في ليبيا ويتحدث العربية بطلاقة. و”الجبهة الشعبية لتحرير أزواد” بقيادة غيسى (عيسى) آغ سيدي محمد، وهو عسكري متشدد كان آخر من قبلوا التفاوض مع الحكومة المركزية. و”الجبهة المتحدة لتحرير أزواد” وهي فصيل يضم منشقين من كل الحركات الطوارقية، والرابعة هي “الحركة الشعبية لتحرير أزواد” التي يقودها إياد آغ غالي، وهي الحركة الأم لكنها ترهلت بفعل الانشقاقات المتكررة.

كان الفجر على الأبواب حينما نبه أحد الملثمين السائق الى ضرورة الحذر “فهذه الأشجار ربما كانت تحجب مسلحين”. ولم يكمل حديثه حتى دوت طلقات تحذيرية وأحاط المسلحون بالسيارة من كل الجهات. لم يطل القلق فقد تبودلت كلمات سمح بعدها بالعبور. وبعد لحظات كنا بين مدافع احدى الفرق المتنقلة التابعة لـ “الجبهة العربية لتحرير أزواد”. وقال آمر الفرقة محمد الخامس ولد محمد وهو يرحب “بالصحافة العربية التي تتجاهلنا وتطلق علينا اسم الطوارق”: “من الأفضل أن تنهي عملك بسرعة فنحن لا نستطيع البقاء في مكان واحد فترة طويلة”.

ومحمد الخامس واحد من 640 مقاتلاً أزوادياً اندمجوا في الجيش النظامي المالي قبل عام في إطار اتفاق السلام الذي أبرم عام 1992 بين الثوار والحكومة المركزية وتخلى الثوار بموجبه عن المطالبة بانفصال أزواد في مقابل قدر من الادارة الذاتية، وتنفيذ مخطط إنمائي في الاقليم المنسي منذ استقلال مالي عن فرنسا عام 1960 والذي يتألف سكانه من مليون و800 ألف معظمهم من العرب والطوارق، ومن بينهم 600 ألف مهجّر. وتغطي مساحة الاقليم 850 ألف كيلومتر مربع.

“غاندا” القاتلة

وانسحب الخامس بفرقته وبالسيارات المالية والأسلحة التي كانت في حوزته في حزيران يونيو الماضي بعد انهيار اتفاق السلام مثلما فعل غيره من المقاتلين الأزواديين المندمجين. وشرح الملازم بابا أحمد قصة انهيار الاتفاق: “قتلت حركة “غاندا كووي” التي انشأتها الحكومة المالية عدداً من الأزواديين، ورفضت السلطات معاقبة الجناة، ما دفع بعض المقاتلين الى معاقبتهم”. وأضاف: “تدخل الجيش المالي الى جانب غاندا كووي وأطلق النار على الأزواديين، ومن هنا بدأ انهيار الاتفاق”.

وسرد بابا أحمد لـ “الوسط” كيف فر هو نفسه بما استطاع من العتاد: “دخلت الحامية العسكرية التي أعمل فيها فوجدت الضباط وصف الضباط في اجتماع. وكانت مفاجأتي أنه لم يكن في الاجتماع عربي ولا طارقي. ولم يطل الغموض فقد طلب مني قائد الحامية بأدب أن أخرج فقلت للقائد أنا لا أفهم كيف لا أحضر، وأنا ملازم، اجتماعاً يحضره العرفاء. ورد علي: لدينا أمور خاصة بنا. فقلت له: ألسنا كلنا من الجيش المالي؟” ونقل الملازم الأزوادي عن قائده السابق رداً بليغاً هو: “لم نعد نعرف بمن نثق”. وتابع بابا أحمد: “نظرت الى العقيد فإذا رشاش بجانبه اضافة الى قبعة حديد. وكان وجود هذه الأشياء ممنوعاً داخل الاجتماعات. خرجت مسرعاً وأبلغت الضباط العرب والطوارق بما حدث وجهزت سيارة بما فيها. وبدأت عمليات مطاردة الى أن وصلت الى تخوم الشمال”.

الشيخ بكاي مع مقاتلين أزواديين في صحراء مالي

وكانت الحكومة المالية قبلت دمج 640 من المقاتلين الأزواديين في الجيش النظامي، وذلك من أصل 6000 نص اتفاق السلام على دمجهم. بينما كان مقرراً أن تستوعب مؤسسات مدنية بقية المقاتلين. ويعتقد الأزواديون بأن انهيار السلام يعود في الدرجة الأولى الى “مماطلة الحكومة في تنفيذ بنود الاتفاق خصوصاً الجانب العسكري منه”. لكن مصادر مستقلة تقول ان الرئيس المالي ألفا عمر كوناري لم يكن قادراً على دمج ستة آلاف مقاتل في جيش يتألف من 8000 ويمثل بلداً متعدد الأعراق. فأحزاب المعارضة المالية رأت في وجود للعرب والطوارق بهذا الحجم إخلالاً بالتوازن العرقي داخل الجيش.

حرب أكثر ضراوة

ومع أن قادة الجبهات والحركات الأزوادية الموحدة انتقلوا العام الماضي الى مالي من منفاهم – وكان أحدهم وهو الذهبي ولد سيدي محمد زعيم “الجبهة العربية” يحتل منصب مساعد مفوض الشمال، وهو منصب استحدث في إطار الاتفاق – فإن الثقة لم تعد ولم ينسجم لا السياسيون ولا العسكريون الأزواديون مع الحكومة والشعب من السود، كما حافظت الجبهات على تنظيماتها العسكرية وأسلحتها في المناطق المحاذية لموريتانيا والجزائر.

ومع انفجار الوضع قبل شهرين التحق المندمجون في الجيش بقواعد المقاتلين، وعادت الحرب أكثر ضراوة. ويقاتل الأزواديون من ثلاث جبهات هي الجبهة الموريتانية والجبهة الجزائرية، وجبهة بوركينافاسو المناطق المالية المحاذية لهذه الدول. ولا يبدو ان هناك تنسيقاً بين الجبهات والحركات في عملياتها العسكرية على رغم أنها تخضع لقيادة سياسية واحدة. بل انه داخل التنظيم الواحد تنفذ المجموعات المسلحة عملياتها باستقلال عن القيادات العسكرية والسياسية العليا.

ويتوزع المقاتلون على الجبهة الموريتانية التي زارتها “الوسط”، في مجموعات صغيرة من سيارتين أو ثلاث على الأكثر. وتنفذ هذه المجموعات عمليات خاطفة ضد مراكز الجيش والادارة. ولا تمكث في مكان واحد. ويتحدث المقاتلون عن عمليات ناجحة “أصابت العدو في العمق”. وقال لـ “الوسط” مقاتل طوارقي يتحدث لغة عربية ضعيفة: “نخن (نحن) سنقضي على الجيش المالي كما يقضي على أهلنا. ولن يستطيع الصمود لأننا نضرب ونهرب”.

وزارت “الوسط” المنطقة بعد ستة أيام من تنفيذ “الجبهة العربية الاسلامية” عملية “لامبارا” 470 كلم غربي تينبوكتو، وهي العملية “الجريئة التي اخترقت صفوف الجيش المالي المتمركز بكثافة وقتل 28 عسكرياً، وعاد منفذو العملية سالمين”. ويبدو المقاتلون في أوضاع سيئة، مع أنهم يحاولون إظهار ارتفاع المعنويات، وهم يعتمدون في التسليح والمؤن على ما “يسلبونه” من الجيش الحكومي. وقال لـ “الوسط” المقاتل عبدالرحمن الذي دربه الليبيون “من أجل الحرب في لبنان”: “نحن نعتمد على جهودنا الذاتية وجهود الشعب الأزوادي، ولو ساعدتنا موريتانيا والجزائر قليلاً لحسم الأمر بسرعة”. ويتسلح المقاتلون الأزواديون برشاشات كلاشنيكوف وبنادق الصيد، وهناك مدافع هاون يقول الأزواديون انهم غنموها من الجيش النظامي. ويركب بعضهم الجمال والخيول التي كانت في بداية التمرد الوسيلة المتاحة الوحيدة قبل انتشار سيارات الـ “تويوتا” والـ “لاندروفر” التي يقول الثوار انهم غنموها من الجيش النظامي.

ضمانات خارجية

وتتفاوت آراء المقاتلين في شأن السلام والحرب. وقال القائد محمد الخامس لـ “الوسط”: “السلام هو ما نريده والحرب مفروضة علينا وما نقوم به هو للدفاع عن النفس فقط. نحن على استعداد للتفاوض مجدداً مع حكومة مالي، لكنني أشعر بأنها ليست جادة. وهذا ما يجعل استمرار الحرب الخيار الأكثر وروداً، ولن ندخل هذه المرة إلا بضمانات من جهات خارجية لأن عكس ذلك يعني تسليم رقابنا الى مالي”.

ولا يستخدم الأزواديون في أحاديثهم مصطلح الحكومة أو الحكومة المركزية، فالأمر في لغتهم يتعلق بحكومة مالي. ويبدي قادة آخرون وجنود تطرفاً أكبر وعدم استعداد للتفاوض. وقال الملازم أحمد سالم: “المشكلة هي الثقة ولا أعتقد أبداً بأن الثقة بيننا وبين الماليين يمكن أن تعود، فقد خدعونا، واستمرار الحرب هو الخيار الوارد، هو الخيار الذي أفضله لأن سلاماً لا تفرضه الحرب لا ينفع مع الماليين”. ويعتقد محمد الصالح وهو سياسي يبدو على صلة بالمقاتلين أن “فرص السلام ضئيلة لأن الحرب تحولت الى تصفية عرقية أخشى أن تمتد الى موريتانيا”.

نزوح… نزوح

ويخضع الثوار أجزاء كبيرة من الصحراء المالية والجبال لنفوذهم. ولا يجرؤ الجيش الحكومي على تتبعهم في بعض المناطق. وهذا ما سهل عمليات نقل واسعة للمدنيين الى الحدود الموريتانية. وتنقل سيارات تابعة للجبهات يومياً المئات من الفارين من مذابح عرقية يتهم الأزواديون الجيش وبعض الحركات الزنجية بارتكابها. ويفر المدنيون العرب والطوارق على الإبل والحمير والأقدام، وتلتقطهم سيارات الجبهات في الطريق. كما يقتحم المقاتلون مناطق لا يحتفظ فيها الجيش بوجود قوي ليرحلوا المدنيين.

ويلاحظ المتابع لأحاديث الثوار ولحركة النزوح أن هناك رغبة ما في إخلاء المنطقة من المدنيين العرب والطوارق. وربما كان ذلك لمنح الثوار الحرية في دك المدن من دون أن تكون هناك خشية من قتل أزواديين. وهذا ما ينفيه المقاتلون بشدة مؤكدين أنهم لا يهاجمون إلا المراكز الحكومية وليست لديهم نية في إيذاء المدنيين السود.

ويلتقي المتجول في مناطق نفوذ المقاتلين الازواديين عدداً من السيارات التي تنقل المدنيين. ورافقت بعثة “الوسط” بعض هذه السيارات الى حاسي بومدين، وهي نقطة حدود موريتانية – مالية يتجمع عندها النازحون حتى تسجلهم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة، وتحصل لهم على إذن من السلطات الموريتانية بالدخول لينضموا الى نحو ثمانين ألف لاجئ أزوادي كانوا فروا من مذابح سابقة في بداية المشكلة. ويواجه النازحون الجدد مصاعب كثيرة. فالاجراءات تتم ببطء كبير. ويقضي الكثيرون خمسة أيام عند نقطة العبور يحتمون بالأشجار القليلة الموجودة في المكان من حر شمس الصحراء الحارق ومن المطر. وقليلون منهم يأتون بصرة قمح يصنعون منها وجبات لأطفالهم. وقالت حليمة الشابة الخجولة وهي تشير الى توأمين في الشهر الثاني من العمر: “ماذا أصنع بهذين الطفلين؟ إن ثديي لا يختزنان حليباً ولست أدري هل يستطيع توأمي “الصمود أكثر من يوم”.

أهل الأرض والعافية

ويتدفق النازحون الى موريتانيا من مدينة تينبوكتو عاصمة اقليم أزواد، وغاوو، والأرياف التابعة لهما. ومن مناطق أزواد الأخرى فر الكثيرون الى الجزائر وبوركينافاسو. ويقول الفارون ان القوات الحكومية تطلق النار على المدنيين وتخطف بعضهم. الا ان الكثيرين منهم يجمعون على ان حركة “غاندا كووي” العنصرية المتطرفة التي يقودها ضابط سابق في الجيش اسمه عثمان مايغا هي التي تنفذ المذابح.

وتعني “غاندا كووي” بلهجة الصونغاي “أهل الأرض”. وتقول الحركة ان أزواد أرض “الصونغاي” لا العرب ولا الطوارق، وتنادي بإبادتهم. ويشكل “الصونغاي” إحدى المجموعات العرقية الرئيسية في الاقليم، ولهم نفوذهم الواسع في الجيش والادارة. ويقال ان الكثير من عناصر الجيش من هذه المجموعة فر من الخدمة ليلتحق بالمنظمة. ويتهم الأزواديون الحكومة بإنشاء هذه الحركة لتواجههم نيابة عنها. وكانت للصونغاي مملكتهم التي استمرت قوية حتى الغزو المغربي لأزواد في القرن السادس عشر.

وتناوئ العرب والطوارق مجموعة أخرى تعرف باسم “بيللات” وهم عبيد الطوارق، ويتحدثون اللهجة الطوارقية إلا أن اصولهم زنجية. ومع ان بعض الـ “بيللات” فر مع أسياده الى مراكز اللجوء، فإن الغالبية شكلت حركة “لافيا” والاسم كلمة عربية محرفة هي “العافية”. وتعادي الحركة أسياد الأمس في ردة فعل انتقامية.

حصار غذائي

ويتحدث النازحون عن حصار غذائي تفرضه السلطات على سكان البادية. وقال الطالب ولد محمد لـ “الوسط”: “بعد انسحاب الناس العرب والطوارق من المدن هرباً من المذابح، ضربت السلطات حصاراً منعت بموجبه خروج أي شيء الى الريف. وأنت تعرف أننا نعيش من بيع مواشينا في المدينة التي نستورد منها الغذاء”. وأضاف: “تركت مواشي عند اخوة لي ليلوذوا بها الى حيث الأمن ونجوت بنفسي الى هنا”. ويقدر بعض المصادر عدد الذين فروا خلال الشهرين الماضيين الى الجزائر وموريتانيا وبوركينافاسو بنحو 200 ألف شخص. ولا يستبعد أن يصل عدد النازحين الى موريتانيا في الأسابيع القليلة الى 100 ألف.

ويطرح وجود اللاجئين مشاكل انسانية وسياسية وأمنية معقدة. فعلى المستوى الانساني، تقول منظمات الإغاثة العالمية انه لن يكون في مقدورها امداد سيل اللاجئين الجدد بالمؤن والخدمات. ويعرب موظفون في هذه الهيئات عن القلق من أنها قد تجد نفسها عاجزة عن مواجهة الضروري من حاجات اللاجئين اذا طال امد النزاع المالي. وتعمل في المخيمات الثلاثة المنصوبة للأزواديين في ثلاث مدن موريتانية هي باسكنو وفصالة وأغور القريبة من الحدود مع مالي، منظمات انسانية دولية عدة منها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، ومنظمة “أطباء بلا حدود”، ومنظمة “أطباء العالم”. وتقدم هيئة الاغاثة الاسلامية بعض الخدمات.

ويشكو اللاجئون من ضعف الخدمات الصحية التي يتلقونها في مستوصفين احدهما تابع لهيئة الاغاثة الاسلامية العالمية والثاني لمنظمة “اطباء بلا حدود”. فهم يتلقون العلاجات الأولية في هذين المستوصفين، لكن الحالات المرضية الخطرة “تبقى معضلة بالنظر الى صعوبة التحويل الى المستشفيات الموريتانية”، كما قال لـ “الوسط” المسؤول عن احد المخيمات.

ويوجه اللاجئون قدراً من اللوم الى هيئة الاغاثة الاسلامية التي يعتقدون بأنها قصرت في حقهم، وتركتهم لمنظمات غربية مسيحية. وقال محمد موسى 20 عاماً لـ “الوسط”: “لا يستطيع المرء الا ان يحب من أحسن اليه ويتأثر به ونحن من بيننا ضعاف العقول، ومن العار أن لا يقوم العرب المسلمون بواجبهم تجاهنا”. ويعلل هذا الشاب ما يصفه بصدود العالم العربي عن الأزواديين بأن “الاعلام الغربي صوّر النزاع نزاعاً بين السود والطوارق وأهمل الوجه العربي للمنطقة”.

ويقول لاجئ آخر هو محمد يوسف، وهو مكلف ملف التعليم في المخيمات، “ان السفير المالي في احدى دول الخليج، وهو خريج الجامع الأزهر، استطاع تحقيق نصر ديبلوماسي في منطقة عمله حول بمقتضاه الاهتمام بالمشكلة الانسانية والدينية في أزواد الى الدولة المالية التي تتلقى كل انواع المساعدات”!

ويتحدث محمد يوسف عن مشكلة تعليم أبناء اللاجئين، فيقول ان المدرسة الوحيدة، ولها فروع في كل المخيمات، لا تفي بحاجات اللاجئين. وقال: “يوجد 6000 طفل في سن الدراسة لا تستوعب المدرسة منهم الا 600”. وتتولى الانفاق على هذه المدرسة التي تقدم دروساً بالعربية والفرنسية، ويدرس فيها معلمون أزواديون، هيئة مسيحية فرنسية. وتكمل هيئة الاغاثة الاسلامية عمل هذه المدرسة بتقديم دروس قرآنية في مدرسة أقامتها على نمط المدارس القرآنية الموريتانية القديمة المعروفة بـ “المحظرة”. ويتعلم الأطفال القرآن على ألواح خشبية على يد شيخ محلي.

الجزائر وموريتانيا في موقف حرج

وعلى المستوى السياسي يضع المشكل الأزوادي عموماً موريتانيا والجزائر في موقف حرج فلا هما تستطيعان إغلاق حدودهما في وجه الفارين من العنف، من عرب وطوارق، ولا هما قادرتان على حسم الموضوع على نحو لا يؤثر في علاقاتهما مع دولة مالي المجاورة، أو على التركيبة السكانية الداخلية في كل منهما. ومارست الجزائر ضغوطاً كبيرة أرغمت الازواديين على الجلوس الى طاولة المفاوضات مع الحكومة المركزية في باماكو والتخلي عن المطالبة بالانفصال. لكن اتفاقين أشرفت على توقيعهما في أقل من ثلاث سنوات انهارا بعدما عجز طرفا النزاع عن احترام بنودهما.

ومع ان للجزائر مصلحة خاصة في اخماد روح الانفصال لدى طوارق مالي، لوجود طوارق جزائريين ينبغي عدم تشجيعهم على الاعتقاد بإمكان وجود وطن للطوارق، فإن ثقل المشكل الازوادي على موريتانيا يبدو أقوى. فوقوع هذا البلد الضعيف بين اقليمين مشتعلين هما أزواد والصحراء الغربية يجعل أمنه واستقراره وحتى وجوده في خطر. ويتشابه حال الاقليمين نوعاً ما، فعرب الشمال المالي وسكان الصحراء الغربية هم النسيج القبلي نفسه الذي يتألف منه السكان الموريتانيون. وهذا ما يجعل عزل الموريتانيين عما يدور في الاقليمين مسألة مستحيلة بحكم العلاقات الأسرية والقبلية، وبالتالي يعرّض العلاقات الموريتانية مع الحكومتين المالية والمغربية للتوتر الدائم.

وفي يد الحكومة المالية ورقة يمكن ان تستغلها في أي وقت هي ورقة الموريتانيين السود الذين يبدو انهم بدأوا يحولون نشاطهم من السنغال الى مالي في ضوء التحسن الذي شهدته العلاقات الموريتانية – السنغالية. وتتعامل الحكومة الموريتانية مع الازواديين بقدر كبير من التحفظ والحذر. فقد فتحت حدودها للاجئين، لكنها تمنع ما استطاعت دخول المسلحين الى أراضيها وتنزع سلاح من يدخلون بأسلحتهم، وتودعهم السجن احياناً. لكنها تعمل جاهدة على المحافظة على علاقات جيدة مع قادة الجبهات والحركات الازوادية.

وحاولت حكومتا نواكشوط وباماكو تسيير دوريات مشتركة على الحدود لمنع نشاط المقاتلين والميليشيات الخارجة عن طاعة الجبهات، الا ان المشروع لم يتم لأنه كان من المفترض ان ينال دعم القيادات العليا للجبهات الازوادية، وهذا ما اصبح غير ممكن بعد انهيار اتفاق السلام. وتحاول الحكومتان الموريتانية والمالية تطويق اي خلافات تنشب. وراج أخيراً حدوث مناوشات على الحدود حينما اندفعت دورية مالية – حسب الاشاعة – داخل الأرض الموريتانية لمطاردة مقاتلين أزواديين. وزاد من صدقية هذه الانباء التي لم تؤكدها جهات رسمية وصول وزير الدفاع المالي الى نواكشوط حاملاً رسالة من الرئيس عمر كوناري الى الرئيس معاوية ولد سيد احمد الطايع الأسبوع الماضي، وذلك بعد دفع موريتانيا بتعزيزات عسكرية جديدة الى منطقة الحدود شملت دبابات ومدرعات وأرتالاً من الجنود.

عصابات النهب

وعلى المستوى الأمني يشعر الموريتانيون بالضيق من تحول المناطق الجنوبية الشرقية من بلادهم الى وكر لعصابات النهب والسطو التي تسرق السيارات وتسلب البدو الرحل ممتلكاتهم، وتعتدي على القرى الحدودية. ويفرق قليل من الموريتانيين بين الجبهات الازوادية والعصابات والميليشيات المنشقة عن هذه الجبهات والخارجة عن طاعتها.

وقال رجل اعمال موريتاني طلب عدم كشف اسمه لـ “الوسط”: “لا يهمني الاسم، عصابة، ميليشيا أو جبهة… المهم ان أرضنا كانت آمنة، ومنذ ان دخلها الطوارق دخل الرعب”. وتتخذ هذه العصابات من مناطق الحدود الموريتانية – المالية وجبال إفوقاس في مالي مقرات لها. ويقول عضو اللجنة التنفيذية في “الجبهة العربية لتحرير أزواد” محمد الصالح: “من الظلم الربط بيننا وبين هذه العصابات، ونحن نحاربها وندخل المخاطر في مطاردتها عندما نعلم بأنها سطت على الموريتانيين. اما الماليون فنحن في حرب معهم ونشجع أي عمل ضدهم”.

ويشرح الصالح ما هي هذه العصابات: “هي مزيج من اليائسين المنشقين عن كل الجبهات الذين يدفعهم البؤس، وحب الانتقام فقد شاهدوا آباءهم او أطفالهم يقتلون امام عيونهم شر قتل فامتلأوا حقداً لم يستطيعوا التحكم به”.

عتب وتشاؤم

ويبقى السؤال المهم هو ما هي آفاق السلام؟ وهل يستطيع المقاتلون الأزواديون الاستمرار في الحرب في ضوء عجزهم والظروف الجيوسياسية المحيطة بهم.

يقول المنسق العام للجبهات والحركات الازوادية الموحدة عبدالرحمن آغ قله: “نحن نلتزم المعاهدة المبرمة مع الحكومة، وهي ملزمة لكل الماليين ولا يحق للرئيس المالي الخضوع للضغوط التي تمارس للتخلي عنها”. ويضيف: “نتفهم مواقف الدول المجاورة، موريتانيا والجزائر وبوركينافاسو، ولا نريد ان نزيدها احراجاً، وسنعمل على ان تعود الحكومة المالية الى القبول بتنفيذ مخطط السلام وإذا لم يتم ذلك فلكل منا وسائله الخاصة”.

ويقول عضو القيادة الموحدة ماء العينين ولد بادي في حديث الى “الوسط”: “نحن أثبتنا حسن النيات، وقبلنا بالسلام ونقبل الى الآن بمعاهدة الجزائر، الا اننا لم نجد من نطبقها معه”. ويعتقد ولد بادي ان “الجزائر دفعت الازواديين الى القبول باتفاق مع مالي وتخلت عنهم، وهي ملزمة العمل على جعل الماليين يحترمون بنود الاتفاق”.

وينتقد ولد بادي انسحاب العسكريين الجزائريين الذين كانوا يشرفون على وقف اطلاق النار “بمجرد سماعهم بنشوب أعمال العنف الجديدة”. ويصف الموقف الموريتاني بأنه “بارد” ينطلق من معاهدات دولية تخص اللاجئين “وهي لا تتدخل في شؤوننا الداخلية ولا تقدم الينا دعماً من أي نوع باستثناء الرغبة في ايجاد حل سياسي”. ويأخذ ماء العينين على العرب ما يصفه بغياب المشكلة الازوادية عن أذهانهم “فلم نسمع اي عربي يدعو الى وقف المذابح، بل ان بعض الدول العربية يقدم الاسلحة الى الحكومة المالية لتقوى علينا”.

وتختفي من تصريحات القادة الأزواديين تلك النغمة النضالية المتفائلة. وهناك شعور عام بالعجز في ضوء المعطيات الاقليمية، ولكن أيضاً استناداً الى بعض المعطيات الخاصة بالجبهات الأزوادية نفسها. فهي منقسمة على ذاتها. ففي حين انسحبت أربعة تشكيلات من بين الخمسة الرئيسة بقي فصيل “الحركة الشعبية لتحرير أزواد” الذي يقوده اياد آغ غالي داخل مناطق نفوذ الحكومة، ولم يشارك في المناوشات الجارية الآن بين الجيش النظامي والمتمردين. بل يخوض اياد غالي حرباً ضد قوات “الجيش الشعبي لتحرير أزواد” الذي يقوده عبدالرحمن آغ قله.

ويقول خصوم غالي إن ما يهمه هو توفير الأمن لنفسه ولقبيلته إيفوقاس. وتمنحه الحكومة الآن وضعاً خاصاً في ولاية كيدال. ويتهمه بعضهم بالتقرب من الحكومة على حساب رفاقه في السلاح. وتساور العرب الأزواديين شكوك لا يريدون التعبير عنها علنا في الطوارق عموماً. وتذهب بهم هذه الشكوك الى حد التخوف من أن يعقد الطوارق صلحاً مع السلطات يكون العرب ضحاياه الدائمين. وظلت علاقات العرب والطوارق حذرة على الدوام، واستطاعت الحكومات المالية المتعاقبة في فترات مختلفة استغلال كل من الفريقين ضد الآخر.

تفاصيل النشر:

المصدر: الوسط

الكاتب: الشيخ بكاي

تاريخ النشر(م): 8/8/1994

تاريخ النشر (هـ): 1/3/1415

منشأ: شمال مالي – الحدود الموريتانية

رقم العدد: 132

الباب/ الصفحة: 12 – 13 – 14 – 15 – 16 – 17 – 18 – 19 – ازواد – مالي

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

escort maltepe escort pendik escort çekmeköy escort mersin porno izle porno seks hikayeleri mersin escort bayan escort bodrum