أرشيف صحفيتحقيقات ومقابلات

البوليساريو جمهورية في ثلاثة بلدان.. النصر المستحيل والخوف من الفراغ

مخيم الرابوني (جنوب الجزائر)- الشيخ بكاي- (أرشيف)- على بعد 23 كيلومتراً جنوب مدينة تيندوف الجزائرية تبدأ “بوليساريو – لاند”  التي تقيم عليها “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب” “جمهوريتها” وتشمل اجزاء من أراضي “الحمادة” الجزائرية المالحة القاحلة، وشريطاً من الصحراء الغربية يمتد من الحدود الشمالية الشرقية الى أقصى نقطة في الجنوب، بمحاذاة حزام الدفاع الذي أقامه المغرب حول ما سماه “الصحراء المفيدة” على امتداد 2500 كيلومتر.

تودع مركز التفتيش الجزائري خلف تيندوف ليسلمك الى سلسلة مراكز وحواجز اقامها الصحراويون في منطقة “الحدود” وعلى مشارف مخيماتهم المتناثرة داخل الأرض الجزائرية.

قال مرافقي وأنا أستفسر عن أسباب التعقيد في عمليات التفتيش: “نحن والجزائر بلدان متجاوران يراقب كل منا حدوده، ولا يسمح بعبور الحدود الا لمن يحمل سمة دخول”. ولا يبدو للجزائر اي وجود اداري او أمني في المنطقة المتروكة لـ”البوليساريو” ويفصل بينها وبين حدود الصحراء جنوباً نحو 90 كيلومتراً.

ويقيم المواطنون المدنيون في “جمهورية” بوليساريو في أربعة مخيمات رئيسية تتخذ أسماء الولايات الأربع التي تتألف منها الصحراء وهي: العيون، الداخلة، أوسرد، السمارة. وينقسم كل مخيم الى دوائر وأحياء تعكس التقسيم الاداري في الاقليم. واختير للمكاتب الحكومية مركز قريب من تيندوف لضمان خدمات الماء والكهرباء والخطوط الهاتفية. ويرابط المقاتلون في المناطق الصحراوية الخارجة عن سيطرة المغرب. وتعيش المخيمات – التي تضم نحو 165 ألفاً حسب مصادر “وزارة الداخلية الصحراوية” – حال تململ وضيق بحياة اللجوء والعيش تحت الخيم منذ 20 سنة. ولا ينفي المسؤولون في بوليساريو ذلك.

رهان على انفجارات

وقال وزير داخلية الجبهة عبدالقادر ولد الطالب عمر لـ “الوسط”: “هناك تململ من حال اللجوء، ولكن ليست له أية صبغة سياسية فهناك إجماع على ضرورة تحقيق الهدف”. ويعتقد مسؤول آخر بأن حال اللاحرب واللاسلم المستمرة منذ اعلان وقف النار في أيلول سبتمبر 1991 “تخلق اجواء من القلق في النفوس، فهناك من تصوروا ان السلام على الأبواب، لكنهم أصيبوا بالاحباط بعدما طال الانتظار، وبدا ان الأمم المتحدة عاجزة عن الاسراع في تنفيذ مخططها”.

وقالت غليلة عضو “اتحاد الشبيبة الصحراوية”: “نحن متعبون ولكن ماذا في اليد؟ ان علينا ديناً لشهدائنا ونحن مرغمون على الوفاء به”.

وتراهن المملكة المغربية على عامل الزمن، وهناك من يأمل بأن تتساقط قيادات “بوليساريو” واحدة تلو الاخرى، وأن تحدث انفجارات داخل المخيمات بمرور الزمن، خصوصاً بعد موجة الانضمام الى المغرب التي شهدتها الجبهة اثر خلافات عصفت بقيادييها وانتهت بإحكام “الرئيس” محمد ولد عبدالعزيز ومساعده بشير مصطفى السيد قبضتهما على الاوضاع، وانتقال قياديين الى الرباط، ما فتح الباب أمام خروج كثيرين من المخيمات.

وتشجع الاغراءات التي يقدمها المغرب الى العائدين جميع الذين يستاؤون من الاوضاع ويفكرون في الخروج. ويعتقد بعض المراقبين بأن الزمن ليس في مصلحة “بوليساريو” بسبب صعوبة استمرار الحياة في مخيمات الحمادة وصعوبة السيطرة على احباطات اللاجئين، والشعور المتنامي في اوساطهم بالضيق من الرقابة الصارمة التي تفرضها السلطات على تحركاتهم، اضافة الى حال التمزق التي تعيشها الجزائر، البلد الذي فرض القضية الصحراوية في سنواتها الأولى، وظل السند القوي للجبهة.

ويقلل المسؤولون الصحراويون من أهمية هذه الافتراضات، وحالات الانتقال الى المغرب. وقال رئيس الجبهة محمد ولد عبدالعزيز لـ “الوسط”: “لا يملك الذين فروا الى المغرب الا أنفسهم. ولا يمثلون تياراً داخل الشعب الصحراوي”. وأضاف: “تعلم الصحراويون من سنوات الكفاح، وأقاموا دولة لها اجهزتها القوية في ميادين القتال والادارة، والشعب الصحراوي موحد خلف الجبهة، ويجمع على ضرورة الاستقلال”.

وتابع: “المغرب يروج ان الجبهة منهكة، منتهية… الجبهة متناحرة، واللاجئون في ظروف قاسية ويريدون الهرب… هذه أمور من شأنها تشجيع المغرب على اعطاء الصحراويين فرصة اختياره عبر الاستفتاء، فلماذا يعرقله”؟

وقال وزير داخلية “بوليساريو” لـ”الوسط”: “عرف التاريخ ارتداد كثيرين عن مثل سياسية ودينية آمنوا بها فترة طويلة، ولسنا أول حركة يرتد بعض منتسبيها”. ويضيف: “انضم بعض قياديينا الى المغرب، هذه مسألة طبيعية، فهناك من تعب وهناك من بحث عن الرفاه خارج المخيمات، ولا يوجد مجتمع منسجم انسجاماً كاملاً. هناك دائماً تناقضات يختلف الناس على طرق حلها، والمهم ان الغالبية متفقة على مواصلة الكفاح”.

وعن علاقات نظام حكم الجبهة بسكان المخيمات قال الوزير: “التعددية السياسية ليست ممكنة الآن بسبب أوضاعنا الخاصة، على رغم اقتناعنا بفشل النماذج الاخرى. نحن لا نأخذ بنظام التعددية لكن الأمور هنا تديرها لجان شعبية ومؤتمرات، والمواطنون يختارون مسؤوليهم وينتقدونهم بحرية”.

وأضاف: “هناك اشاعات عن وجود محتجزين، وسلطة على رقاب الناس، وأنه ليس هناك شعب يطالب إنما جماعة متسلطة فحسب. وردنا على اصحاب هذه الاشاعات ان يأتوا الى هنا لمشاهدة الأوضاع على الطبيعة، وأن يعملوا على تنظيم استفتاء يحسم فيه الصحراويون الجدل. ان الموجودين هنا أتوا عن اقتناع، وهم يطرحون وجهات نظرهم بحرية تامة حتى في المسائل المتعلقة بالتحرير، وهناك من يطالب بتجاوز مخطط الأمم المتحدة، خصوصاً المقاتلين”.

مقر القيادة مغارة

وتقول الدكتورة حياة غناه الله الطبيبة في أحد المستشفيات العسكرية التابعة لـ “بوليساريو”: “في الماضي كان هناك شعور بالضغط. كانت الأعصاب متوترة نتيجة المعايشة اليومية للموت… وكان بعضهم يجد الأعداء والجواسيس وسط الناس. في البداية كانت هناك عسكرة وفرض انضباط، وكانت الجبهة حادة في تعاملها مع الناس، وفرض التجنيس على النساء والاطفال … ارتكبت اخطاء راح ضحيتها كثيرون، وتعود في رأيي الى الظروف الصعبة والتجربة المحدودة لدى المسؤولين في تلك الفترة التي استمرت سنوات. اما الآن فالأوضاع عادية وليس هناك أي إكراه أو ضغط”.

وأشارت الى حرية التنقل، قائلة: “ما زلنا في حرب ويترصدنا كثير من الأخطار حتى من الموريتانيين الذين نختلط بهم أكثر، فمنهم من يؤيد المغرب، ويمكنه تخريب صفوفنا من الداخل، لذلك فان أذونات الخروج ضرورية، وهي ميسرة عموماً لمن يقدم مبرراً معقولاً”.

يبدو المقاتلون اكثر تشدداً من السياسيين، ويرابط ما يعرف بـپ”الجيش الشعبي الصحراوي” في الأراضي التي لا تخضع لسيطرة المغرب وتسميها “بوليساريو” “الأراضي المحررة”. ويتوزع المقاتلون على سبع حاميات عسكرية أقيمت على مسافات متفاوتة من خط الدفاع الذي بناه المغرب حول المناطق الخاضعة لسيطرته، لمنع تكرار عمليات نفذتها “بوليساريو” واستطاعت خلالها ترحيل اعداد من السكان الى مخيمات اللاجئين. وعلى رغم ان المقارنة ليست واردة بين جيش المغرب وقوات “بوليساريو”، فان الجبهة مدربة وتملك أسلحة جيدة نسبياً، وهي منسجمة مع طبيعة الأرض.

قال القائد الصحراوي الحبيب ولد علي سالم لـ “الوسط” في مغارة يتخذها مقراً له قرب بلدة تفاريتي: “لن يغفر الشعب الصحراوي لمن يدفع بأبنائه الى الموت ثم يهرب”، في اشارة الى المدنيين الذين ذهبوا الى المغرب. وأضاف: “إن مجتمع البظان سكان الصحراء وموريتانيا وجنوب المغرب وشمال مالي لا يرحم ولا ينسى. وليعلم الهاربون أنهم انقطعوا عن أصولهم سواء استقلت الصحراء أو انضمت الى المغرب”.

ويعتقد قائد الفيلق يربه ولد محمد ان فترة الانتظار طالت، “فنحن على هذه الحال منذ سنوات، وآن الأوان لانتهاء فترة اللاحرب واللاسلم”. ويبدو محمد الأمين ولد البهالي – الذي كان وزيراً للدفاع في “بوليساريو” ويقود الآن الناحية العسكرية الثانية – اكثر صراحة وشكوكاً في السلام: “انا لست من محبي الحرب لكنني أكره أن أدور في حلقة مفرغة. وعلى رغم انني لا أدعو الى الغاء خطة السلام فأعتقد بأن البحث عن السلام ينبغي ان ينطلق من حقائق الواقع. ولا أرى امكاناً للحل الذي يتحدثون عنه”.

وأقرّ بأن الفراغ يشكل خطراً على المقاتلين، وقال: “لم يكن الجيش يتوقع الانتظار هذه المدة الطويلة، بل كان يتوقع الاستفتاء خلال 6 شهور من وقف اطلاق النار… الإنسان الصحراوي يكره الانتظار، يخاف الفراغ، يريد الحركة، ويمقت الروتين… والمقاتل مع هذا يتحمل اذا كان الانتظار سيأتي بالسلام العادل”.

النصر المستحيل

وتابع ولد البهالي: “لم نسمح للفراغ بأن يتسلل الى نفس المقاتل، ونحاول الاستفادة الى اقصى حد باعادة هيكلة الجيش، وبناء مؤسسات تعليمية عسكرية، ومضاعفة التدريبات لتحسين المستوى القتالي لدى المقاتلين، وايفاد بعضهم في دورات تدريبية الى الخارج”. وأعرب عن اعتقاده بأن فترة وقف اطلاق النار “لا تؤثر مطلقاً في المستوى التعبوي لدى المقاتلين، فالوضع على حاله. ونواصل التعبئة وتأمين الذخائر وتعويض النقص البشري”. ورأى ان “العودة الى الحرب واردة في أي وقت”.

واعتبر البهالي الذي يعد أحد المؤسسين الأوائل لـ “بوليساريو” انه ليس سياسياً، “أنا مقاتل، أفهم اكثر في شؤون الحرب، وعلى رغم تشاؤمي أرى ديناميكية، لأن الأمم المتحدة تأتي من حين الى آخر بالجديد، واعتقد بأن لدى كثيرين أملاً ولو ضئيلاً”. غير أنه تمنى عدم الوصول الى طريق مسدود “لأن الأوضاع ستنفجر”. وتابع: ان حصيلة 20 سنة من الحرب تجعلني أؤمن بأن الحل العسكري ليس ممكناً … طور الطرفان قدراتهما، لكن نصراً عسكرياً ساحقاً هو أمر مستحيل، وكل ما هو ممكن لا غالب ولا مغلوب”.

ويشك كثيرون في قدرة “بوليساريو” على الاستمرار نظراً الى التغييرات الكثيرة التي شهدها العالم وأثرت سلباً في التحالفات التي اقامتها الجبهة، خصوصاً مع دول المعسكر الاشتراكي السابق، ومع كثير من الدول الافريقية. ورأى مسؤولون فيها ان علاقاتهم بالمعسكر الاشتراكي “كانت ضارة اكثر منها مفيدة، اذ اعتبرتنا الدول الغربية اعداء لها في حين لم تقدم الينا الدول الاشتراكية أي شيء”.

وتعمل “بوليساريو” جاهدة لكسب ود الدول الغربية، وينشط مندوبوها في العواصم الاوروبية من دون ان يحققوا كما يبدو نتائج مهمة على المستوى الرسمي. لكنهم اقنعوا هيئات خيرية في الغرب بتقديم الدعم الغذائي، واقنعوا منظمات شعبية بتقديم المساندة السياسية.

ويبدي المسؤولون ارتياحاً حذراً الى ما يعتبرونه موقفاً اميركياً “مقبولاً” من نزاع الصحراء، ويعتقدون أن الولايات المتحدة “جادة في دعم خطة السلام”. لكنهم لا يتحمسون الى الحديث عن مواقف الدول العربية المشرقية من النزاع. فموضوع الصحراء لم يثر اهتماماً يذكر لدى الجامعة العربية، والعكس صحيح بالنسبة الى منظمة الوحدة الافريقية التي اعترفت بـ “الجمهورية العربية الصحراوية” بعد صراع بين اعضاء المنظمة انتهى بتجميد المغرب عضويته فيها. وعلى رغم رحيل الكثير من الرؤساء الافارقة الذين كانوا على رأس الحكم في بلدانهم حين قبلت “بوليساريو” عضواً في المنظمة، وكذلك المستجدات على الساحة الدولية، فان جهوداً مغربية لطرد “الجمهورية الصحراوية” من المنظمة لم تفلح.

وتتخذ الدول العربية المشرقية عموماً مواقف مؤيدة للمغرب في تأكيده ان الصحراء أرض مغربية عادت الى السيادة بعد خروج الاسبان. ولا تبدي هذه الدول اهتماماً كبيراً بنزاع الصحراء الذي يكتسب أهمية قصوى لدى الدول المغاربية. فهو من جهة يهدد أمن المغرب والجزائر وموريتانيا، ويمنع، من جهة ثانية، انطلاق مشروع “المغرب العربي الكبير” الذي يراوح مكانه منذ تأسيس “اتحاد دول المغرب العربي” العام 1988.

ويتفاوت ارتباط الدول المغاربية بالنزاع تبعاً لموقعها منه، اذ ظلت تونس أقل الاقطار المغاربية تورطاً فيه، بينما تدخلت الجماهيرية الليبية لمصلحة “بوليساريو” فترة، وابتعدت في مرحلة لاحقة. أما الدول المعنية بالنزاع فهي المغرب الذي يسيطر على أجزاء من الصحراء ويطالب بالسيادة عليها كلها، والجزائر وهي السند الرئيسي لـ “بوليساريو”، وموريتانيا التي احتلت في السبعينات اجزاء من الاقليم ثم انسحبت في محاولة يائسة للابتعاد عن النزاع.

ويرى بعض المراقبين ان المحيط الجيو – سياسي للصحراء لا يدعو الى الاعتقاد بأن “بوليساريو” يمكنها ان تعول على دعم يسمح لها بالاستمرار في القتال بوتيرة مشابهة لما قبل وقف اطلاق النار، في حال فشل خطة السلام التي تشرف عليها الأمم المتحدة.

دور الجزائر

ويشير المراقبون الى ان الدول المغاربية تضيق ذرعاً بالنزاع الذي يحول بينها وبين قطع خطوات على طريق التكتل والاندماج. ويلفت هؤلاء الى عجز الجزائر في ظروفها السياسية والاقتصادية الحالية عن اعطاء “بوليساريو” ما أولتها اياه من اهتمام في مرحلة سابقة. لكن المسؤولين الصحراويين يقابلون هذه المقولات بالاستهزاء ويعتبرونها “موغلة في السطحية”.

وقال قيادي صحراوي بارز لـ “الوسط”: “هذا تحليل سقيم، الشعب الصحراوي ليس ضيفاً خفيف الظل يزول بتعاقب الانظمة في هذا البلد أو ذاك، أو بتغيّر الاوضاع السياسية في أي بلد. انها قضية متجذرة لها امتداداتها في منطقة المغرب العربي بكاملها وخلفها رجال. والطريقة الوحيدة للتخلص منها هي التوصل الى حل متفق عليه”. وأكد ان “القضية الصحراوية بالنسبة الى الجزائر مسألة عدالة، وشرف، وهي قضية الشعب الجزائري أياً تكن ظروفه وحكامه”.

وعن الدور العسكري للجزائر قال قائد الناحية العسكرية الثانية في قوات “بوليساريو” ولد البهالي: هناك مبالغة في الدور العسكري للجزائر في حرب الصحراء، فليس صحيحآً وجود ضباط جزائريين في الميدان”. لكنه أكد “ان هناك تدريبات عسكرية، كما ان الاكاديميات العسكرية الجزائرية خرجت المقاتلين والقادة في جيشنا”

وأضاف: “نعمل منذ سنوات على تهيئة ظروف الاعتماد على الذات في كثير من الامور. وافتتحنا مؤسسات عسكرية خاصة بنا. ونعمل على بناء المزيد. والذين يدرسون في مدارسنا صحراويون تخرجوا في الاكاديميات الجزائرية”.

تهديدات موريتانيا وزوابع الصحراء

يبدو الصحراويون أقل ارتياحاً الى الموقف الموريتاني، وعلى رغم ذلك لا يوجه المسؤولون انتقادات علنية الى الحكومة الموريتانية، بل يعربون عن الارتياح لأن “موريتانيا البلد الوحيد الذي يفتح حدوده للصحراويين من دون رقابة”. لكنهم لا يخفون شعوراً بأن المنتظر من هذا البلد أكثر مما يقدم.

وكانت موريتانيا اقتسمت الصحراء مع المغرب العام 1976 لكنها انسحبت بعد ثلاث سنوات من الحرب، واعترفت بـپ”الجمهورية الصحراوية” العام 1984. وعلى رغم مرور اكثر من عشر سنوات على هذا الاعتراف، فإن الموريتانيين لم يسمحوا بأي تمثيل رسمي للحكومة التي يعترفون بها، وظلوا يحيطون اتصالاتهم بـپ”بوليساريو” بقدر من السرية.

ومع انسحاب موريتانيا من النزاع وإعلانها الحياد فإنها ظلت غائصة في رمال الصحراء رغماً عنها، ما جعلها على الدوام عرضة للاتهامات من الطرفين. فهي – في نظر المغاربة – قاعدة خلفية تقدم الرجال والتسهيلات العسكرية والامن الى مقاتلي “بوليساريو” في حربهم ضد المملكة المغربية. وفي نظر الصحراويين مقصرة ورافضة مد يد العون ومتنكرة لصلاتها “بالشعب الصحراوي”. وقلّ ان خلت فترة من أزمة مع المغرب أو “بوليساريو”.

ومنذ رحيل الادارة الاستعمارية الاسبانية عن الاقليم ظلت موريتانيا ترقص على وقع النزاع الصحراوي الذي تحكم بسياستيها الخارجية والداخلية. وارتبطت نواكشوط في عهد الرئيس المدني المختار ولد داده الذي “اقتلعته” زوابع الصحراء بمحور الرباط – داكار – باريس. بينما شهدت علاقات العاصمة الموريتانية اسوأ فتراتها مع محور الجزائر – بوليساريو – طرابلس الذي كان قبل الأزمة الحليف القوي للنظام. ووضع نظام ولد داده مؤيدي محور الجزائر في خانة “أعداء الوطن” وسجنهم ولاحقهم.

وتحكم النزاع الصحراوي اكثر في الشؤون الداخلية والخارجية منذ سقوط ولد داده وإبرام العسكريين اتفاق سلام مع “بوليساريو”. وتأرجح الموقف بين موالاة هذا المحور أو ذاك تبعاً لميول الضابط الذي يحكم موريتانيا، وتبعاً لتحالفاته الداخلية، وبين حياد معلن لكنه مستحيل في الواقع.

وعلى وقع الأزمة الصحراوية شهدت موريتانيا سلسلة من الانقلابات والمحاولات الانقلابية الفاشلة، ونظمت الحركات السياسية تظاهرات ومسيرات وامتلأت السجون بالناس، وطورد آخرون على اساس تبني المشكلة الصحراوية أو عدمه، والبعد والقرب من المغرب أو “بوليساريو”.

موريتانيا للبظان

ومثلما يقتنع الموريتانيون بأن الصحراويين مواطنون في دولة اخرى، لهم ما للمواطن في تلك الدولة وعليهم ما عليه، فإنهم مقتنعون ايضاً بأن المنطقة واحدة، وبأن “موريتانيا للبظان” أياً كانت بلادهم الأصلية. ويدرك الموريتانيون أنهم مهما فعلوا لن يستطيعوا التملص من كثبان الصحراء لأن العلاقة لا تقتصر على احتلال موريتانيا اجزاء من الاقليم والانسحاب منها. فهناك حقائق اخرى منها ان كثيرين من الموريتانيين يشكلون نوعاً من القاعدة الخلفية لـ “بوليساريو”، وهناك موريتانيون يموتون على الجبهة الى جانب الصحراويين. وثمة أسر موريتانية تمزقت بعدما هرب الأطفال مع أمهاتهم أو آبائهم الى مخيمات الحمادة. وهناك اخوة يقيمون في موريتانيا ويلعبون أدوارهم كاملة في مؤسسات الدولة الموريتانية بينما يحمل اخوتهم السلاح الى جانب المقاتلين الصحراويين. واندلعت حرب الصحراء على بعد “أمتار” احياناً، وبضع كيلومترات اخرى، من اهم المرافق الاقتصادية الموريتانية ميناء نواذيبو الذي يشحن منه الحديد الى الخارج، وتتركز فيه أنشطة قطاع الصيد، والسكة الحديد التي تنقل المواد الخام الى ميناء الشحن.

ويعتقد محللون بأن انشغال الجزائر بمشاكلها الداخلية يرشح موريتانيا لتكون مركز الثقل في النزاع الصحراوي، ويرى هؤلاء ان هذا البلد مرشح لتحمل بعض مضاعفات النزاع سواء نظِّم استفتاء لتقرير المصير ام لم ينظم، وأياً كانت نتائجه. ويقولون انه لو نظم الاستفتاء وكانت نتائجه لمصلحة المغرب، فإن كثيراً من الصحراويين سيتجهون الى موريتانيا، وهذا ما سيجعل العلاقات الموريتانية – المغربية عصيبة. ويخشون من انه اذا لم يجر الاستفتاء واستمرت الجزائر في وضعها الصعب فستبقى موريتانيا – “شاءت أم أبت” – الملاذ الأخير للصحراويين في حال عجز السلطات الجزائرية عن مواصلة تقديم الدعم والملجأ.

ويقول المسؤولون في “بوليساريو” انهم يتفهمون الموقف الموريتاني الصعب، ولا يريدون احراج نظام الرئيس معاوية ولد سيدي احمد الطايع “الذي يرغب في إقامة علاقات متوازنة مع الجميع”.

وأوضح رئيس الجبهة محمد ولد عبدالعزيز في حديثه الى “الوسط” عن طبيعة العلاقة مع موريتانيا: “ان موقف موريتانيا العام 1975 كان بسبب خطأ في التقدير … ولا أتهم الحكومة الموريتانية آنذاك بأنها صنيعة اجنبية، لقد وضعت مصلحة بلادها فوق كل شيء، بعدما ابلغها المغرب انه سيحتل الصحراء معها أو من دونها، والنتيجة معروفة”. ويضيف: “الآن علاقاتنا جيدة ونتبادل الاحترام بعدما صححت موريتانيا خطأها بالانسحاب من أرضنا”.

لكن تصريحات غير رسمية تقول ان الحياد الموريتاني يقتضي معاملة “الجمهورية الصحراوية” بالتساوي مع المغرب. ويشكو الناس العاديون من سكان المخيمات والمقاتلون مما يعتبرونه “تقصيراً صارخاً من موريتانيا”. ولا يقتصر الانتقاد على السلطة بل يتجاوزها الى الشعب الموريتاني عموماً.

وتعتقد الدكتورة حياة بنت احمد ولد غناه الله وزير الصحة السابق في موريتانيا “ان الموريتانيين لا يدركون واجبهم، ولا اهمية قيام دولة صحراوية … وحكومتهم تتخذ اجراءات غير مفهومة ضد الصحراويين”. وأشارت الى “السرية التامة التي تحاط بها زيارات المسؤولين الموريتانيين للمخيمات، وامتناع وسائل الاعلام الموريتانية الرسمية عن ذكر اي اخبار تخص الجبهة”. وتضيف الطبيبة التي هاجرت مع امها الصحراوية وهي طفلة ان “فتح الحدود امام الصحراويين مسألة عادية تمليها المتطلبات الانسانية، والموريتانيون لا يقومون بواجبهم”.

صراع جزائري – ليبي

وتعتبر ليبيا احدى دول الجوار المغاربية التي ارتبطت بالنزاع في وقت ما، وقدمت الى “بوليساريو” في اعوامها الاولى اسلحة واموالاً، ودرّبت عدداً كبيراً من كوادرها العسكرية، وساهمت في تعليم ابناء اللاجئين في مدارسها. لكن العلاقات بين الجبهة والنظام الليبي لم تستمر لأسباب عدة، منها تصفية “بوليساريو” العناصر القومية الداعية الى تعاون اوسع مع الجماهيرية، والصراع الخفي بين ليبيا والجزائر. وربما كان ذا اهمية بالغة في تدهور العلاقات بين الطرفين ان “بوليساريو” من الحركات القليلة التي ترفض ان يكون لها نشاط خارج بلدها. وكان “الاتحاد العربي الافريقي” الذي اقامه العقيد معمر القذافي مع الملك الحسن الثاني الضربة القاضية على صلات ليبيا بالجبهة.

وحاول قادة “بوليساريو” احياء العلاقات مع الجماهيرية، لكن مستواها الآن لا يتجاوز تقديم منح دراسية الى ابناء اللاجئين، ولا يتوقع ان تشكّل ليبيا في المستقبل سنداً للصحراويين.

محاولات تهدئة

وعلى رغم اعتقاد بعضهم بأن السلام لا يبدو قريباً، فإن الانطباع الذي يخرج به المراقب من “جمهورية بوليساريو” ان الانظار تتجه الى الاستفتاء باعتباره لحن الختام اللازم لمعزوفة الالم المستمرة منذ 20 سنة، وهناك اقتناع بقبول النتائج اياً تكن.

وتجاوز اللاجئون حال الغليان النفسي والاستعجال التي صاحبت الفترة الاولى من وصول الامم المتحدة الى الاقليم في اطار الاعداد للاستفتاء، وتحولوا الى حال الانتظار الثقيل الممتزج بالاحباط والشك. وتعمل السلطات على تهدئتهم بالتركيز على ان السلام ليس قريباً. ومع مشاعر الاحباط غذى بدء الامم المتحدة عمليات تحديد الهوية املاً لا يميل الناس هنا الى الركون اليه لكثرة ما يساورهم من شكوك في المنظمة الدولية، ولكثرة العراقيل التي تواجه خطة السلام.

وافتتحت الامم المتحدة منذ فترة مكاتب لاعداد قوائم الناخبين في المناطق الخاضعة للمغرب و”بوليساريو” وفي موريتانيا التي توجد فيها جالية صحراوية كبيرة. ونشط كل من الطرفين في تسجيل اكبر عدد من الذين يعتقد انهم يوالونه، وتبادلا التهم في شأن تسجيل من هم ليسوا صحراويين.

وابلغ المغرب الامم المتحدة تحفظه عن القوائم المسجلة في موريتانيا، في حين قالت “بوليساريو” ان المغاربة يعملون على تسجيل قبائل مغربية في قوائم الناخبين. وتعتمد الامم المتحدة آخر احصاء اجرته الادارة الاسبانية، ويحدد عدد الصحراويين بـ 70 ألفاً، لكن المغرب طالب بتسجيل 120 ألف شخص يعتبرهم صحراويين نزحوا اليه خلال الفترة الاستعمارية. ويبدو الطرفان متفقين على توسيع قوائم الناخبين، الا ان “بوليساريو” تقول ان هامش الخطأ ينبغي الا يتجاوز 15 في المئة.

هكذا يبدو الوضع في “جمهورية بوليساريو”. فماذا لو فشلت جهود السلام؟ الصحراويون يردون بأن الوضع سيكون أخطر على الصعيد المغاربي، “وربما ضمت بوليساريو المستقبل جزائريين وموريتانيين وماليين”.

تفاصيل النشر:

المصدر: الوسط

الكاتب: الشيخ بكاي

تاريخ النشر(م): 13/11/1995

تاريخ النشر (هـ): 20/6/1416

منشأ: الصحراء الغربية – جنوب الجزائر

رقم العدد: 198

الباب/ الصفحة: 34 – 35 – 36 – 37 – 38 – 39 – المغرب – بوليساريو

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم

6 آراء على “البوليساريو جمهورية في ثلاثة بلدان.. النصر المستحيل والخوف من الفراغ”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.