آراءمواضيع

القلعة المسحورة

صرخت شهرزاد : قصصك لم تعد تمتعني يا شهريار ، فاحذر ..
امتقع و جه شهريار و قال : لقد بذلت قصارى جهدي ياسيدتي !.
أجابته بصوت جمع بين النعومة و الغضب و السخرية : الليلة فرصتك الأخيرة يا ملك الرجال !! ،احك لي قصة مسلية و إلا حولت أمرك إلى مرجانة و صاحباتها ، و أمرتهن أن يرموك كجوال بصل متعفن في أعماق الجب ؟ .
أخذ شهريار المسكين يتطلع إلى مرجانة التي تقف عند رأسه ، العبدة السوداء الشرسة ، و كانت تحمل عصا غليظة أثقل من شهريار ، فتخيلها تهوي بها على ظهره ، فارتعد .

  حسن ، ما رأيك بقصة شمس الدين و القلعة المسحورة .

  احكها أولا ثم سنحكم عليها .
تنفس شهريار بعمق ثم قال مرتبكا : بلغني يا مليكة قلبي ، و مهجة فؤادي ، و نخاع عظامي ….

  اختصر أيها الرجل ، ادخل في الموضوع مباشرة .

  حاضر ، حاضر .

 

( 1)

في قديم الزمان ، و سالف العصر و الأوان ، عاش التاجر شعبان ، في قرية صغيرة تطل على الساحل من جهة الشرق ، و تحيطها الصحراء من الجهات الأخرى ، توفي فجأة عن عمر ناهز الأربعين ، و ترك أرملة و ابنا مراهقا اسمه شمس الدين .
مضت الأيام و قامت الأم بتربية ابنها أحسن تربية ، و أدخلته إلى المدارس الرومية ، و صار الولد متمدنا ، يرطن باللاتينية ، دونا عن العربية ، كما أنه أصبح مثل أبيه ، تاجرا ثريا ، له في كل قرية تجارة و صناعة .
ذات يوم اخترق شمس الدين الصحراء برفقة غلامه ، نحو قرية مجاورة له فيها مصلحة ، فوجئ في قلب الصحراء بقلعة ضخمة ، متشحة بالسواد ، يراها لأول مرة .
فهتف متعجبا مخاطبا غلامه : من أين جاءت هذه القلعة ؟! ، إنها لم تكن موجودة في رحلتي الأخيرة قبل شهرين ؟! .
قال الغلام بانبهار يشوبه خوف : فعلا ، و أنا كذلك أراها لأول مرة !!!.
قال شمس الدين بعد تفكير عميق : ربما كانت هي القلعة المسحورة ، التي تظهر ليوم واحد كل ألف عام ، و هي مليئة بالجواهر و الأموال .
هز الغلام كتفيه : لا ادري ، من الأفضل أن نواصل طريقنا يا سيدي .

  كلا ، لنرى القلعة عن قرب ، ثم نواصل مسيرنا .

  و لكن يا سيدي …

  لا نقاش حول الأمر أيها الغلام .

 
واقترب الرجلان من القلعة ، لم تكن هناك ثمة نافذة منخفضة تتيح لهما النظر داخلها ، فقط جدار أسود مصمت ، و صمت مريب ، و بعد بحث استغرق دقائق طويلة ، وجدا بابا خشبيا ضخما ، مفتوحا على مصراعيه ، في الواجهة الأمامية للقلعة .

حاول شمس الدين أن يخترق القلعة بعينيه ، لكن الظلام الدامس – على الرغم من شمس الظهيرة التي تلهب جسده – منعه من رؤية أي شيء ، أما الغلام فأخذ يبسمل و يحوقل ، لأنه كان واثقا ، من أن هذه القلعة مرتع للعفاريت و الجان .

قال شمس الدين للغلام و هو يخترق البوابة الخشبية و الظلام : حسن ابق هنا ، سألقي نظرة و أعود .
هز الغلام رأسه موافقا ، متنفسا الصعداء ، و للحقيقة يجب أن نسجل ، أن شمس الدين لم يطلب من الغلام عدم مرافقته ، رأفة به ، أو حرصا على مشاعره ، أبدا ، إنما السبب الحقيقي هو أنه لم يرد أن يشاركه أحد ، في ما سيجده من كنوز وأموال ، في قلب القلعة .

و ما أن دخل شمس الدين القلعة ، حتى انغلق الباب فجأة دون سبب معروف ، فشعر أخونا بكثير من الخوف ، و عاد إلى الباب و أخذ يضربه بقبضتيه ، مولولا ، باكيا ، مناديا الغلام ، دون مجيب .
مرت لحظات ، ثم انقلبت ظلمة القلعة ضياء ، كأن شمسا صغيرة أشرقت داخلها ، فكف شمس الدين عن البكاء و أخذ يلتفت حوله ، فرأى موائد طويلة عامرة ، بأصناف الطعام و الشراب ، و الخمر المعتق ، و اكواب و أباريق من ذهب ، و اكثر من هذا ، رأى امرأة كفلق القمر ، ترتدي لباسا ، يصف و يشف أكثر مما يستر .

ابتسمت المرأة و قالت بدلال : مرحبا شمس الدين في قلعتي المسحورة .
ابتلع شمس الدين ريقه و قال : مرحبا ، لكن… ، لكن من أنت ؟!
قالت المرأة بصوت مثير : أنا جاريتك نور الصباح ، أعيش وحيدة في هذه القلعة ، أحتاج إلى من يؤنس و حشتي .

  حسن سيدتي ، أعتذر لأني اقتحمت خلوتك ، سأعود الآن إلى أهلي .

  كلا ، إنها قلعة مسحورة و الباب لا يفتح إلا مرة كل عام ، فعليك أن تقبل البقاء راضيا بقدرك ، و إلا تحولت لتمثال من حجر .

 

  عام كامل ، ياله من زمن طويل ، ماذا أفعل طوال هذا الوقت .
اقتربت منه نورالصباح و أخذت تعبث بشعره ، ثم قالت بغنج : مارس صنعة الديك .
فدهش شمس الدين و قال : و ما صنعة الديك ؟!

فأجابته و هي تغمز بعينها و تداعب ذقنه : كل واشرب و انكح .
فدهش شمس الدين ، و احمر وجهه خجلا ، ثم نظر مليا إلى ملاحة نور الصباح و جمالها ، و صباها ، و أخيرا لم يجد مناصا من ممارسة دوره ، كديك شاطر ، فالطعام موجود ، و الشراب متوفر ، و نور الصباح هنا .

(2)

مر الوقت سريعا على شمس الدين ، و تمنى لو تطول المدة أكثر فأكثر ، إلا أن نورالصباح أمرته متذمرة في نهاية العام بمغادرة القلعة ، و إلا حولته إلى كلب مصاب بالجرب ، فلم يجد صاحبنا بدا من الإذعان ، و بينما كان يغادر القلعة ، هتفت به نور الصباح قائلة : نسيت أن أخبرك ، أن عاما في القلعة ، يساوي ألفا خارجها ، أياما سعيدة يا حبيبي .

غادر شمس الدين القلعة ، فلم يجد صحراء تحيط به من كل اتجاه ، بل رأى أرضا مرصوفة بمادة سوداء غريبة ، عندما حاول أن يتفحصها ، فوجئ بعربة تسير بلا حصان ، زمجرت في وجهه ، و كادت أن تزهق روحه ، أما في الجو فرأى طيورا عملاقة تنفث الدخان ، و الرعب .

دخل سوق المدينة ، فوجئ بالملابس الغريبة التي يرتديها الناس ، ثم تعجب اكثر و أكثر حينما رأى الكاسيات العاريات ، المائلات المميلات ، فقال : ما اكثر الجواري في هذا العصر .

لأن الحرة لا تكشف عن شعرها و ساقيها في ظنه ، فيما بعد علم أنهن لسن بجواري ، إنما هي الموضة ! .
و اطلع ذات صباح على اختراع يسمونه الجريدة اليومية ، و كذا قناة الجزيرة ، و تعجب كيف يجتمع كل هؤلاء الرجال و النساء داخل صندوق أسود ، لكنه على أي حال استفاد علما و معرفة ، علم أن زلزالا و طوفانا اجتاح شرق آسيا ، فقتل ما يصل إلى مئتي ألف تقريبا ، و دهش كثيرا لتردد الدول الإسلامية في تقديم المساعدات ، ثم استغرب أن تقدم أمريكا 350 مليون دولار فقط!!! ، لمئات الملايين من البشر المنكوبين ، بينما قدمت برحابة صدر مايقارب مئتي مليار دولار ، لاحتلال العراق رأفة بشعبه !.

سمع كذلك عما يحصل في فلسطين و الشيشان و أفغانستان و السعودية ، و سمع عن الخلافة الإسلامية التي أصبحت من تراث الماضي ، و عن التضامن العربي الذي اغتيل بأيدي الحمقى ، فأصابه الرعب و الأسى ، و أخذ يسير في الشوارع و الميادين مبشرا و داعيا ، إلى أن يعود العرب و المسلمون كما كانوا قبل ألف سنة ، أقوياء ، مرهوبي الجانب ، و أثارت دعوته صدى و ضجة في أرجاء المجتمع .

في ليلة بلا قمر أيقظه أحدهم بركلة على رأسه ، ثم وضعوه في سيارة مغلقة و حملوه بعيدا ، نحو منطقة نائية في الصحراء ، شاهد شمس الدين مبنى أسود اللون ، مظلما ، فهتف بسعادة : يا إلهي ، إنها القلعة المسحورة ، أشكركم يا سادة ، فعالمكم لم يعجبني على أية حال .

ألقوه في زنزانة باردة ، مساحتها متر في متر ، و ارتفاعها بنصف قامة الإنسان ، مما اضطره إلى أن يزحف على بطنه ، و تناوب الماء الساخن ، و البارد في التسرب إليه من فتحات مختلفة ، و الكهرباء أصبحت صديقه و أليفه .

بعد أيام ، أخذوه نحو غرفة التحقيق ، فقال له ضابط المخابرات و هو يصفعه : ما هو التنظيم الذي تنتمي إليه يا هذا ؟! .
فغر شمس الدين فكه ببلاهة و قال : تنظيم ، ماذا تقصد .
بدأ الجنود ينزعون عنه ملابسه ، حتى تركوه عاريا إلا من ملابسه الداخلية و الضابط يصرخ : لا تسخر منا يا رجل ، و إلا مارسنا معك لعبتنا المفضلة .
هنا انفجرت خلايا مخ صاحبنا و اختلطت معلوماته ، فلم يعد واعيا لما يحصل حوله ، و أخذ يردد دون وعي : أين أنت يا نور الصباح ، أين أنت .

  من هي نور الصباح ؟! أهي مسئولتك في التنظيم ؟! هيا تكلم .

  يالها من أيام جميلة ، كنت كالملك ، أمارس صنعة الديك .

 
احمرت عينا الضابط غضبا و هو يصرخ : إنه يهزأ بنا هذا القذر ، حسن سنعلمه اليوم كيف يصبح مجرد دجاجة .

أمر الجنود بأن ينزعوا عنه لباسه الداخلي ، ثم بدؤوا يحلون أحزمة سراويلهم ، و غطت الظلمة كل شيء ، و ضلت الإنسانية سبيلها .

العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.