آراءمواضيع

محاذير “التموقع” وأخطار “التقوقع”

من المعروف أن المرجع الرئيس للأنشطة الدبلوماسية هو العوائد، وأن المحرك لها هو العوائد، فمما تعارفته الأمم وتداولته المجتمعات من طرق وأساليب تَشكَّلَ علمُ الدبلوماسية، وبقدر ما يرتقب من المكاسب والفوائد ينشط المعنيون بالملفات الخارجية وعلاقات الدول بعضها مع بعض، ولم تعرفْ هذه المَهمة الراقية تطورا في تاريخها كالذي تشهده في العصر الحاضر، فأضحت تتأثر سلبا وإيجابا بعوامل مختلفة، وباتت مقادير الواردات من السلع وصادراتها مُمدا لأي دبلوماسية تمهيدا لعقد الصفقات وتبادل الخبرات، وصار الإعلام بوسائله المتنوعة أداة فاعلة في ردم الهُوى وتقريب المسافات وتطييب الخواطر.

في هذا السياق يستسمح الكاتب قراءه الكرام في استخدام المصطلحين في عنوان مقاله، فما فيهما من شائبة العُجْمة يغفره شهرتما وتداولهما بين الناس، وعمق دلالتهما على ما يُسال هذا المداد لتحريره من فقرات تقرأ الخارطة التي تسير في مسالكها الخارجية الموريتانية، فنحن حين نفتح صدورنا للاتحاد الإفريقي نكون استجبنا لقدرنا الجغرافي، ولو شئنا لحولنا ذلك المقدور إلى عنصر قوة، ولجعلنا منه أفقا للتوسع والتمدد والتأثير مُصدِّرين إليه ما نود، متصدرين فيه؛ كما يحلو لعامة المجتمعات المسلمة في هذا الحيز الجغرافي أن يسمعوا من شيوخنا، ويصدروا عن أنموذجنا على الأقل في العلم إن لم يكن في العلم والعمل معا.

وفي الفضاء المغاربي عندما نقف في الوسط ونتسم بالاتزان إيمانا بأخوة الجميع، وحرصا على المصالح الجمة التي يسهم كل طرف بتلبية جزء منها نكون بذلك هيأنا أنفسنا إلى أن نسهم بقدر أكبر مما كنا فاعليه ردا لجميل الجزائر، واعترافا للملكة بما دعمت به المجتمع الطلابي خلال خمسين سنة، وحرصا على المشروعات الاقتصادية التي يقيمها الإخوة التونسيون والليبيون، تطلعا لنصيب أوفر ووظيفة أهم خاصة في انتظار تفعيل التعاون “الأورو- متوسطي”.
صحيح أن الحيرة في المواقف لا تثمر إلا التقهقر، وثابت أن التردد نتاجه التراجع، وأكيد انه أنه لا يناسب الأنظمة التي تحترم نفسها، وتسعى بحثا عن موطئ قدم لها في عالم المصالح المتضاربة.

ومن المعروف في علم السياسة أن من الملفات ما لا يقبل التأجيل، وفي الفرص ما يضيع إذا لم يقتنص، لكن الآكد من هذا، والأصح من كل ما سبق أن مصالح الشعوب تتأثر طردا وعكسا بمواقف الساسة، وأن العوائد كما سلف هي الهدف لأي نشاط دبلوماسي، إذ “حيث توجد المصلحة فثم شرع الله” من القواعد التي يمكن للعاملين في هذا الحقل أن يستندوا لها متى بحثوا عن تأصيل عملهم، وهكذا تعمل الأجهزة المكلفة بالملف الخارجي في الدول التي تدار “مؤسسيا” بنظام المؤسسات، فلا تتخذ موقفا إلا بعد الروية، وضرب الأخماس في الأسداس، ومقارنة الأثمان المادية بالمثمونات المعنوية، وفقا للآماد: بعيدِها والقريب فضلا عن المتوسط بينهما.

وهنا تحديدا؛ يتحتم على الخارجية الموريتانية، أن تجعل الدقة سلاحَها، وخبرةَ المختصين بصرَها الذي تبصر به، ونشدانَ مصلحة الأمة الموريتانية محركَها الذي تصدر عنه وترد إليه، متخذة من تجارب الأمم السابقة أنيسا تسترشد به لتفادي الأخطاء، بما لا ينافي السيادة، ولا يحد من الصلاحيات، إلا بقدر توظفيها في الأصلح، ولجم سلطانها عن توريث الأجيال الشرور والمصائب، فاتخاذ المواقف بناء على الأمزجة، والحسابات الشخصية والعوائد الخاصة إساءةُ استخدام للسلطان، وخروج على ما تم التفويض بشأنه والنيابة فيه عن المجتمع، لذلك فالرضا بسياسة “محورٍ” ما ربما لا يشكل جديدا في الملف الخارجي، وقد يكون ميئوسا من فائدته، وللمتحمس أن يقول: إن مغانمه قد جُلبت وقسِّمتْ وأن التاريخ أدار ظهره له، وربما أضاف: أن النظام يتوجه عليه أن يلوح بورقة الترحال في المواقف، ويضغط بإمكانية تبديل الولاءات أو التحالفات ليعرف الحريصين عليه من غيرهم.

لست بقائل لهذا إنه مخطئ، ولكن ربما انجرت مع الوعود المرتقبة من “المحور” الآخر آثارٌ سالبةٌ هويةَ البلد، مهددةٌ تماسكَه، جالبة مزيداً من التشرذم والطائفية، قاضية على القاسم المشترك، ممزقة الجامعَ المانعَ الضامنَ العاصمَ، فالعرقية تحدٍّ قائمٌ لا زلنا لم نتغلب عليه، والجهوية حاضرة في إعلامنا وبارزة بين نخبنا، ولملف الرق من يتاجر به ليقتات، فكيف نهيئ الظروف لمثل هذه الأخطار الداهمة، وهل ترضى زعيمة ” الممانعة ” حتى تتحالف معنا إلا بأثمان باهظة واشتراطات غالية، قد لا تكون منصوصة، لكنها –تأكيدا- تبقى بين السطور، ولعل أزهدها الدخول إلي صميم المجتمع والتأثير في سلوكه، تبشيرا بالمذهب الشيعي.

مع ما نكنه للشيعة الإمامية من تقدير، وما نحمده لهم من مواقف تذكر لتشكر، لا تنقصنا الجراءة لنصرح: إن مثل مذهبهم لا يصلح لأرضنا ولا يناسب خصوصيتنا، فلا سبيل لمواجهة الأخطار المهددة وحدةَ المجتمع غير المذهب السني المالكي، وغيره من العناصر المعززة التماسكَ، مما ستكون مادة في المستقبل للحديث في هذه القضية.

ولعل فيما تردد من بحث البعض عن مواقع لبناء “حسينيات”، وظهوره للعلن ليصرح بانتمائه لمذهب أهل البيت جهارا نهارا، نبذا لمذهب الدولة والمجتمع، خيرَ آية على ما سِيقَ المقال لنقله من شائعات ليضعه بين أيدي المثقفين وعن أيمانهم وعن شمائلهم، داعيا إياهم إلى هبة تكون هذه الأحرف قصًّا لشريط انطلاقتها، ووضعا للبنتها الأولى.

بل الأمر تجاوز مثل هذا الإعلان إلى ابتعاث بعض القبائل من جهة محددة – طالما نسبت لأنفسها الفضل في بناء الدولة الوليدة- أبناءها لينهلوا معين “قم” ويصدروا عن “النجف”. بهذا حدثني أحد الزملاء الباحثين حيث نعمل، وقد سبق له أن أقام بتلك المنطقة إعلاميا.

ولا يُسْتبعد أن الأذرع الخفية تعمل على مختلف الأصعدة كي تبعد طرحا كهذا عن التناول، وتُبقي عليه بعيدا عن الأعين، وربما يفسر هذا الاحتمال صمتَ جهاتٍ قد اتخذت من الإسلام شعارا عن التعرض لهذا الملف الجلل عبر منابرها وإعلامها مما يدفع للاستفهام عن سر ذلك؛ خاصة وأن من أعيانها من كان بالأمس القريب لا يجد الأدلة تمنعه النيلَ من رعاة هذا الاتجاه ومنتسبيه، فهل هي الحسابات السياسية الإقليمية والدولية تداخلت مع الشأن الديني؟؟

وما تركيز جهات أخرى على ملف التنصير وإثارته في هذا الوقت إلا لتصرف الأنظار عن خطر داهم إلى خطر قائم، ربما يكون المجتمع قد اكتسب ضده من المناعة ما يكفي، فمنذ أزيد من قرن ومعول التنصير يضرب في صخرة الإسلام الموريتانية، بما يقوم به سفراؤه من صولات وجولات، وما يدبجه كتابه من قصص وأعمدة، وما تقدمه منظماته الخيرية من دعم تجاوز عواصم الولايات إلى المدن الكبرى بل امتد إلى ” الشلخ” و “آدواب”، وكل هذا يتم بدعم من متنفذين، إن لم يكن لهم ولاء عقدي فانتماؤهم الثقافي يكابرون به، لكن الحصيلة خيبة وفشل حتى الآن، ومقارنة الحصاد بالمجهود تظهر ضعفه للعيان، ولا أظن هذا يختلف عليه اثنان، ولا يغرنك تناثر الكنائس، وتنامي الفسق، فالأول تفرضه معاهدات دولية، ولبنائها من يتاجر به ويستفيد من ورائه أموالا طائلة، أما الثاني فهو ترجمة للسنة الإلاهية في تدافع الحق والباطل، على أن هذا النشاط خطأ وخطر وشين فادح وأمر قادح يجب رصد كل الطاقات لصده والقضاء على أعوانه.

فالدبلوماسية الراشدة لزاما أن تأخذ في حسبانها عمق المجتمع، وأن تكون قوة وحدتِه حاضرة في كل المسارات التي تسلكها، فلا يُضحَّى بأخوة حتمية وصداقات تليدة غذيت ورعيتْ على مدى عقود بمجرد رؤية أنواء ربما لم تمطر، وربما كانت عاقبتها غير حميدة قياسا على تجارب الإخوة في الغرب والشرق الإسلاميين، فمن الفتن ما لا قرار على زأره، ولا استقرار بعد اشتعاله. كيف لا وقد كتب نصر بن سيار حين خاف على الدولة الأموية:

أرى خلل الرماد وميض نــار** ويوشك أن يكون لها ضرام
فإن النار بالعودين تذكــــــــى** وإن الحرب أولها الكــــــلام
فقلت من التعجب ليت شعري** أأيقاظ أمية أم نيـــــــــــــــام؟؟

ولو سمح لي الشعراء دخول حماهم بلا جواز فضلا عن التأشيرة وسوغوا تحريف أحد النصوص المأثورة عن دريد بن الصمة لأنشدته كالآتي:

أبنت لكم رأيي بمنفسح الفضا**عسى يَستبينُ الرشدُ قبلَ ضُحى الغد
وما أنا إلا من غِزية إن غوتْ** نصحتُ، وإن ترشد غِزِيةُ أرشــــد.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى