نحن الذكوريون لا اللغة/ محمد رياض العشيري

لا أدري لماذا يصر بعض الكتاب والصحفيين على وصف امرأة انتخبها الناس لتمثيلهم في مجلس نيابي بأنها “عضو”. وهكذا قالوا عن ألحان عمر عضوة الكونجرس الأمريكي. ولماذا يتعمدون نعت من تتولى رئاسة وزارة بلدها بأنها “رئيس” للوزراء. وهكذا تحدث بعضهم عن تيريزا ماي عند شغلها للمنصب. ولماذا يصفون المرأة الطاعنة في السن بأنها “عجوز”.
ثم لماذا يتأفف هؤلاء من وصف المرأة بأنها “نائبة” في البرلمان، أو “مصيبة” في رأيها، متذرعين بدلالات أخرى للكلمتين تشير في بعض السياقات اللغوية إلى المكروه وكوارث الأيام؟
إن إصرارهم هذا مبني على فهم خاطئ للغة، إذ لا لوم على اللغة في تلك الأمثلة جميعا. فليس هناك لغة ذكورية بل ثمة مجتمع ذكوري ومستخدمون ذكوريون للغة.
فصيغة “عضو” في العربية هي صيغة للمذكر، ومعظم المذكر في عربيتنا يمكن تأنيثه بإضافة علامة تأنيث إليه، فنقول “عضوة”. وهذا ما فعله مجمع اللغة العربية بالقاهرة وأثبته في معجمه (الوسيط)، وهذا أيضا ما جوزه العالم العراقي جواد علي.
ولست أتفق مع ما يقوله بعض الكتاب من أن لفظ “عضوة” لم يُسمع عن العرب، لأن “العضو” – في رأيهم – يطلق على المذكر والمؤنث من أجزاء الجسم. فهذا رأي لا يلزمنا اتباعه في زماننا هذا، لأن التأنيث في العربية له صيغ قياسية معروفة، وليس سماعيا. ونحن – كما قال يوما طه حسين – نملك العربية، كما كان القدماء يملكونها، ولنا أن نغير فيها. فلنا أن نؤنث عضو فنقول عضوة، ورئيس فنقول رئيسة، وأستاذ فنقول أستاذة، وعجوز فنقول عجوزة وهكذا.
ولم نرتكب في ذلك كله أي جرم ولم نخالف أي قاعدة نحوية، وإنما خالفنا ما درج عليه القدماء، لأننا نعيش في عصر غير عصرهم. ولا دخل هنا لمسألة الفصاحة – في رأيي. فدوافع الفصاحة التي تحدث عنها العرب قديما كانت إما قبلية، وإما دينية وإما سياسية، وليست مبنية على أسس لغوية.
أما إعراض بعض الكتاب عن صيغ مؤنثة لبعض الصفات، مثل “مصيبة” أو “نائبة” أو “قاضية”، فلا سند لغويا له. فهم يغفلون دور السياق اللغوي الذي تستخدم فيه الكلمة. فلا خلط أبدا بين معنيي كلمة “مصيبة” في الجملتين التاليتين، لأن السياق اللغوي الذي استخدمت فيه الكلمة في الجملتين هو الذي يحدد المعنى المقصود.
· كانت حادثة قطار رمسيس في القاهرة “مصيبة” اكتوت بنارها أسر مصرية
· من تؤيد رفع الظلم عن كاهل المستضعفين امرأة “مصيبة” في رأيها
حكم اجتماعي
لب قضية التذكير والتأنيث في اللغات جميعا – ومن بينها العربية – اجتماعي، وليس لغويا، فقد عكست اللغات الاتجاهات الذكورية للمجتمعات التي نشأت فيهاولذلك ليس من الصواب نعت لغة بأنها متحيزة ضد المرأة، أو منصفة لهالكن هناك مجتمعات متحيزة ضد المرأة، ومجتمعات منصفة لها، واللغات تعكس هذين الاتجاهينهذه هي النقطة الأولى.
أما النقطة الثانية التي ينبغي أن ألفت إليها هنا فهي أن كتب النحو – خاصة القديمة منها التي نهل منها، أو نهب، المحدثون دون وعي – تضم – إلى جانب “قواعد” العربية – آراء اجتماعية، من بينها المسائل المتعلقة بالتأنيث والتذكير، ومنها مثلا ما سمي بـقاعدة التغليب، أي تغليب المذكر على المؤنثوهذه ليست قاعدة لغوية – مثل قاعدة رفع الفاعل مثلا، لأنه ركن أساسي في الجملة، أو نصب المفعول، لأنه فضلة أو زيادة يمكن أن تقوم جمل بدونه.
وفي كتب النحو أيضا تراث ضخم من الآراء النحوية التي تفسر القواعد، ومن ذلك آراء البصريين والكوفيين – مثلا – في سبب رفع المبتدأ، أو أيهما الأصلالمصدر أم الفعلهذه محض آراء وليست قواعد لغوية.
وأحسب بعد وضع هاتين النقطتين أنه من العيب، أو الخطأ غير المقبول أن نظل نعامل المرأة معاملة المذكر، فنقول فلانة “مدير“، أو “أستاذ“، أو “مفوض“، أو “عضو“، أو “نائب“. لا ضير أبدا في “مديرة“، وأستاذة“، ومفوضة“، وعضوة“، ونائبة، حتى وإن تمحل المتمحلون بالاتفاق في الشكل والصيغة بين صيغة اسم الفاعل “نائبة” صفة لمن تنوب، و كلمة “نائبة” بمعنى مصيبة.
كفانا ظلما للمرأة.
https://elashiry.com/2020/07/24/%d9%86%d8%ad%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%83%d9%88%d8%b1%d9%8a%d9%88%d9%86-%d9%88%d9%84%d9%8a%d8%b3%d8%aa-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%a9/?fbclid=IwAR28Z0M63LWb8Guj2G7WTUoeU8hkOh4bXJSrgLkavMsiMxgT20DTGEr6yMI
إعلانات