منوعاتموضوعات رئيسية

“آهْوَه عادي أو مزبوط، يا فندم؟”/ محمد فال بلال

في سجل الذكريات،
مزبوط.
المختار ولد داداه رحمه الله رجل كيِّس ومهذب وفهيم. سافر في السنوات الأولى من الاستقلال الوطني” (مايو 1963) إلى القاهرة في إطار مساعيه الدبلوماسية الهادفة إلى “فتح” العالم العربي وكسر الطوق الذي فرضه المغرب على الجمهورية الفتية، وحضور مؤتمر تأسيس منظمة الوحدة الافريقية•• خصص له الشعب وللوفد المرافق استقبالا شعبيا ورسميا حارا. وتوجت الزيارة بلقاء مطول جمعه بالرئيس جمال عبد الناصر، رحمه الله. وعند دخول الوفد الموريتاني، فإذا بالمنادل (سَرْفيرات les serveurs ) يتقدمون بزيهم الرسمي – بدلات وقبعات وقفازات بيض وربطة عنق سوداء ونعل من الجلد سود – ظهورهم منحنية للأمام وترتسم على وجوههم البهجة والفرحة. انحنى أحدهم بلطف أمام أحد وزرائنا عارضا عليه ليختار: “آهْوَه عادي أو مزبوط، يا فندم؟”• أجاب صاحبنا بلا تردد: “مظبوط، مظبوط”• ناوله المصري كوبَ قهوة تركية خالصة ٠٠ سوداء •• عبوسة ٠٠ غليظة ٠٠ مضغوطة ٠٠ وسكرها قليل !
أخذ منها معالي الوزير “رشفة”، ولم يستطع ابتلاعها. و بدأ يلتفت يمينا وشمالا، وعلامات الورطة والانزعاج بادية على وجهه• حينئذ فهِم المختار أن وزيره يبحث عن حالة يتخلص بها من “الرشفة” المُرة، فبادر بهدوء – مخافة أن يرتكب السيد حماقة البَصَق في قصر القبّة – غمزه بقدمه من تحت الطاولة وهمس في أذنه : “أنتوم اطلبتوها مزبوط، أشربوها مزبوط”• ههه
أذكر أن أحد وزرائنا زار قطر في مهمة رسمية، و حضرت معه مقابلة سمو الأمير الشيخ حمد. جاء عمال المراسم بالشاي والقهوة العربية والقهوة الأثيوبية السوداء. مدّ وزيرنا يده إلى القهوة الأثيوبية .. و سبحان الله العظيم، فجأة تذكرت قصة المختار، وخشيتُ أن يحصل لنا نفس الإحراج الذي حصل في مصر، التفتُ إلى معاليه خِفيةً وهمست في أذنه: “أبدي، لخرَ”.. بدا لي بعد ذلك أنّ إشارتي لم تفت على الجماعة.. و منذ ذلك اليوم إلى غاية مغادرتي قطر، لم تقدّم قهوة سوداء للوفود الموريتانية
الرسمية.

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى