سلاح “السخرية” .. في الحرب الموازية بين طهران وواشنطن / هاني الكنيسي

بينما الإعلام “التقليدي” مشغول باحتمالات استئناف المفاوضات الأمريكية الإيرانية في إسلام آباد، وبتناقل التصريحات المتضاربة بين الطرفين حول مهلة يوم الجمعة وسط تنافسهما على خنق الملاحة في مضيق هرمز، خرجت القنصلية الإيرانية في ‘حيدر آباد’ (الهند) عن البروتوكول الدبلوماسي، فنشرت على حسابها بمنصة X مقطع فيديو مُولّدًا بالذكاء الاصطناعي، يسخر من الرئيس الأمريكي وتعليقاته.
في بداية الفيديو يظهر ترمب وهو يجلس وحيدًا على طاولة مفاوضات أمام صفوف من الكراسي الفارغة التي تُمثل الوفد الإيراني الغائب. ثم يتحدث بثقة إلى الفراغ: “نجري مفاوضات رائعة مع إيران”، قبل أن يُظهر نفاد صبره ويقف موجّها صياحه إلى الوفد غبر الموجود مطلقًا تهديداته “البلهاء”. إلى أن تظهر عبارة “وبعد 20 سنة” على الشاشة بطريقة السينما الصامتة، يتسلم الرئيس الغاضب ورقة صغيرة مكتوب عليها: “ترمب .. اخرس”. فيمتزج الغضب بالحرة، ويغادر غرفة الاجتماع الذي لم يحدث (إلا في عقله البرتقالي).
في 45 ثانية فقط، هي مدة الفيديو، تُختصر سرديتان: رواية واشنطن عن مفاوضات قائمة وسيطرة أمريكية، ورواية طهران التي ترى أن ترمب يعيش في الأوهام، ولا يتحدث إلا لنفسه.
الفيديو الإيراني الساخر الذي أُرفق بتعليق أكثر سخرية: “كيف تم تمديد وقف إطلاق النار؟”، لم يكن مجرد دعابة دبلوماسية عابرة، بل جزءا من حملة دعائية مدروسة. إذ دخلت على الخط قنصليات وسفارات إيرانية أخرى؛ بداية من ‘مومباي’ التي استعارت رموز السينما الهندية ‘بوليوود’ للسخرية من تهديدات البحرية الأمريكية في مضيق هرمز، وحتى عواصم أخرى، حيث استوحيت أفكار من سلسلة أفلام ‘قراصنة الكاريبي’ Pirates of the Caribbean، لتصوير القادة الأمريكيين كـ“قراصنة بائسين” يتخبطون في بحرٍ من الأزمات المتلاطمة.
هذا النوع من المحتوى “الرقمي” تتجاوز أهدافه لحظات التندّر والإعجاب بالحس الفكاهي. فوفقًا لمصادر إعلامية، انتشر المقطع الساخر الأخير من ترمب انتشار النار في هشيم الداخل الإيراني، وفي محيطها “الإقليمي” المتعاطف. وفيما يدّعي ترمب أن النظام الإيراني “منقسم” لدرجة تمنعه من اتخاذ قرار موحّد بشأن مواصلة التفاوض، يبدو أن طهران أرادت بـ”السخرية” من تصريحاته، البرهنة على أن جبهتها الداخلية موحدة وأنها قادرة على شن حرب “موازية”.
وليس خافيًا بالطبع، كيف استثمرت الولايات المتحدة وإسرائيل بكثافة -على مدى سنوات- في توظيف السوشيال ميديا لأغراض الحرب النفسية- الإعلامية على إيران، عبر حملات رقمية ممنهجة هدفها تشويه صورة النظام الإيراني والسخرية من الحرس الثوري، في فيديوهات مفبركة بالذكاء الاصطناعي، وكاريكاتيرات، وحتى “ميمز” تُظهر شخصيات قيادية في مواقف هزلية أو مهينة.
في أحدث تقارير معهد ‘بروكنغز’ البحثي Brookings Institution، العديد من أمثلة توظيف كل من واشنطن وتل آبيب وسائط السوشيال ميديا والتكنولوجيا الرقمية لتحطيم معنويات إيران، عبر “تضخيم الانقسامات الداخلية، والسخرية من القيادات، وإضعاف الثقة الشعبية”. ويخلص التقرير إلى أن “الحملات الإعلامية المعتمدة على تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءًا لا يتجزأ من استراتيجيات الحرب النفسية في هذا العصر الرقمي”.
وللحرب -كما للحب- وجوه أخرى
المصدر: الفيسبوك – صفحة الكاتب.