أسرار الأطباق الطائرة في وثائق البنتاغون .. دول عربية، وتفسيرات شيطانية

فجّر البنتاغون موجة من الجدل القديم -الجديد عندما نشر أمس (الجمعة) أول دفعة من الوثائق المرفوع عنها صفة السرية بشأن ما يُعرف علميا بـ”الظواهر الشاذة غير المحددة”، وإعلامياً بـ”الأجسام الطائرة المجهولة (UAP/UFO).
وجاء هذا النشر بعد نحو شهر من تصريح الرئيس الأمريكي أن “البنتاغون سينشر وثائق بالغة الأهمية قريبًا جدًا .. استجابة للاهتمام الشعبي الكبير”!! (رغم أن الاهتمام الشعبي الأكبر كان بنشر المحظور من ملفات إبستين)
وزير الحرب ‘بيت هيغسيث’ أعلن عبر منصة X أن “هذه الملفات، التي ظلت مخفية خلف التصنيفات السرية، وغذّت تكهنات مبررة لسنوات، حان الوقت ليطلع عليها الشعب الأمريكي بنفسه”. وبالتزامن، أطلقت وزارة الحرب موقعاً حكومياً خاصاً لنشر الملفات تباعاً، مؤكدة أن الأمريكيين سيتمكنون للمرة الأولى من الوصول إلى “الصور والفيديوهات والوثائق الأصلية المتعلقة بالظواهر الشاذة من مختلف أجهزة الحكومة الأمريكية في مكان واحد”.
لكن المفارقة أن الكم الهائل من الوثائق – الذي تجاوز 160 ملفاً يوثق أكثر من 400 حادثة مسجّلة ما بين أربعينيات القرن الماضي وحتى عام 2025 – لم يقدم “الدليل القاطع” الذي انتظره المؤمنون بنظريات الكائنات الفضائية، بل عرض مزيجاً من البلاغات العسكرية، والشهادات البشرية، واللقطات الضبابية، والتفسيرات غير المكتملة .. تاركاً العديد من الأسئلة بلا إجابات حاسمة.
ولعل أكثر تلك الوثائق إثارةً، كان ما ورد في الملفات الخاصة برحلات ‘برنامج أبوللو ‘ الفضائية Apollo Program، خصوصاً بعثات أبوللو 11، أبوللو 12، أبوللو 17، التي هبطت على سطح القمر. ففي جلسة استجواب تعود إلى عام 1969، تحدث رائد الفضاء ‘باز ألدرين’ Buzz Aldrin عن “ومضات صغيرة داخل المقصورة” أثناء محاولته النوم، كما وصف “مصدر ضوء ساطع إلى حد ما” على رحلة أبوللو 11، “اعتقد الطاقم في البداية أنها أشعة ليزر”.
أما رائد الفضاء ‘آلان بين’ Alan Bean فأبلغ خلال مهمة أبوللو 12 عن “ومضات ضوئية تبحر في الفضاء”، بينما وصف ‘هاريسون شميت’ Harrison Schmitt خلال رحلة أبوللو 17 أجساماً ضوئية “تتدحرج وتدور في الأفق البعيد .. بدت كاحتفالات الرابع من يوليو”(أي احتفالات عيد الاستقلال الأمريكي).
ومن بين الوثائق المنشورة أيضاً، نصوص لمحادثات فضائية قديمة، بينها اتصال لرائد الفضاء ‘فرانك بارمان’ خلال مهمة Gemini 7 عام 1965، حين أبلغ مركز هيوستن عن “جسم غامض على ارتفاع الساعة العاشرة”، قبل أن يصفه بأنه “مئات الجسيمات الصغيرة تمر إلى اليسار لمسافة ثلاثة أو أربعة أميال”.
اللافت أن الوثائق تضمنت تقارير حديثة، منها حادثة وثقها مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI عام 2023 في موقع اختبار أمريكي، حيث تحدث مشغلو طائرات مسيّرة عن “جسم خطي معدني رمادي بلا أجنحة أو عادم” يتحرك فوق الأرض على ارتفاع نحو خمسة آلاف قدم قبل أن يختفي خلال ثوانٍ. كما نُشرت لقطات التقطتها “كاميرات عسكرية” فوق كل من العراق وسوريا والإمارات وبحر الصين الجنوبي، بينها “جسم يشبه كرة القدم” رُصد عام 2022.
ورغم الضجة الإعلامية، حرص البنتاغون على التأكيد أن الوثائق “لا تتضمن دليلاً على تواصل الحكومة الأمريكية مع كائنات فضائية أو امتلاكها معلومات تؤكد زيارة كائنات من خارج الأرض لكوكبنا”.
كما ضرب أمثلة ببعض الحالات التي صُنفت سابقاً تحت فئة “الظواهر المجهولة” ثم وُجدت لها “تفسيرات منطقية” لاحقاً. ففي تقرير يعود إلى سبتمبر 1948، وصف طاقم عسكري فوق هولندا جسماً طائراً مجهولاً قام بـ”تسارع مفاجئ ثم صعود حاد”، قبل أن تخلص الاستخبارات الأمريكية بعد أشهر إلى أنه مجرد “طائرة نفاثة كانت تستخدم صواريخ دفع إضافية”.
ورغم ذلك، فإن كثرة الحوادث الفضائية”غير المفسرة” أبقت الباب مفتوحاً أمام “جموح” الخيال الشعبي والسياسي -وربما العلمي أيضا- في تعليل تلك المشاهدات على مدار عقود. بل إن مدير وكالة ناسا شخصياً ‘جاريد ايزاكمان’ Jared Isaacman أعلن عبر وسائل الإعلام أن “احتمالات العثور على شيء ما يشير إلى أننا لسنا وحدنا عالية جداً”.
وفي هذا السياق، عاد إلى الواجهة اسم الباحث والمخرج البريطاني ‘مارك كريستوفر لي’ Mark Christopher Lee (الملقب بـ”ملك الأجسام الطائرة المجهولة”)، بعد تداول تصريحاته الأخيرة التي زعم فيها أن مصادر داخل إدارة ترمب والبنتاغون تتحدث عن “مقاومة شديدة” لكشف الحقيقة الكاملة، لأن بعض المسؤولين -حسب كلامه- يعتقدون أن الظواهر المرتبطة بالأجسام الطائرة “ليست كائنات فضائية” بالمعنى التقليدي، بل “كيانات عابرة للأبعاد أو مرتبطة بطبيعة شيطانية”. وتوقع ‘كريستوفر لي’، المعروف بأفلامه الوثائقية مثل The King of UFOs وUFO Encounters of the 5th Kind، أن “الجوانب الغريبة والعابرة للأبعاد لن تُكشف للجمهور حتى لو تم الإفراج عن المزيد من الوثائق لاحقاً”.
في المقابل، يرى كثير من العلماء والخبراء أن الضجة الحالية ليست سوى إعادة تدوير لملف قديم دون أدلة حاسمة.
بل إن وزارة الدفاع الأمريكية نفسها خلصت في تقرير رسمي عام 2024 إلى “عدم وجود أي دليل على نشاط خارج كوكب الأرض”، وأن غالبية المشاهدات تعود إلى “بالونات أو طيور أو أقمار صناعية أو أخطاء في التقدير البصري والراداري”. كما نفى تقرير منفصل صادر عن مكتب “تفسير الظواهر الشاذة” All-domain Anomaly Resolution Office
وجود أي برنامج حكومي سري لإخفاء كائنات فضائية أو مركبات غير بشرية.
أما أكثر ما لفت انتباهي شخصيا في القصة، فكان رد فعل الجمهور الأمريكي على “توقيت” نشر وثائق البنتاغون. إذ ازدحمت منصات السوشيال ميديا بتعليقات ساخرة ومشككة، اعتبرت أن إدارة ترمب تستخدم ملف الأجسام الطائرة المجهولة لصرف الانتباه عن أزماتها المحرجة، بدايةً بفضائح الملياردير المشبوه ‘جيفري إبستين’ (وارتباطاته الشخصية بترمب وبعض كبار النافذين)، ومروراً بالأزمة الاقتصادية الداخلية، وليس انتهاءً بخيبة الحرب على إيران. فكتب أحد المعلقين:”الأجسام الطائرة المجهولة تعني ببساطة أجساماً لم تُحدد هويتها بعد… أما الحقيقة التي تم تحديد هويتها فهي أن ترمب يريد من الناس التفكير في أي شيء سوى حجم الفوضى الحالية وإخفاقاته المتعاقبة”.
وفي ظني أن “البرتقالي” نفسه ليس سوى جسم مجهول غير طائر، سيتم الكشف عن هويته بعد رفع السرية عن مصايبه- بعد ثلاث سنوات لا غير.

زر الذهاب إلى الأعلى