أنا لستُ امرأة واحدة \ هند الحسن
أنا لستُ امرأة واحدة… بل عِدّةَ نساء.
ولا أعيشُ حياة واحدةً… بل حَيَوات كثيرة.
أنا لستُ حُزنًا واحداً… بل أحزان متعددة
فمنذُ مخاضِ مريم…
وأنا أُهزُ جذعَ النخلة،
فيتساقطُ الحرفُ رُطبًا جنيًّا،
فيشبعُ أبناءُ اللغة، وأجوعُ أنا.
منذُ سباقِ هاجر…
وأنا أُنثى تدورُ بين صفاءِ الحياةِ ومروتِها،
فلا البئرُ يجفُّ، ولا قلبي يرتوي…
أنا المتكرّرةُ في سِجلاتِ الأنوثة،
المشطوبةُ من مذكّراتِ الذل،
المشتعلةُ في أُسطورةِ بروميثيوس.
امرأةٌ…
لم يرَها رجلٌ إلا وأثارتْ فيهِ غريزةَ الوأد،
ليس لأنني عورة،
بل لأنني أُزعزعُ بداخلهِ يقينَ الهيمنة،
وأُربكُ سطوةَ الجبروت.
أنا لستُ امرأةً واحدةً… بل عِدّةَ نساء.
فقد كنتُ أفروديت في زمنِ الآلهة،
وهيلين في أوديسةِ هوميروس وإلياذته،
أنا من أسررتُ لـ كليوباترا بغوايةِ الكحل،
وأوحيتُ إلى شهرزاد بحيلةِ الحكايا،
ومكائدِ السهر.
أنا امرأةٌ غيرُ مختصَرة…
ففي حياةٍ ما، كنتُ زُليخة،
ولكنني لم أقدْ قميصه،
بل قددتُ العنجهيّةَ في صدره،
ولم أودِعْهُ في سجنِ العزيز،
بل أودعتُهُ سجنَ صمته.
وفي أُخرى كنتُ هندًا،
مزّقتُ أحشاءه،
وبدلًا من التهامِ كبده… التهمتُ قلبه!
أنا كلُّ ما هو مؤنّث،
ففي الغابةِ كنتُ ليلى،
ولكنّ الذئبَ كان صديقَ طفولتي…
وعلى أحدِ الجدرانِ كنتُ لوحةً ما…
ربما الموناليزا،
وفي إحدى الصحارى الشِحرية،
كنتُ شجرةَ لبان عتيقة،
وفي سماءٍ بعيدةٍ كنتُ أندروميدا المقيّدة.
أنا الفراغُ الذي سكنَ فؤادَ أمّ موسى،
والأغنيةُ التي لم يُغنِّها عبد الحليم،
لأنّها كانت أطولَ من عمرِ حبالهِ الوترية.
أنا المقدّمةُ التي لم تصلْ إليها عبقريةُ بليغ،
والشهقةُ التي لم تحظَ بإنصاتك…
أنا الناجيةُ من طوفانِ الذكورة،
والغريقةُ في ضحضاحِ حزنك…
ففي الصباحِ أتحوّلُ إلى قَطرِ النّدى،
وفي الليلِ أرتدي حذاءَ ساندريلا،
ولكنّني لا أذهبُ إلى حفلةِ الأمير!
أنا امرأةٌ عايشتْ خيالات كثيرة…
تشاجرتُ مرّةً مع رجلٍ إقطاعي في ضواحي نابولي،
وجرّبتُ الدورانَ برفقةِ درويشٍ صوفي يناجي عظمةَ الملكوت،
ساعدتُ أعمى على اجتيازِ الطريقِ في أحدِ شوارعِ سانتا ماريا،
وتزلّجتُ على جليدِ الساحةِ الحمراء في موسكو،
بينما قدمايَ مطمورَتان في صحراءِ نجدٍ اللاهبة،
تناولتُ شايًا بالنّعناع من يدِ سيّدةٍ مغربية مسنّة،
تسكنُ أحدَ أحياءِ فاس العتيقة…
أنا من أولئك القلّة الذينَ عرفوا كيف يعيشون…
وكيف يموتون أيضًا.