كتاب عرب

يوميات صائم: “سورة يوسف”.. السورة التي نعيش في أجوائها اليوم/محمد رياض العشيري

سورة يوسف التي نعيش في أجوائها اليوم سورة متميزة.
فهي السورة الوحيدة في القرآن الكريم التي يكاد يستحوذ على آياتها جميعا موضوع واحد، هو قصة يوسف عليه السلام. وقد تكون السورة أيضا بداية لفن القص نثرا في الأدب العربي، الذي غلب عليه فن الشعر منذ العصر الجاهلي. وكان في قصائد الجاهليين صور قصصية بسيطة يتعلق معظمها بالحيوان، أذكر منها مثلا معلقة لبيد بن ربيعة.
لكن قصة يوسف في القرآن تكتمل فيها عناصر الفن القصصي: من حكاية ذات بداية تتشابك خيوطها وتتعقد، ثم تنفك في نهاية لها، وانتقال بين الزمان والمكان في مناظر قصصية محكمة، وحوار دال بين الشخصيات يساعد في تطور أحداث القصة.
وقصة يوسف تروي حكاية نبي ابن نبي وما واجهه من غدر إخوته به، وموقف الغواية الصعب الذي تعرض له في بيت عزيز مصر، وسجنه، ودعوته لله تعالى في السجن، وبروز براعته في تفسير الأحلام التي كانت سبيل خروجه من السجن، ثم قصته مع إخوته عندما نزلوا مصر للتجارة، ونجاحه في جلب أخيه إليه، ثم لم شمله مع أبيه وأمه وأخوته في مصر وقد أصبح فيها ذا شأن وسلطان، ونصر الله تعالى له على مكائد إخوته، وغواية الشيطان وامرأة العزيز.
إنها قصة مليئة بالصراعات الكاشفة لنوازع الإنسان. ولا شك أن في رواية القرآن المجيد لها للنبي الكريم عظات وعبرا وتأكيدا لأن هذا القرآن إن هو إلا وحي من الله تعالى.
والآية الثانية في السورة آية دالة ترد على ما كان يردده بعض الرافضين لدعوة محمد عليه السلام، من اتهام له بتلقيه ما يقوله من أهل الكتاب.
(إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون: ٢).
وأحسب أن هذه الصفة هنا (عربيا) كما أفهمها تثبت ابتعاده عن أي مصدر آخر أعجمي.
وتؤكد الآية التالية تفرد هذا المصدر بوصفين آخرين في قوله تعالى:
(نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين: ٣)
وهذان الوصفان هما (أحسن القصص) إذ إن قصة يوسف كما أوحيت إلى النبي الكريم مختلفة في بعض جوانبها عن القصة التي جاءت في سفر التكوين في التوراة. أما الوصف الثاني فهو (لمن الغافلين)، وهو يدل على أن محمدا عليه السلام لم يكن يعرف القصة، وأنه بريء من اقتباسها من مصدر آخر.
ثم تؤكد آية ثالثة ذلك في أواخر السورة:
(ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون: ١٠٢)
وفي قصة يوسف مثال جلي على مسألة بشرية الرسل، التي سنقف عندها فيما بعد، إذ إنهم جميعا رجال، أي بشر، يوحي إليهم ربهم.
(وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى: ١٠٩)
وتختتم السورة بذكر هدف هذا القص:
(لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب، ما كان حديثا يفترى، ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون: ١١١)
العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى