عن العرب والعقيد ولد محمد فال/ يوحنا أنور داود

لماذا أنا هنا؟!

يراسلني عدد من الأصدقاء الموريتانيين، ويلمّح أحدهم لي والأخر يسألني مباشرة عن سرّ اهتمامي بالشّأن الموريتانيّ. وهو حال أهلي وأصدقائي في مصر الذين يسألون نفس السؤال ويذهب كثير منهم إلى ما هو أبعد من السؤال. هل موريتانيا دولة عربيّة تتحدّث العربيّة مثلنا؟!! في حقيقة الأمر إنّ دولة موريتانيا، هذه الجمهورية الإسلامية الّتي تقع في أقصى شمال غرب أفريقيا على المحيط الأطلسي مجهولة بالنّسبة لكثيرين.

ولعلّ البعض يذكر الحادثة الحزينة الكوميديّة الّتي حدثت لرئيس تحرير تقدّمي السيد حنفي ولد الدهاه منذ سنوات لدى وصوله إلى مطار بيروت الدّولي لحضور أحد المؤتمرات. عندما تمّ منعه من دخول لبنان بحجّة أنّه ليس لديه تأشيرة ليخبر موظّفة المطار أنّه مواطن عربي موريتاني، ويستطيع الدّخول إلى لبنان دون تأشيرة مسبقة. فتسأله موظفة المطار: “وهل موريتانيا دولة عربية؟!!”. ثمّ تسأل رئيسها المباشر عن هذه المعلومة والرّئيس يسأل رئيسه الأعلى. وهكذا حتى لجأوا في النهاية إلى الإنترنت للتّحقّق من هذه المعلومة الغريبة!! لذلك لم أستغرب أبداً هذا السّؤال الّذي أجيب عليه بسؤال. هل يكون الحبّ سبباً لأهتمّ بالشأن الموريتاني ؟! نعم فحبّي واحترامي وتقديري للعقيد الرّاحل علي ولد محمد فال وجّه الكثير من اهتمامي نحو بلاد شنقيط منذ انقلاب أغسطس 2005 . فواقع الأمر أنّك عندما تحبّ أحدهم فإنّك تحبّ أهله وكل من حوله بل تعشق وطنه وقضيته.

في رأيي الشخصي إذا كان يجب أن تسمّي أحزاباً في الوطن العربي بأسماء زعماء فلا شكّ أنّ ولد فال (علي ولد محمد فال) واحد منهم. فبعض الزعماء الذين تسمّى بعض الأحزاب بأسمائهم في الوطن العربي، هم في حقيقة الأمر مجرد شعبيين تعبويين يجيدون أخذ قرارات شعبوية تدمر وطنهم تدريجياً على المدى البعيد. ما ليس عليه الراحل ولد فال الذي ادعى أنه لو سارت موريتانيا وفق ما خطط له لصارت في مصاف الدول العربية والأفريقية لولا انقلاب أغسطس 2008 المشؤوم.

ولكن هذا هو حال وطننا العربي ففيه الوهم يتحول بسهولة إلى حقيقة والحقيقة إلى وهم!! في 7 مايو الفائت نشرت مقالاً في جريدة عربية بعنوان “العقيد علي ولد محمد ..أين أنت؟ لأسأل أين العسكري العربي الوحيد الذي سلّم السلطة للمدنيين بعد عبد الرحمن سوار الذهب في السودان عام 1985. فأخبرني القراء أن العقيد قد رحل منذ يومين، ولم أكن أعلم. حيث إني كتبت المقال يوم 3 مايو قبل وفاته بيومين وإنما تأخر النشر. وبالطبع بعد علمي بوفاته كتبت مقالاً أنعي فيه العقيد الراحل بعنوان “العقيد علي ولد محمد فال ..وداعاً” هذا وقد لاقى المقالان صدى واسعاً في الشارع الموريتاني على حسب ما أخبرني الكثير من الأصدقاء الموريتانيين. ومن خلالهما تم التّعرّف إلي في الوسط الصحفي الموريتاني.

ما أريد قوله من هذا كله إن أشخاصاً مثل العقيد الراحل علي ولد محمد فال قادرون على وضع وطنهم في المكانة التي يستحقها. فإني أزعم أني لست وحدي بل هناك الملايين ممن أصبحت دولة المرابطين في بؤرة اهتمامهم بسبب هذا العقيد الراحل. ليس في أفريقيا وحدها بل في العالم كله. وهذا ما شهدناه مؤخراً في حفل تكريمه في بلجيكا رغم المحاولات المستميتة من الإعلام العربي بالتّجاهل المتعمّد والمقصود للتّجربة الموريتانية في عهده، حتى أنه في حفل تنصيب سيدي ولد الشيخ عبدالله أول رئيس عربي مدني منتخب أنتخاباً حرّاً مباشراً في العصر الحديث، لم يحضر أي زعيم عربي حفل هذه التجربة الرائدة انذاك. ربما خجلاً من أنفسهم أو خوفاً من أن تنتقل العدوى الى بلادهم !!ً فلنترحم جميعاً على العقيد الراحل ونردًد مع أستاذنا العميد بكاي”رحم الله رجل المرحلة التي لم تأت.. الرجل المثقف الخلوق العارف بدقائق مجتمعه.. القوي ذو الحكمة.. العسكري الشهم الذي ترك السلطة طواعية”.