الجزائر ووهم السياسة الخارجية

يعرف تشارلز هيرمان السياسة الخارجية بكونها تلك السلوكيات الرسمية المتميزة التي يتبعها صانعوا القرار الرسميون في الحكومة أو من يمثلونهم و المراد بها التأثير في سلوك الوحدات الدولية الخارجية ، و هذا التعريف ينطبق على جل الدول الكبرى و العظمى أي تلك التي تمتلك محددات واضحة و خططا مستقبلية للهيمنة العالمية مثلما هي حالة الولايات المتحدة الأمريكية أو التوسع الإقليمي مثلما تسعى له تركيا أو للحماية الحدودية كالحالة التونسية ، و لكن بين هذه الحالات الثلاث يقف المرء حائرا في تصنيف الجزائر .

    فإذا كانت الدول تقيم فيما بينها علاقات ثنائية لأجل التعاون الاقتصادي أو الحماية العسكرية و تسعى لتقوية قواتها العسكرية لاستخدامها في مشاريع التوسع و التدخل العسكري بغرض خدمة مصلحتها القومية و التنافس لأجل الهيمنة أو الغزو الفكري عبر الإعلام و الكتب المصدرة للآخر ، فان السياسة الخارجية الجزائرية تقوم على تصدير وهم مكافحة الإرهاب للخارج كأنه انجاز أسطوري لم يسبق لأي دولة فعله و في الحقيقة فجل دول العالم لها استراتيجيات للوقاية من التهديدات الإرهابية قبل وقوعها أصلا بخلاف الحالة الجزائرية التي حصد فيها الإرهاب مائتي ألف قتيل ، و العارف بخبايا النظام يدرك أن اللعبة كانت حيلهم بينهم و لم تكن مكافحة إرهاب كما هو مصدر للشعب المغلوب على عقله السياسي .

    فهذه الأسطورة لا تزيد عن كونها وهما تملأ به حالة الفراغ التي تعيشها السياسة الخارجية لدولة لها مقدرات قيادة الأمة العربية و الشعوب الإفريقية ، و لكن نظرا لعدم قيامها وفق أسس علمية سياسية فان دراسة موضوعية بسيطة ستجعل المرء يخلص لعدم وجود تصور واسع شامل لمفاهيم السياسة الخارجية و الخطط التي يجب اتخاذها في المديين القريب ثم البعيد ، فالجزائر بمقوماتها الفكرية و الجيوسياسية كان يمكن لها أن تتبوء موقعا هاما في النسق الدولي لتكون في مصاف الدول الكبرى ، و لكن الواقع يبين يوما بعد آخر أن السياسة الخارجية الجزائرية تتقهقر إلى الحضيض في ظل عدم قدرتها على حل أبسط القضايا الخارجية إضافة إلى فشل أداتها الأساسية ممثلة في الدبلوماسية التي غدت غير فعالة إذا ما قورنت بدول أخرى ليس لها من عراقة التاريخ و قوة الجغرافيا شيء ، نظرا لتوليها من قبل أشخاص لا علاقة لهم بالرؤى الإستراتيجية و كيفية سير العلاقات الدولية و فوضوية النسق الدولي لكون غالبيتهم مقربين من نفس الأفراد اللذين يحاولون تصدير فكرة مكافحة الإرهاب للعالم على أنها أسطورة مسجلة باسم الجزائر .

    و بالتالي فان الوهم الأكبر بالنسبة للحكومة الجزائرية هو امتلاكها سياسة خارجية تضاهي تلك التي لدى المستعمر القديم ممثلا في فرنسا التي لازالت مستعمرة فكريا و اقتصاديا معظم مستعمراتها السابقة ، و الواقع أن هذا الفشل في تحقيق انجاز يسجل لها في نطاقها الإقليمي فقط يستوجب مراجعة محدداتها و مراكز صنعها ، فإذا كانت مراكز الأبحاث و المخابرات هي المتكفلة بصنع السياسة الخارجية للدول الكبرى فإننا نجهل في الجزائر الجهة المتكفلة بصنع السياسات و توجيهها بل و تكييفها وفق المتغيرات الآنية ، فبعد ست و خمسين سنة من الاستقلال لازالت السمة العاطفية هي التي تحكم تعامل الجزائر مع الدول رغم أن جل دول العالم تسير سياساتها وفق مبدأ المصلحة القومية العليا .

محمد علي القاسمي الحسني المقال لرأي اليوم

 ( الطالب الجزائري )