كتاب عرب

الشغف الغائب في تجربتي مع روايات نجيب محفوظ | د. هشام عطية عبد المقصود

أستمتع كثيرا بمشاهدة حوارات نجيب محفوظ حين تحملها شاشة ماسبيرو زمان، أنصت إليه بشغف جم فهو حكاء عظيم، خاصة حين تكون تلك التسجيلات المذاعة تخص مرحلة كهولته أو ما بعدها قليلا، وجه مبتهج أو هكذا يبدو، حاضر الذهن وقادر على منح الوقت حيوية، ولا أمتلك في حضرة الإنتاج الضخم والمتنوع لنجيب محفوظ سوى جهد القراءة هاويا ملتقطا ومضات الاستمتاع ما وسعتني طاقتي وجماليات نصوص قصصه ورواياته إلى ذلك سبيلا.

وأظن أن الكثير من الإنتاج الأدبي الروائي العربي في مجمله عدا أعمالًا قليلة لا يملك مهارة السرد الفذ والقدرة علي بناء وتعمق التوغل في الشخصية المحورية، وهو ليس فريدا في ذلك بل يشبهه الكثير من الأدب الأسيوي في جغرافيته الممتدة مهما ترجموا له تكرارا، ومعه الكثير من الأدب الأفريقي حتما، وربما لم يفلت ليدخل دائرة البراعة المذهلة – خارج سياق الأدب الغربي الأكثر تطورا – سوى بعض أدب أمريكا اللاتينية.

في تقديري أن السبب هو القدرة على التعمق في الإنسان كحالة وتفاصيل، جهد الارتحال كتابة مع وقائعه العادية وأفكاره اليومية وليس الطواف معه من بعيد أو من الظاهر أو الاكتفاء في “صف ورص” حيز متسع من شخصيات عديدة تتحاور على مساحة متسعة مجالا وزمنا، لكن ظللت أحب نجيب محفوظ إنسانا وراقتني بعض رواياته حينا ولكن كقارئ لم أستطع أن أدخل معه ساحة متعة القراءة السائغة المكتملة شغفا.

حدث ذلك كبداية لأنني اصطدمت في أولى القراءات له ببعض من أول أعماله الأدبية ذات الطابع التاريخي الذي يأخذ من سيرة الشخصيات التاريخية خيطاً ينسج عليه محتوى الرواية، ثم حدث أنه وأثناء فترة الدراسة الجامعية حصلت وبعد عنت على نسخة الرواية الممنوعة وقتها “أولاد حارتنا” والتي كان الحديث عنها أسطوريا فلم يكم كائن الإنترنت الخرافي يحمل كل الحياة علي شاشته حضورا بعد، وعندما قرأتها تحيرت لما رأيته من مباشرتها، وما قدرته بأنها كتاب فلسفي يسعى لأن يأخذ شكلا روائيا عبر شخصيات تتماس مع ما يعرفه البشر ولا يجمعها الكثير من العلاقات والتفاصيل الروائية، وأنه ربما كان امتدادها أو نسختها الأكثر إتقانا هى الحرافيش.

أقول إنني لم أستمتع كقارئ عادي بروايات نجيب محفوظ، وطبعا هو مجرد رأي يصيب ويخطئ، ولكنني أراه على هذا النحو وظل رأيا ينمو معي كلما رجعت لأقرأ رواية له لم أقراها من قبل سابقا، وبعد أن يكون قد نبهني لها صديق أو رأيتها مسلسلا دراميا ” حديث الصباح والمساء” في أعمال السيناريست المبدع محسن زايد، أقول إنني لم أحب كثيرا روايات نجيب محفوظ موقنا أن كثيرين ممن يطلقون شعارات الحرية مدوية علي كل وأي شيء لا يتسع صدرهم لمقولة ورأي وانطباع شخص يقول أنه لا يستمتع بقراءة أدب نجيب محفوظ، وبالطبع هى مجرد ذائقتي الفنية الشخصية، لا أملك ولا أعرف بل ولا أحب أن ألزم بها أحدا.

حاولت كثيرا أن أواصل القراءة له مثبتا لذاتي بأنني بالضرورة على خطأ، لكن ظل حائط يقوم بين محبة تلك الكتابات استمتاعا، فكلما أوغلت شعرت بثقل الصنعة وبغلبة المنطق الهندسي على السرد التلقائي، وببروز الفكرة والمعمار الذهني علي التلقائية والانفعالات، وأيضا بلغة معجمية غير منسابة ولا متدفقة، وجميعها لا تناسبني قارئا.

في وقت مبكر حصلت بوادر الفرقة مع أدب محفوظ في ذات الوقت الذي بهرنا يوسف إدريس في قصصه القصيرة وصنع الله إبراهيم وصبري موسي بتلك الأعمال الروائية ذات الخصوصية والتي تتلمس الإنسان فردا حائرا يسير في الحياة غربة وتلمسا لشيء غاب، ورغم تعدد دعوات الزملاء القريبين ومحاولاتهم أن أعيد النظر، ثم قرأت له أعماله الأخيرة أصداء السيرة الذاتية وأحلام فترة النقاهة، وقد أعجبني الحس الفلسفي العميق، والنظرات والعبرات، لكن غاب السرد القصصي المنساب تلقائيا كما أتصوره متذوقًا وقارئًا.

وقد أعدت قراءة الحرافيش ثانية باعتبارها جوهر إبداعه لتنتهي بحكاية أخيرة تقدم ختاما مألوفا عن عدالة لا بد وأن تسندها قوة وعن زخم الضعفاء حين يتكاتفون، عمل طال أكثر مما يستوجبه موضوعه وحبكته، وشهد تكرارا، وقفزا على منطق ألزمنا الروائي نفسه به، فكثرت المواضع التي لم يستطع أن يفسر فيها تحولات ملحمته، فتهنا عبر ما يقرب من ستمائة صفحة بين أسماء تعيد دوران حكاياتها، تقريبا بذات التفاصيل، حتى قد يخيل إليك أنك قرأت ذلك من قبل، كما أن شخوص الحارة “الحرافيش” يمضون عبر الرواية ينطقون بحكمة مصفاة وبلغة كلاسيكية، بدلا من أن تخرج حكمتهم عبر إيماءات وعبر نسق سلوكيات وأفعال ولغة عفوية يدركه القارئ ولا تقدم له جاهزة الصنعة، فبات الحوار في ظني منفصلا عن جسد الشخوص وبيئة حركتهم.

محفوظ كتب عن الفتوات من الخارج وألبسهم مسحة أسطورية تأثرا ربما بملاحم يونانية، حتى نفوذ الفتوات هو مجرد إفراز مطلق لقوة النبوت، ورغم أن هؤلاء الفتوات يحكمون سيطرتهم بمدخلات أخرى من بينها القوة البدنية التي مع الوقت لا بد وأن تضمحل والتي لا تنهض تفسيرًا قدمه محفوظ وحيدا، ليواصل تكرارا عن صعود وهبوط آل الناجي.

هذه انطباعات شكلتها قراءة معاصرة للحرافيش، أما نجيب محفوظ فهو يظل على قمة الأدب العربي المعاصر في حدود تطور هذا الأدب فنيا قياسا بالتجارب الكونية وتياراتها التحديثية كما أنه يظل فائز نوبل العربي الوحيد، قدم إبداعا أكده المتخصصون ودعم تميزه ملايين القراء، ويستحق أن نقف أمامه متأملين وأيضا مختلفين – ولو كان مجرد رأي لشخص واحد – وهو في ذلك يسري عليه ما يخص أعمال البشر.

هامش:

ومن استغني بعقله ضل ومن اكتفي برأيه زل (هكذا يتحدث الجبرتي).

المصدر المصراوي

العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم

رأي واحد على “الشغف الغائب في تجربتي مع روايات نجيب محفوظ | د. هشام عطية عبد المقصود”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

escort maltepe escort pendik escort çekmeköy escort mersin porno izle porno seks hikayeleri mersin escort bayan escort bodrum