كتاب عربموضوعات رئيسية

المعلم يقع في فخ أردوغان

هناك قرارٌ سوريٌ لا يدانيه شك أو تردد باستعادة إدلب لسيادة الدولة السورية، وهو حقٌ تمسكت به القيادة السورية في أشد الظروف حلكةً وتراجعاً، وبما أنّ تحرير إدلب هو المدخل الضروري لمجابهة القواعد الأمريكية وطموحات بعض الكرد، وبما أنّ تحرير إدلب هو وأدٌ للمشروع الأمريكي بإسقاط سوريا وتقسيمها، بما يمثل ذلك من تأبيد للهيمنة الأمريكية وبالتالي”الإسرائيلية” على المنطقة العربية، وبما أنّ الولايات المتحدة تدرك ذلك، فهي تحاول إعاقة عملية التحرير بكل الوسائل المتاحة، وهذا ما يفسر السعار السياسي والإعلامي الذي تمارسه للتهويل على الدولة السورية وحلفائها، وهو تهويلٌ وصل حد نفض الغبار عن اسطوانة “رحيل الأسد”، والعودة لهذه الاسطوانة بحد ذاتها تعني فيما تعنيه أنّ سوريا رفضت وترفض تقديم أيّ تنازلٍ سياسيٍ أو أمني أو اقتصادي للولايات المتحدة، ولا حتى أيّ تنازلٍ ولو بحجم حفظ ماء الوجه الأمريكي.

كما أنّ معركة تحرير إدلب تستبطن تحدياً أمنياً لم يستطع أحدٌ التعامل معه حتى اللحظة، وهو مصير المقاتلين الأجانب، الذين تم استجلابهم من أربع جهات الأرض عبر عملٍ استخباريٍ ضخم، مرفودٌ بوقودٍ إعلامي منتنٌ بالطائفية والمذهبية، وهو التحدي الذي كان يتم التغلب عليه سابقاً بسياسة الباصات الخضراء نحو إدلب، ولكن في معركة تحرير إدلب اليوم لا وجهة للباصات الخضراء، اللهم إلى الحدود التركية كممرٍ إلى حيث جاؤوا أو مستقر، وكلا الأمرين غير مقبول تركياً أو أوروبياً وامريكياً، إلّا في حال ساحة حربٍ أمريكيةٍ أخرى قادرة على استيعابهم واستخدامهم، وقد يكون هذا من ضمن أسبابٍ كثيرة لمحاولات التذاكي التركية، عبر محاولة تأبيد وجودهم في إدلب تحت ستار “معارضة معتدلة”، وتظل إدلب خاضعة للنفوذ التركي حتى في حال الانسحاب العسكري، لذلك تطرح تركيا بتذاكي أيضاً القضاء على جبهة النصرة من داخل إدلب عبر الجيش الذي شكلته، بذريعة أنّ العملية من الداخل ستكون أقل كلفةً على المستوى الإنساني والأخلاقي والسياسي، كما أنّها ستنتهي برفع علم الدولة السورية الرسمي على المؤسسات في إدلب والمعابر مع تركيا، ولكن مع إبقاء الطواقم العاملة دون تغيير،  كل هذا يتم عبر حصر الإرهاب بجبهة النصرة دون بقية الفصائل التابعة لتركيا، رغم أنّ جبهة النصرة لم تكن يوماً بعيدة عن التأثير والتحكم والتوجيه التركي.

هذا التذاكي الأردوغاني قابله وزير الخارجية السوري وليد المعلم بالتغابي، على قاعدة ما قال أبو تمام”ليس الغبي بسيدٍ في قومه، ولكن سيد قومه المتغابي”، فقد حصر الوزير المعلم استهدافه بـ”جبهة النصرة” أثناء مؤتمره الصحفي مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، وهو ما يوحي بوقوعه في فخ أردوغان، حيث أنّ المعضلة هي جبهة النصرة فقط، بينما الموقف السوري المعلن والممارَس عملياً، هو أنّ كل من حمل السلاح خارج إطار الدولة والقانون، تنتطبق عليه صفة الإرهاب، وهذا بالمناسبة ليس تعريفاً سورياً خالصاً، بل هو من ضمن تعريفات الإرهاب الدولية، وبما أنّ السياسة السورية تتميز بالبرود الشديد والذكاء الشديد والنفس الطويل، فيبدو أنّ هناك فخاً شديد الإحكام يُنصب لأردوغان، وهو شخصية متسرعة تمتهن الوقوع في الفخاخ على عكس السياسة السورية، لذلك قد يُعطى أردوغان مهمة القضاء على النصرة في مهلةٍ محددة، قد يبدأ بتنفيذها حين حصوله على وعدٍ روسي بأنّ القضاء على النصرة يعني القضاء على رغبة الدولة السورية بتحرير إدلب عسكرياً، والدخول في عملية تفاوضية لتحصيل بعض المكاسب السياسية، من خلال القبول السوري برفع العلم والموافقة على تواجد شخصيات ذات انتماءٍ تركي في مؤسسات إدلب، وعلى ضوء هذا الوعد يقوم أردوغان بمسرحية حرب النصرة والقضاء عليها، وذلك عبر إعادة تأهيلهم ودمجهم بـ”الجيش” الذي شكلته تركيا، وقد يكون حصر المعلم حديثه بالنصرة، هو الجزء الأول من الفخ السوري.

ويبدو أنّ تصنيف تركيا لجبهة النصرة كتنظيم إرهابي، هو بداية للذهاب نحو تكليف تركيا بالقضاء عليها على الطريقة التركية، ثم يأتي دور تسليم السلاح للدولة السورية عبر سياسة المصالحات وإعادة تأهيل المسلحين بما ترتأيه الدولة، ودخول الجيش السوري إلى إدلب عبر توافقٍ روسيٍ إيرانيٍ تركي دون الحاجة لمعاركٍ تستجلب مناوشاتٍ إقليمية ودولية لا أحد يرغب بها، فالمناورات الروسية في البحر المتوسط، هي رسالة للولايات المتحدة والغرب فحواها أنّ عودة إدلب للدولة السورية أمرٌ قد حُسم وبأيّ ثمن، وأنّه يتعين على أردوغان والغرب القبول بهذه العودة بالطريقة السهلة، عبر الفخ الذي نصبه المعلم لا عبر الفخ الكيماوي الذي تنصبه الولايات المتحدة، فهي ستعود في كلا الحالتين، وهذه العودة السهلة هي الطريقة الوحيدة التي تضمن لأردوغان تقليل خسائره كطرفٍ مهزوم، وهذا ما يجب أن يفكر به لا التفكير بتحصيل المكاسب، والأيام القادمة هي من ستكشف عن الاختيارات السهلة أو الصعبة المحور الأمريكي، وبكل الأحوال فإنّ الوزير المعلم يدفع أردوغان لاختيار الطريقة الأسهل، كما أنّ المناورات الروسية تدفع الولايات المتحدة لاتخاذ الطريقة الأسهل.

إيهاب زكي-فلسطين

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى