كتاب عربمواضيع رئيسية

توظيف الدين في السياسة وأبعاد المسؤولية القانونية الدولية

تناولت منذ أسابيع عدة الوثيقة المهمة التي وقعها شيخ الأزهر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب وبابا الفاتيكان رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، واعتبرت وكثيرين غيري أن هذه الوثيقة هي أبرز وثيقة مشتركة في تاريخ الأديان، ليس فقط من حيث أهمية من وقعها وهما الأهم فيما يتعلق بانتشار الأديان في العالم، وإنما أيضاً لما تضمنته من أفكار ومبادئ سامية مشتركة، ما يجعل من هذه المسألة فرصة تاريخية غير مسبوقة وتستحق الكثير من الاهتمام والترويج، وأن يتبناها الخطاب التعليمي والمساجد والكنائس عبر العالم لطي صفحة مظلمة في تاريخ البشرية، سواء فيما يتعلق بخلافات الأديان السماوية أم فيما يتعلق ببعد توظيف الدين في السياسة، والذي خاطبته الوثيقة وكذا كلمة الدكتور الطيب بهذه المناسبة بشجاعة فائقة، لأنني أعتقد، وطرحت هذا مرات عدة، أن أحد الأبعاد الرئيسة لمشكلة الإرهاب، أو الذي يعقدها يتمثل في قضية توظيف السياسة للدين، ولأن عالمنا المعاصر قد أضحى أكثر تعقيداً مما سبق، وأصبحت الساحة الدولية والفكرية مزدحمة للغاية بالمفاهيم سواء المتبلور منها أو غير ذلك، فإن البداية الضرورية تأتي من خلال التحديد الدقيق بمعنى توظيف السياسة للدين.

وفي الحقيقة أن مفهوم توظيف السياسة للدين هو مفهوم متسع للغاية، ويتداخل فيه الحق والباطل معاً، وأعتقد أنه يتعلق بكل استخدام للدين لأغراض سياسية، سواء للوصول للحكم أم لتبرير السياسات، وهو قديم منذ ظهور السياسة والدين، والمعرفة بتاريخ مصر القديمة توضح هذه العلاقة الملتبسة بين الحاكم والإله إلى حد المطابقة، وحرص الحاكم والكهنة المحيطين به وأتباعه لتمكينه من السلطة المطلقة من خلال التواطؤ معه لترويج أسطورة ألوهيته، ولن ندخل في تفاصيل معروفة بهذا الصدد ولكنها كانت متشابهة في الحضارات القديمة الشرقية، وكانت هناك علاقة ملتبسة مشابهة لدى ملوك الإغريق وأساطيرهم في المراحل المختلفة للإمبراطورية الإغريقية.

أما المرحلة الثانية مع ظهور الأديان السماوية، فملابساتها معروفة، فالأنبياء الثلاثة موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام قادوا الدعوة والدين ومن خلال هذه القيادة في حالتي اليهودية والإسلام نشأت السلطة السياسية، خلافاً لحالة المسيحية التي استمرت كحركة اجتماعية متمردة من دون عنف، حتى تبنتها الدولة ممثلة في الإمبراطورية الرومانية، لتنشئ السلطة الكنسية التي يمكن اعتبارها أول أشكال التوظيف السياسي للدين بعد ميلاد السيد المسيح، الذي بالقطع لم تكن في تعاليمه أو دعوته ما أدى إلى هذه الظواهر في تاريخ المسيحية، والتي يعزو البعض إليها الشكل الذي عرفته أوروبا بأنه نتاج تأثير أول مجتمع مسيحي في العالم وهو مصر، إذ كانت هناك تقاليد عميقة للتداخل بين السلطة السياسية والدين، وانتقلت هذه الأفكار إلى الكنيسة الكاثوليكية لتمارس تجربة سياسية دينية معروفة في المجتمعات الأوروبية التي كانت من البساطة والبدائية في غير روما واليونان، بحيث شكلت التجربة المؤلمة لدور الكنيسة الكاثوليكية السياسي والاجتماعي في أوروبا التي وصلت إلى عصر محاكم التفتيش، التي تولد من ظلامها الدامي عصر التنوير، والبروز التدريجي لفكرة فصل السياسة عن الدين.

ولأن الكنيسة الكاثوليكية مارست مساحتها من الحكم من خلال تحالفها مع الأسر الملكية والنبلاء في أوروبا، فقد نشأ التمرد عليها من خلال ما يعرف بحركة الإصلاح الديني التي لم يكتب لها النجاح إلا بسبب تحالفها مع سلطات الحكم أو الملكية في بعض بلدان غرب وشمال أوروبا، ما أنتج كارثة الحروب الدينية التي استغرقت قرنين حتى اكتشف كل طرف عدم قدرته على إبادة الآخر، وساعد على ذلك أن كثيراً من المجتمعات الأوروبية عرفت درجات من التداخل بين الكاثوليكية والبروتستانتية. وليس صحيحاً أن نفوذ الكنيسة الكاثوليكية تراجع بعد عصر النهضة، إذ استمر التراجع بشكل تدريجي حتى العصر الحديث، وربما كان اليوم نسبياً أقل بكثير من عقود سابقة خاصة في أميركا اللاتينية، وهو ما ينطبق بدرجات أفضل بالنسبة للبروتستانتية التي كان يفترض أنها ضد دور الكنيسة في السياسة، ولكن من يتابع دور الكنائس الأيفانجيلية وهي فرع من البروتستانتية يجد دوراً سياسياً مؤثراً لها في عديد من المجتمعات الغربية، وهو ما نشاهده اليوم في حالة الولايات المتحدة خاصة مع ترامب. وأخيراً يأتي دور الأحزاب الأوروبية التي سمت نفسها مسيحية، بمعنى الدفاع عن قيم المجتمع المسيحي الغربي من دون دور للكنيسة، واليوم بعضها يتبنى مواقف أكثر تقدمية تجاه كثير من القضايا.

أما في عالمنا العربي الإسلامي فالمسألة أكثر تعقيداً لاستمرارها حتى الآن، ولا أظن أن هناك داعياً لمناقشة كل التاريخ العربي الإسلامي لمراجعة مصادر الخلل والخلط، ولكن الأمور في العصر الحديث واضحة وليس صحيحاً أنها بدأت مع حركة «الإخوان المسلمين» في مصر، بل بدأت على المستوى الفكري مع المفكر رشيد رضا بشكل خاص، ولكن الوقفة السياسية الرئيسة يجب أن تبدأ من تولي فؤاد الأول حكم مصر حديثة الاستقلال عام 1923، وبعد سنوات قليلة من سقوط الدولة العثمانية، ومغازلة الفكرة له، واندفاع بعض الشخصيات العامة والأزهرية للترويج لمسألة الخلافة، فكان تصدي الشيخ الأزهري والمفكر الكبير علي عبدالرازق للأمر في كتابه الشهير «الإسلام وأصول الحكم» الذي أحبط الفكرة وعوقب الرجل بسببها كما هو معروف، ولكن أنصار فكرة الخلافة وتوظيف الدين للوصول إلى الحكم لم يتراجعوا، وظهرت حركة «الإخوان المسلمين» التي حظت لسنوات بدعم القصر الملكي المصري والاحتلال البريطاني كذلك لمناوئة الحركة الوطنية المصرية ممثلة في حزب الوفد، وهو ما حدث بالفعل وكان من ضمن مقدمات انهيار التجربة البرلمانية المصرية ما وصل بنا إلى تطورات 1952.

ربما منذ ذلك التاريخ فقد تنبهت أطراف عدة -إقليمية ودولية- إلى أهمية وإمكان تقديم الدعم لهذه الحركات السياسية التي توظف الدين للوصول إلى الحكم لمناوئة أنظمة سياسية معينة أو للتسبب في الفوضى في هذه البلدان بما يعمق سيطرة وتحقيق هذه الأطراف لمصالحها في هذه البلدان، من هنا نمر سريعاً على أطروحات كـ«الحلف الإسلامي»، أو استقبال ورعاية عناصر «الإخوان المسلمين» بعد هروبهم من مصر، إلى لحظتين فارقتين في التوظيف الخارجي الغربي تحديداً لهذه الأداة، إذ لا يعنينا هنا توظيف الأنظمة العربية لها في مراحل عدة من دون التقليل من أهمية هذا وضرورة المحاسبة، ولكن لهذا حديث آخر، فضلاً عن اشتراك أغلب النظم العربية والإسلامية في استخدام الفتاوى الدينية لتبرير سياساتها وقراراتها. أما الأنموذجان المهمان في توظيف القوى الغربية للتيارات الاسلامية المتشددة، فواحدة ملتبسة وهي أفغانستان بمشاركة عربية ودول إسلامية أخرى، والثانية هي نماذج ما حدث بعد ما يسمى بـ«الربيع العربي»، والتي تعد مصدر ارتباك التطور السياسي والاجتماعي في هذه البلدان.

وهنا إذا تركنا الحالة السورية لتعقيداتها وتحولاتها الشديدة، ونظرنا إلى المنطقة بعد الدروس العديدة التي مرت بها واستيعاب أطراف عدة لدروس هذا، وتوقفنا عند النموذج الليبي، حيث تدخل قطر وتركيا وتواطؤ أطراف غربية لدعم قوى الإسلام السياسي رغماً عن إرادة شعب ليبيا، فسنجد أنه من الواضح أن تفعيل نداء الحبرين الجليلين شيخ الأزهر وبابا الفاتيكان برفع الأيدي عن توظيف الدين في السياسة يجب متابعته بإجراءات قانونية دولية، تحدد المسؤوليات والجرائم التي ترتكب بحق الشعوب بهذا الصدد، وعدم الاستسلام لإشكال عدم الاتفاق على تعريف الإرهاب بآثاره القانونية الدولية، وإنما الاستفادة من مفهوم ممكن الاتفاق عليه، وهو كل أشكال توظيف الدين في السياسة، ومن بينها أي تشجيع أو تمويل للقوى والأحزاب السياسية التي تستخدم الدين في تبرير سعيها للحكم، ويتيح اتساع هذا المفهوم تجاوز الاشكالات المعروفة في العمل الدولي حول تعريف الإرهاب – بصرف النظر عن مدى تحسن أو عدم تحسن الجدل حول هذا الأمر بعض الشيء في السنوات الأخيرة – كما يتيح التركيز على مسألة عدم تقديم أي دعم خارجي للنشاط السياسي الديني الذي ترفضه أو تقدم له وثيقة الأخوة الإنسانية الإطار الفكري محل التوافق، الفرصة للمصادرة على الكثير من الأنشطة التي انتهت بالإرهاب أو في تعظيم القدرات المادية للأحزاب والجمعيات السياسية الموظفة للدين، بما أتاح لها موارد ونفوذاً مؤثرين ساعدها على تحقيق مكاسب سياسية غير عادلة في الانتخابات مثلاً، وكذلك في تمويل العمليات الإرهابية، بما يحقق تفعيلاً مهماً لهذه الوثيقة البارزة التي أخشى أن يتناساها العالم، ما يستدعي جهوداً متواصلة فكرية وقانونية وسياسية بهذا الصدد.

محمد بدرالدين زايد والمقال للحياة

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى