كتاب عربمواضيع رئيسية

الجزائر: البيضة والدجاجة

تدل معطيات كثيرة على أن الزخم الذي تميز به الحراك الشعبي الجزائري بدأ يقل، حيث لم تعد الحشود بنفس الضخامة التي عرفتها عبر كل ولايات الوطن في الأسابيع الماضية، واضطرت كاميرات التلفزة إلى الاكتفاء بتغطية مواقع معينة، أبرزها في العاصمة الجزائرية ميدان محمد خميستي، أو ما عُرف بساحة البريد المركزي، واختفت الإشارة الإعلامية إلى التظاهرات في مدن كثيرة عبر التراب الوطني، ربما لأن معظم مراسلي التلفزة لم يعودوا يجدون فيها المادة اللازمة لاستعراض المواهب الخطابية.

وتزايدت ضراوة الحملة التشهيرية التي تستهدف الفريق قايد صالح، رئيس أركان القوات المسلحة، وكانت خلفيتها غضبا متفجرا ومتزايدا لدى عناصر معينة، ومن يدعمها خارج الحدود، ضد الرجل الذي يحول بينها وبين فرض إرادتها على مجرى الأحداث بانتزاع مواقع قيادية بدون وجه حق دستوري، وهو ما يتناقض مع موقف الفريق الذي يتمسك بنص الدستور الجزائري ويرفض اتخاذ أي إجراء، مهما قلّ شأنه، يمكن أن يكون شرخا في شرعية الأداء الدستوري.

وكان الغريب أن الذين تشنجوا ضد لجوء الرئيس السابق عبد العزيز بو تفليقة للمادة (107) من الدستور، رأى أنها تعطيه سلطة تقديرية لتأجيل الانتخابات الرئاسية، على أساس أن الحالة الاستثنائية التي تجتازها البلاد فرضت ذلك، وكانت في نظري كما سبق أن قلت، عدم تقدم مرشحين في مستوى أكبر دولة إفريقية وواحدة من أهم دول الأوبيك والوطن العربي، أولئك راحوا اليوم يطالبون باعتماد بهذه المادة للوقوف ضد إجراء الانتخابات في موعدها الدستوري يوم 4 يوليو القادم، ويدعون بأن الدستور كُتب ليُعمل به في ظروف طبيعية، وكأن الجزائر تعيش الآن تحت وطأة الحرب العالمية الثالثة.

في هذه الأثناء تعرف البلاد وضعية متابعة وترقب لتحركات القضاء في ملاحقة الفساد والمفسدين، وكان من اللافت للنظر أن شخصيتين من القيادات السامية استدعيتا للاستجواب في المحاكم، أولهما الوزير الأول السابق أحمد أو يحيى، والثاني مدير الأمن الوطني الأسبق اللواء عبد الغني الهامل، وقبل هذا قرارات التحفظ القضائي على عدد من أشهر أصحاب المال في الجزائر.

هذه النقطة الأخيرة على وجه التحديد كانت السبب الرئيسي في التشنج ضد المسؤول الأول في المؤسسة العسكرية، واتهامه أنه، بموقفه الداعم لملاحقة عناصر الفساد، يُحوّل الأنظار عن الاهتمام بالشأن السياسي ويدفعها إلى التركيز على الجانب القضائي، وهما اهتمامان يذكران بقضية البيضة  والدجاجة.

وتزايد تشنج العناصر التي أغضبها عدم تجاوب المؤسسة العسكرية مع الطروحات اللا دستورية المطالِبة بما قدمته على أنه “حلول سياسية لمشكلة سياسية” عَجَزَ الدستور عن إيجاد حلول لها، وهو تفسير مُغْرِضٌ للمادة (7) التي تؤكد أن السيادة هي للشعب يدفع نحو تشكيل هيئة رئاسية لا ينصّ عليها الدستور، تعطي الفرصة لقيادات من الأحزاب والمجتمع المدني لتولى مواقع قيادية تُمكّنها من إجراء تحويرات في تشكيل الحكومة والقيام بتعيينات معينة خصوصا في المسؤوليات الأمنية، قد تصل في لحظة ما إلى إجراء تعديلات في القيادات العسكرية، التي تأكدَ أن قوًى خارجية غير راضية عنها لأسباب سبق لي التطرق لها.

ولعل هذا هو الهاجس الأول لدي المؤسسة العسكرية.

والواقع أن تلك الأطماع هي التي تقف وراء لافتات ضخمة تكرر المناداة برحيل الجميع، وخلف تجمعات مفتعلة تواصل ترديد نفس الهتاف، ومحاولات للتسرب الفكري داخل بعض الجامعات والمؤسسات التعليمية، وكلها دليل على أن البعض أصبح يعيش وضعية هيستيرية تريد أن تبتز القيادة العسكرية بالظواهر الصوتية المفتعلة، على أمل أن تشعر بالخوف من التهديدات المبطنة، بل والمعلنة أحيانا، بتحريض الجماهير ضد الجيش الوطني، وهكذا يمكن استغلال الحشود لانتزاع السلطة الفعلية في البلاد.

والذي حدث هو أن الجماهير الجزائرية الواعية في معظمها أدركت أن خلفية الهجوم على قايد صالح هو خلق تناقض داخل المؤسسة العسكرية لتغيير المواقف السياسية، ولكي يتوقف الدعم الضمني القويّ لمسار العدالة فيما يتعلق بمتابعة أصحاب رؤوس الأموال الذين يجسدون كل أنواع الفساد.

ووقع المهاجمون في فخ لم يكونوا يتوقعونه عندما ادّعوا بأن القضاء يمارس انتقائية في استهداف رجال الأعمال الأثرياء، وبأن الذين طالتهم يد العدالة كانوا من منطقة جغرافية واحدة، وكان الرد التلقائي من معظم المواطنين بأن هذا هو اعتراف بأن الثروة استولت عليها نفس المنطقة الجغرافية، وهو، للأمانة، ليس أمر صحيحا بصفة مطلقة، ولكن ما حدث كان تكرارا لقضية الدُبّ الذي حاول أن يُنقذ صاحبه النائم من ذبابة حطت على وجهه.

غير أن الذين يتابعون تطور الأحداث بالكثير من الوعي أدركوا أن القيادة العسكرية، وهي الضامن الرئيسي للاستقرار في البلاد، تفهمت أهمية العمل الذي تقوم به العدالة لأنها أحسّت بأن تحركات رأس المال الطفيلي المشبوهة والمتزايدة على الساحة السياسية يمكن أن تتسبب في حدوث وضعيات من الفوضى سوف تؤثر على استقرار البلاد، وقد تؤدي إلى صدامات أسوأ من أحداث الثمانينيات ومأساة التسعينيات، مما يضطر القوات المسلحة للخروج عن مهمتها الأساسية التي يحددها الدستور.

وكان هذا هو الهاجس الثاني وراء موقف المؤسسة العسكرية.

وبالرغم من أن المستويات القضائية العليا في الجزائر أصدرت بيانا نفت فيها تعرضها لأي ضغوط تفرض عليها فتح أي ملفات تتعلق بالفساد إلا أنه من الثابت، بحكم موازين القوى في العالم الثالث، أن عدم إظهار المؤسسة العسكرية لأي تبرم من توسع التحقيقات هو في حد ذاته تشجيع للقضاء على أداء واجبه، الذي عرقلته عبر السنوات الماضية التدخلات الهاتفية والتوجيهات بل والتعليمات المباشرة.

وتزامن هذا مع الذعر الذي أصيب به البعض من تناقص حجم التظاهرات الشعبية، وبالتالي تضاءلُ إمكانية ممارسة الضغوط على المؤسسة العسكرية، وهكذا تصاعدت صرخات مفاجئة تندد بما أسْموْه “حرمان المواطن الجزائري من حقه في التحرك داخل بلاده”، وكانت خلفية هذا التنديد، الصادر عن توجهاتٍ معينة فشلت في فرض إرادتها على القرار السياسي، هو الموقف الذي اتخذته السلطات الأمنية للحيلولة دون “نقل” حشود جماهيرية من ولايات مجاورة لتضخيم وضعية التظاهر في ساحة البريد المركزي، التي أصبحت في العاصمة الجزائرية مرادفا لميدان التحرير في العاصمة المصرية خلال الـ18 يوما التاريخية.

ومن هنا ينتظر أن تبذل اليوم الأربعاء جهود محمومة لتضخيم تظاهرات أول مايو، لتكون نظيرا أو بديلا لتظاهرات الحراك.

ويلاحظ هنا أن بعض قنوات التلفزة الخارجية، على اختلاف توجهاتها وخلفياتها، تضامنت في التنديد المباشر وغير المباشر بما أصبح يُسمّى “حُكم العسكر”، وهكذا نجد في قناة “الشرق” محتوىً لا يختلف كثيرا عن مضمون برامج “فرانس 24″، ويتضح بشكل سافر في نوعية المدعوين لحلقات الحوار في تلك القنوات، وهو أمر طبيعي بالنسبة لقنوات ليست بعيدة عن براثن المخابرات الأجنبية لكنه أمر مذموم وغبيّ عندما يصدر عن قناة ترفع شعار النضال ضد الصهينة وعملائها في الشرق والغرب، مضمونها الثابت هو الهجوم على العسكر، وهي محقة في هذا ولكن ليس بالنسبة للجيش الجزائري، وهو ما سبق أن شرحته بالتفصيل المُمِل.

وتقتضي الأمانة الاعتراف بأن هذا يتزامن مع النقص المعيب في الأداء الإعلامي والديبلوماسي الجزائري، وهكذا نجد أمر مشابها في بعض وسائل الإعلام الجزائرية، التي أصبحت تجسد وضعية تحالف غير طبيعيّ، يشبه عارض “المِثلية”، بين يمين إسلامي ويسار لائكي، وكلاهما تقوده أطماع البعض في الوصول إلى مواقع قيادية خارج الإطار الانتخابي الذي يفرض الأداء الديموقراطي، وتدعمه قيادات ترفع لواء المعارضة ولكنها لا تريدُ أن تفهم أن الشارع رفضها تماما حتى قبل أن يرفض السلطة القائمة، ويعلم الله دور الخارج في التأثير على المواقف أو توجيهها، وهو ما لا أنفيه ولا أؤكده، تاركا الأمر لأولي العلم.

ويتصور كثيرون أن هناك من يعمل على التقارب مع بعض عناصر الجبهة الإسلامية للإنقاذ بعد أن لوحظت ضخامة هتافات “عليها نحيا وعليها نموت” التي عرفها حي “بلكور” في تشييع جنازة الشيخ عباسي مدني، على أساس أن القاسم المشترك بين الجميع هو كراهية النظام القائم، لكن الوطنيين يأملون بألا ينسى الإسلاميون ما عاشوه من قمع وتشريد في العشرية السوداء على يد نفس العناصر التي تسعى اليوم للتحالف معهم.

هذا كله يتابعه الشارع الجزائري بنسب متفاوتة من إدراك كل الخلفيات وفهم كل الدوافع، ويضاعف من الضبابية عدم وجود قيادات شابة واعية وقادرة على استيعاب حركة الشارع وتوجيهه وترجمة مطالبه الحقيقية، وفشل قيادة الإعلام الوطني في خلق رأي عام منسجم، نتيجة تكاثر الصحف الجزائرية الذي تم في السنوات الماضية بخلفيات خبيثة، من أهمها “سياسيا” تفتيت الرأي العام، و”ماليا” الاستفادة من أموال الإشهار الرسمي والخاص، وهي عملية تحالفت فيها بعض مصالح المخابرات مع دخلاء لا علاقة مباشرة لهم بمجال السلطة الرابعة، وأسماهم إعلامي مرموق “تجار الشنطة الإعلامية”.

ويكفي للتدليل على هذا أن الجزائر تصدر نحو 150 صحيفة، كثير منها لا يبيع أكثر من بضع عشرات من النسخ، ولكن معظمها يتلقى إعلانات إشهارية، منها ما ينتزع من شركات المواد الاستهلاكية التي تكاثرت بشكل غريب في السنوات الأخيرة.

بالتوازي مع هذه الوضعية فوجئ كثيرون بأن رئاسة الدولة تنطلق في إجراء تعيينات هامة على مختلف المستويات الوظيفية، تبدأ من الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية وتصل إلى إدارة شركة الإشهار، مرورا بمنصبٍ كان مجرد التفكير في تغيير مسؤوله الأول قرارا لا يجرؤ على التفكير فيه أصغر المراهقين سنا، وهو إدارة إقامة الدولة في نادي الصنوبر، وذلك في الوقت الذي كان الحراك الشعبي ينتظر فيه تغيير الحكومة بأكملها.

ولأن رئيس الدولة، طبقا للمادة 104 من الدستور، لا يملك حق إقالة الحكومة كانت هناك اقتراحات على بعض مواقع التواصل الاجتماعي تحث أعضاء الحكومة على كتابة استقالات فردية توضع تحت تصرف رئيس الدولة ليتمكن من تعيين وزارة جديدة تمتص غضب الشارع، وتسهل تجنيده لإنجاح الانتخابات الرئاسية المتوقعة في يوليو 2019.

وترتفع أصوات شبابية وتظهر في الشارع لافتات تنادي بدعوة الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي ليترشح لرئاسة الجمهورية في انتخابات يوليو، ومن منطلق أنه لم تتقدم لها، بعدُ، شخصيات يمكن أن تشجع الجماهير على عدم المقاطعة، لكنني لا أتصور أن “سي أحمد” يمكن أن يتقبل الفكرة، وقد قال لي ضاحكا في الأسبوع الماضي أنه مصاب بأزمة بردية، اللهم إلا إذا دُعي لذلك بقوة من أعلى مستويات المسؤولية في الدولة، وهو ما أرجوه.

وهكذا تعيش الجزائر اليوم عملية شد حبل بين السلطة الراغبة في خروج دستوري سريع من وضعية الشغور الرئاسي وبين العناصر السياسية التي تحاول تأخير الانتخابات الرئاسية إلى أبعد تاريخ ممكن، على أمل أن تتمكن من انتزاع السلطة الفعلية بعيدا عن الاستشارة الجماهيرية المباشرة.

ولأن الفضائيات العربية بشكل عام لا تملك المعطيات الكافية للقيام بتحليل سليم للأوضاع فهي تخلط في التعليقات الإعلامية بين الجزائر والسودان، وأحيانا فنزويلا، وبين أسبقية السياسية وأسبقية العدالة، ويظل كثيرون حائرون بين البيضة والدجاجة.

دكتور محيي الدين عميمور- مفكر ووزير اعلام جزائري سابق والمقال من رأي اليوم

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى