كتاب عربموضوعات رئيسية

كورونا.. واخلاقيات الغرب الرأسمالي ظلمتم كورونا.. وأنتم الظالمون

استوقفتني مقابلة تلفزيونية على قناة محلية فرنسية (ل.سي.اي) لطبيبين فرنسيين، عقب اقتراحهما تجربة اللقاحات التي سيتم تطويرها ضد فيروس كورونا في قارة إفريقيا. وبحسب ما ذكرته العديد من وسائل الإعلام الفرنسية، فإن المدير العام للمعهد الوطني للصحة والأبحاث الطبية، كاميل لوكت، ورئيس طوارئ مستشفى كوشان باريس جان بول ميرا، عرضا ذلك الاقتراح خلال مشاركتهما في برنامج تلفزيوني على القناة  المحلية الفرنسية, وفي تعليقه على دراسة علمية حول ما إذا كان اللقاح  المطبق ضد “السل” فعال ضد كورونا؟!، قال ميرا: “لو أستطيع أن أكون استفزازيًا، ألا يمكننا اختبار هذا العمل أولاً في إفريقيا التي لا توجد فيها كمامات ولا علاج ولا عناية مركزة”؟!، أما لوكت المدير العام للمعهد الوطني، قال في تعليقه على مقترح ميرا: “أنت على حق, نعتزم إجراء دراسة حول  فعالية اللقاح في إفريقيا، سنطلق هذه الدراسة”.

السؤال هنا، هل الشعوب الافريقية والاسيوية أصبحت “فئران تجارب” لمختبرات “الأخلاقية” الفرنسية والنيوليبرالية الغربية الجديدة؟!!.

هذا بحد ذاته ينعش السوس في خشبة ذاكرتنا القديمة, عن أخلاقيات الاستعمارية القديمة-الجديدة للفرنسيين وامثالهم من النيوليبرالية الجديدة الامريكية والغربية على حد سواء، ونظرتهم الاستعلائية واللاأخلاقية واللاإنسانية تجاه الشعوب الأخرى.

واقع الحال يقول، ان سياسية كورونا لا تستقيم مع سياساتكم واطماعكم الاستعمارية:

كورونا…لا يستعمر الناس ويصادر ثرواتهم ويستبيح سيادتهم فوق ارضهم!، كورونا…لا يحتوي “قاموسه الوبائي” على مصطلح “التمييز العنصري”!، كورونا… لا يسرق ” الكمامات” من مطارات العالم مثل ترامب ومخابراته!، ولا يسعي لاستحواذ العلاج المرتقب كصفقة تجارية ربحية احتكارية!!، كورونا…لا يقصف الناس الامنين بالصواريخ العابرة للقارات! ,

كورونا… ليس من “سياسته المعهودة” حروب الحصار والعقوبات الاقتصادية والتجويع للشعوب!!، ولا يتفنن بحياكة “أقذر” المؤامرات الدولية في اقبية مجلس الامن ضد الشعوب وحريتها وسيادتها وينهب ثرواتها.

كورونا… لا ينتمي الى دين او معتقد او أيديولوجيا، وأنتم “تسييسونه” وفق مصالحكم السياسية الداخلية والخارجية، في مواجهة التكتلات الاقتصادية العالمية في أوروبا وجنوب شرق اسيا، لاحتوائها وتفتيتها ومن ثم الانقضاض عليها.

كورونا… قالها بصريح العبارة، إن الأرض ومواردها المستنزفة والمنهوبة، تحتاج إلى “استراحة” المحارب القديم، لتستجمع قواها وتعيد انتاج دورة حياتها الطبيعية وتوازنها من جديد، في وجه كل الطامعين والمستغلين لسيرتها الأولى, فقد ارهبها الاستخدام الجائر لمواردها, ولوث جوها غازات وعوادم المصانع العملاقة ونفاياتها.

وقال أيضا، ان الجامعات والمعاهد الدولية ومختبراتها، تحتاج إلى “قيلولة علمية”، لتعود من جديد وبروح مختلفة وقيمة علمية تحاكي الإنسانية روحاً وشعوراً، ولا تحاكي “الغريزة” والإرادة الاستعمارية “للترامبية الجديدة”، بإنتاج أدوات القتل والتدمير والاوبئة الفتاكة في حروبها المستعرة ضد الإنسانية جمعاء.

وفي السياق نفسه, أعلن كورونا بانه قد اَن الأوان لمجلس “الامن الدولي”، أن يغلق ابوابه وقاعته دون أصنامه المتحجرة، الذين ما انفكوا في نسج المؤامرات والحروب والقتل، كسيناريوهات لأفلام “هوليودية”، تحاكي خيالهم الاستعماري في شكله وأنموذجه الجديد، في الحصار والعقوبات الاقتصادية وتجويع الشعوب وإفقارها.

ويرى أيضا، ان المساجد والمعابد والكنائس عزمت على طرد روادها وزوارها لحين تعقيم قلوبهم وأرواحهم قبل أجسادهم، حيث اعلنت هذه المعابد “حالة حجر صحي واخلاقي” على مكنونها القيمي والروحي، ورفعت شعار “بكفّي” الإتجار بالدين وقبلته وفتاوى نصوصه، فأغلقت أبوابها تمرداً على زيغ القلوب والأنفس، حتى ترتدي العقول قبل الأجساد من جديد ثوب الطهر والنقاء.

والبحار والمحيطات, التي أقلقتها هدير البوارج الحربية واساطيل الموت العملاقة، ولوثتها سموم التجارب النووية ونفاياتها، -التي غيرت من طبيعتها وصيرورتها وأعلنت الموت لسكانها-، تحتاج الى حالة من التوازن والاستجمام، فأطلقت رسالتها الأولى “تسونامي” الانذار، ومن رحمتها بنا قررت أنها لن تكرر مأساته ثانية، فدعتنا إلى أعمال العقل والتدبر وحوار”القيمة للقيمة”، للحفاظ على “قريتنا الصغيرة” من الهلاك والاندثار.

وكورونا…تعاطف مع العصافير والطيور المهاجرة، التي حلمت بان تفتح أجنحتها على مداها وبحرية كاملة في سماء موطنها الأصلي, غير آبهة بالمعادن الطيارة وزحمة مرورها وسمومها، ولا بالصواريخ العابرة للقارات التي تخفي تحت أجنحتها الموت للناس الاًمنين والدمار للحضارات القديمة والعريقة، لتعلن تحرير السماء من الغزو البشري وتماديه اللاأخلاقي لموطنها السيادي.

والفقير ربما احتاج ايضا الى الإحساس به وباًلامه، ليعزي حرمانه الطويل من متاع الأغنياء ورفاهيتهم، بنكهة المساواة والعدالة” الكورونية”.

ان “العقلانية العالمية” ولغة الحوار الواعي يتطلب، إعادة النظر في كل المنهج الاقتصادي العالمي، سياساته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والتعامل مع البشرية انطلاقا من قيمتها الإنسانية، والتخلي عن الجشع والنهب الأناني للمجتمعات المتقدمة على حساب الفقيرة، واسقاط “العولمة” وكل اثارها واستحقاقاتها، التي حولت الانسان الى سلعة تبادلية في السوق العالمي، القائم على سباق التسلح بكل اشكاله، والحصار والعقوبات الاقتصادية وسياسة التجويع، واولوية توفير الضمان الاجتماعي والصحي والعيش الكريم.

ان “العقلانية العالمية” ولغة الحوار يتطلب، حراكا ثوريا عالميا لإصلاح النظام العالمي القائم، بما يضمن مصالح البشرية جمعاء، والحفاظ على ثروات الطبيعة ومخزوناتها، نظام عالمي (سياسي –اقتصادي) يقوم على التعاون والسلم العالميين وحوار الثقافات وليس تصارعها، بما ينهي كل أشكال العنصرية والتمييز والتسلط السياسي والاقتصادي والثقافي، كل اثارالعولمة ونتائجها الكارثية على المجتمعات، وخصوصا التنموية منها والفقيرة.

نحتاج أن نتعلم ونتدبر ونتعظ ونحترم الطبيعة وقوانينها، لندافع عن آخر معاركنا في تقديس انسانيتنا، ونعيد ترسيخ القيم والأخلاق التي غادرتنا.

أخيرا, شكرا كورونا… لقد اعدت الناس الى بيوتها, ليكتشفوا معنى الاسرة وروابطها الاجتماعية الحميمية والاصيلة من جديد، بعد ان غيبتها “عولمة” الفكر والثقافة والاستهلاك.

كورونا… وباء سيكتشفون له دواء، اما امراض البشرية فلا شفاء منها الا في السماء.

ظلمتم كورونا… وأنتم الظالمون.

 

د. باسم عثمان-كاتب وباحث

[button color="purple " size="medium" link="https://maurinews.info/" icon="fas fa-home" target="false" nofollow="false"]العودة إلى الصفحة الرئيسية[/button]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى