كتاب عربموضوعات رئيسية

عن سوريا العربية احدثكم/ د. كمال خلف الطويل

كان تمكُّن الفكرة العربية من “الشوام” الأمتن والأوثق بين عرب القارّتين لتماسّ منطقتهم مع الأناضول من جهة, و”لطبيعية” أن ترث “العروبية” “الإسلامية” مع سقوط الخلافة، من جهة أخرى.

 عروبة “الشوام” لذا كانت فعل إيمان وفعل ممارسة.. والحديث هنا عن الجمهور وعن جلّ النخب, إذ ما كان في وسع السوري (1920-1958 و 1961-2011)

أن يقتنع بمسوغٍ لسوريا “مصغّرة”، فناسَ دوماً بين هويته المحلية الصغرى وهويته العربية الأكبر, دون أن يرى مكاناً بينهما لوسيطْ، سيماو”الشام” – مداه الطبيعي – موزعٌ على فلسطين مصهيَنة، ولبنان وأردن مصطَنعين

والشاهد أن الطبيعة القلقة ل”الكيان” يسّرت نفاذ القوى الاقليمية والدولية الى حشاياه, فتصارعت فيها عليه مدفوعةً ب”فالقية” دوره: قلب “الشام” وشطره الأكبر.. اسرائيل محتلةً جنوب اقليمه.. عمقه العراقي.. مقتربه الخليجي.. ناقليته الطاقيّة.. تحادّه مع تركيا- الناتو.. وطلّته على شرق المتوسط.

ودون غرق في لجّة حوليات 1943-1958 فلعل السمة الرئيسة لها هي صراع العروش (الهاشميان في العراق والأردن -وبرغم تنافس بينهما على القلب-, قبالة العلوي – ثم يوليو ٥٢- في مصر مؤتلفاً مع السعودي)، بالتوازي مع مفاعيل الصراع الفرنسي-البريطاني (1943-1949), والصراع الأمريكي- البريطاني (1949-1954).

وعبر فترة ما بين الاستقلال والوحدة, توزعت النخب السياسية السورية بين كثرةٍ راهنت على – بل وارتهنت ل – قوىً في الإقليم (سعودية وهاشمية) وأبعد منه (أمريكية وبريطانية و.. سوفييتية), وكثرةٍ أصغر حافظت على قدر من الاستقلالية طاغٍ (البعث, وتقدميوا حزب الشعب, -وقلّة في الحزب الوطني-, في الأساس).

(وهنا ينبغي لحظُ الفارق بين دعوة الاتحاد “السوراقي”, ما بين 1946 و 1952, حتى ولو تحت بيرق هاشمي وببعض نفوذ بريطاني, وبين دعوة حلف بغداد, ما بين 1955 و 1958, ألا وهو موقف اليشوف/اسرائيل منهما: عداء مرير للأولى, ووأدها بالتوافق مع الولايات المتحدة.. والارتياح – وإن الصامت – للثانية).

ما غيّر معادلات الصراع، منذ 1955، كان انبثاق حركة القومية العربية – بقاعدتها وقيادتها القاهرية -, فهمّشت العروش، وأنقصت وزن تركيا- الناتو، وكسّرت أجنحة البريطانيين والفرنسيين في سويس- 56.

– هنا تكمن الصلة الجدلية بين سوريا والعروبة.. أفعلاً هي متلازمة؟.. أم أن سوريا سوروية في الأوراق؟.. أم هل “سوراقيا” عربية غب الطلب؟.. أم ماذا؟..

صراحة الكلَم تقتضي استدخال معطيات دالّة: ما بين الجماعات الفرعية السورية، واحدةٌ بالذات تحمل بين جوانحها مشروعاً سياسياً فئوياً – ومنذ عام 1957- هي كرد سوريا. هؤلاء يشكلون قرابة 6-8 بالمئة من مجموع المواطنين السوريين، ويقطنون في مواضع ثلاثة في الشمال السوري, منقطعة جغرافياً الواحدة عن الأخرى, بل ولا يصلون في الأكبر منها (الشمال الشرقي) إلا لقرابة الثلث من سورييها.. برغم ذلك كله يريدون انفصالاً عن سوريا (ولو بدأ بحكم ذاتي – مقنّع أم سافر- ثم فدرالية سورية, على طريقه) ثم التحاقاً باشطارٍ أخرى يسعَون لفصلها عن أوطانها: العراقية والتركية والإيرانية, لتشكل معاً كردستان كبرى.

مشروع الكردية السياسية يتنافى مع أية سوريا كانت: سواءٌ سوروية أم سوراقية أم عربية … وإذن، فالدعوة “السوروية” لا تلبي لهم مطلباً, ولا تقنعهم بالمكوث تحت لوائها لمجرد كونها مُذوَّبة العروبة.

ليس الأمر هكذا مع أرمن وشركس/شيشان سوريا, ولسبب بسيط هو انعدام مشاريع سياسية لديهم تخرج عن الأبجدية السورية. وحتى التركمان، فلولا التثمير التركي في أجواء الحرب السورية لما كان لهم من إرهاصات مشروعٍ, كما لاح خلالها ؛ وعندي أن من أشعل النيران يطفيها.

إذن, فحجة استفزاز “العروبة” لسوريين من جماعاتٍ فرعية تَبطُل مع إدراك أن أكبرهم مستفزَّةٌ نحو أية صيغة تلجم انفصاليتها, وأن من سواها ليسوا في وارد تقليد مغامرتها المشاريعية, لتوفر نواهي السلب وانعدام حوافز الإيجاب.

طيب، هذا لجهة الاستفزاز من عدمه.. لكن السؤال هو: لماذا العروبة مطلوبةٌ سورياً؟

ليس في الأمر رومانس ولا أيديولوجيا ولا عصبية.. هي لأنها ببساطة عاصم الوحدة المجتمعية السورية.

وقبل أن أتوسع فكأني بأحد يقول: ولمَ ليست “الإسلامية” السبيل؟ والجواب أنه وطالما الحديث عن قطرٍ متموضع في المشرق ف”الإسلامية” – وليس الإسلام – هوية تفريق لا تجميع، لأنها ببساطة تؤشّر إلى الحامل السني في وجه المذاهب المسلمة غير السنية.. ولعل مجريات 79-82, ثم 011-020 السورية شاهدةٌ على ما أقول.

وفي المقابل, فصفة “الإسلامية” في قطر غلبت فيه شيعته, أم فيه كثرت, تصِمُ في نظر سنّته تنظيماً يرفع بيرق التشيع بمذهبي المسار, لا شامل- الإسلامية.

إذن, ينحصر الحديث عن هوية سوريا بين سوروية وسوراقية وعربية: أسارع لأقول أن “السوراقية” تتكامل مع العربية ولا تتفاضل, ف”سوراقيا” هي حكماً عربية, ومن ثم فوحدة إقليم – أو تكامل أشطاره – موطّأ لكومنولث عربي, لا بديلاً عنه.

وثانيةً إذن, فالنقاش هو حول “سوروية” أم “عربية – سوراقية”؟.. وبعلم أن أكبر المجموعات الفرعية الإثنية تُعامل “الهويتين” بإنكارٍ وتناءٍ, فمجرد احتسابها عاملاً مقرراً يُلفَظ خارج المدار (بافتراض أن الهوية مسألة اختيار, وهي ليست).

طيب , في هذه الحالة ما الذي في “السوروية” من مزايا تجعل “انتخابها” اكسير حياةٍ لسوريا (ومرةً ثانيةً: بافتراض أن هناك “انتخابٌ” لهوية.. وليس هنالك)؟

نتحدث هنا عن “السوروية” هويةً، لا عن السورية كياناًً.. والفرق بيّن, سيما والحديث عمّن هو ضمان الثانية.. وأقول: سوريا سوروية تساوي صفراً كبيراً, في

ميزان الجيوستراتيجيا، وفي حساب المصالح، وفي ضمان السلامة, ناهيك أن اغترابها عن حقائق القوة – باحتساب القوى التي حولها وأخطرها من ينازعها الشام, حتى فيها – يُقاس بأميال ضوئية.

 لا يحتاج داعية “السوروية” إلا ليلقي نظرةً على خريطة “سوريته” ليدرك ما أقول, وليستقلب أن محصلة الجغرافيا + التاريخ + متغيرات العصر هي التي تحكم الضرورة (بقاءً ونماءً)، والهوية، معاً.

طيب في المقابل, هل العروبة سورياً ما تتوفر فيه تلك الشرائط؟.. والجواب بنعم, للأسباب التالية:

حواملها السورية تشكل ما يربو عن 90% من مواطنيها, في الاعتبار الإثني, وما يصل لأكثر مع ارتضاء المجموعات الاثنية الفرعية – باستثناء من صاحبة مشروعٍ

– العروبة هوية انتماء حضاري وكياني.

تلواً, فهي الملاط اللاحم لنسغ المجتمع السوري وعاصم وحدته الداخلية.

وتِبعاً, فهي ضرورة تحصينٍ لمنعتها كيلا تصبح وجبةً على موائد الخارج.

وأخيراً, فهي تراثها وثقافتها ووعيها.

طيب والحال كذلك, لمَ كل تلك الفورة من شكٍ وتساؤلٍ وحيرةْ في موضوعة الهوية العربية رغم انقضاء عقود ثمانية على نشوء “الكيان” السوري الواحد؟..

هي نتاج اضطراب حبل مجتمعٍ ضربته زلازل التفجير والانفجار, في لحظة تاريخية سانحة, فطوّحت به أرضاً, مرتجّاً بحادث وعائي – دماغي شلّ قدراته على التمييز الصائب. أهم نتائج هذا الاضطراب كانت الخلط التداخلي مابين الانتماء العروبي لعموم المجتمع، وما بين انتماء نظام الدولة لمفهومه من جهة, كما مابين شعور السوريين الجمعي والمكثف بهذا الانتماء وما قابلوه من جحودٍ عند أنظمة عربية – بل وعند مواطنين عرب – وهم في عزّ محنتهم.

والحال أن أياً من العاملَين لا يصلح للقياس عليه بحال من الأحوال, فنظام الدولة وإنِ انتمى إلى الفضاء العروبي إلا أن مصدر شكوى قطاع من المواطنين منه لم يكن ذلك الانتماء وإنما سياسات داخلية اختطها وسار عليها. في المقابل، فقطاع مقابل من المواطنين، وهو المؤيد لنظام الدولة، بات ساخطاً عليه لمجرد أنه باقٍ على مفهوم عروبة سوريا، وبوهم أن نزعها مآله ضمان هوية تريحهم، لصغر قطرها، عن الذوبان في محيط عربي أوسع، بتطيّر أن العروبة تعني الإسلام، لا بل والسني منه.

طيب، من يراجع سجل السياسية -Polity- السورية، منذ الاستقلال ولتاريخه، لا يعثر على سبب لرميها بوصف “السنّوية”، لا قبل ٧٠ ولا بعده، ليبرر لهؤلاء رهابهم.

أما نِسبة العروبة الى أنظمة صُدم السوريون بجحود ما تصرفت به نحوهم في أزمتهم فلا تجوز بأي مقياس, فلم تعرف بأنها مشعر من يعرف الواجب.. وأما تعامل مواطنين عرب سيء فهو – دونما معاذير تبريرية – نتاج النكوص الاقتصادي الذي وصلته بلاد العرب, سوى الخليج, معطوفاً على رواسب رشحت من لدن سلوكيات سُلَط.

أيكفي هذا كله لتفسير غربة سوريين عن العروبة؟.. غربة بعض هؤلاء عنها تنشّأت من غربة نظام الدولة عنهم, فأضحى تفشي الملامة من طبائع هذه الأوقات, سيما والشعاراتية المكرورة -منضافةً على إعلام خرِع- تخرّش لا شغاف القلب فحسب بل وحتى تاموره, حنقاً لا على المرسل وحده بل وعلى الرسالة برمّتها.

لذا, فأحوج ما تحتاجه سوريا هو عقد جديد يوازن بين الدولة والمجتمع, ويصالح بين “فلسفتها” – والتي هي تاريخياً “فلسفته” – وبين كرامة العيش وعدله.

والشاهد أن كل نخب ما بعد الاستقلال الحاكمة – ما قبل البعث – لم تحِد بوصلتها عن مشعر العروبة, فحزبي الشعب والوطني تنافسا فيمن الأشد مضاءً في امتشاق دعوتها (رئيس وزراء- 50: ناظم القدسي كان من خطّ مشروع الاتحاد العربي, ورئيس وزراء- 56 الى 58: صبري العسلي كان من نواقل الوحدة المصرية-السورية), وأديب الشيشكلي –ذو الخلفية القومية السورية– نزع قميصه السوري وارتدى معطفاً عربياً (حركة التحرير العربي) لمّا حكم, مكرراً ما فعله أكرم الحوراني قبله بعقد, وتسابق الجميع في فترة 54-57 على نيل شرف من العروبي الأول.. بل ووصل الأمر أن زمرة الانفصال السوري حرصت أن تضيف وصف “العربية” على سوريا دريئةً تقيها من وصمة “السوروية”, لا بل وطبَقوا الآفاق زعيقاً “عروبياً” فاض عما أدمنه البعث بأطواره الثلاثة التالية لعهدهم.

إن سجلّ نصف قرن من البعث حاكماً في سوريا, وثلث قرن في العراق, كان كيساً مملوءاً بالإنجازات والخيبات.. وفي الأخيرة: فمن الفشل في إقامة وحدة “سوراقيا” العربية, إلى الخفّة في إدارة الصراع مع اسرائيل قبل 67, الى هزيمة 67, إلى أيلول الأسود, إلى الحرب مع إيران, الى اجتياح الكويت, الى الاستنزاف اللبناني, الى اجتياح اسرائيل للبنان (بعلمِ أداءٍ سوري مشرّف ما بين 8 الى 11 حزيران 82), الى احتلال العراق؛ وجد السوري نفسه شاهداً على إخفاق حركةٍ هي العروبة السياسية, فمزج -باللاشعور- بين ذلك الإخفاق وبين مدلول العروبة ذاته.

ورغم أن الذاتي في سجلّ البعث السلبي كبيرْ إلا أن الأوزن ثقَلاً من أسباب الانكسار العروبي هو الموضوعي: اختلال موازين القوة بين العروبة السياسية وبين أعدائها العتاة.

في المقابل, فدوام انكسارها – العروبة السياسية – وصفة خرابٍ لكلٍ قطر عربي, فيسّاقطوا كأحجار الدومينو.. الواحد تلو الآخر.

هل قابلةٌ لتعود وتمسك بأعنّة عالم العرب؟.. برغم أن الضرورة لا تفضي حُكماً الى حتمية, فضلاً عن أنه لا حتميات تاريخية, فإن استشرافاً لماّل سوريا – كمثالٍ دالٍ على كل ذلك العالم, لما هي من قطرٍ فالقيٍ فارقْ – يصل الماضي بالحاضر دنوّاً الى مشارف المستقبل, قمينٌ لا بتثبيت هوية سوريا العربية – ضرورةً وانتماءً – فحسب، بل وبجلوِ شوائب لحقت بمفهومها, هي منها براء.

والله أعلم

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى