ثقافة وفنموضوعات رئيسية

كتاب برهان غليون عن “العطب” في الثورة السورية

منذ أن صدر كتاب برهان غليون «عطب الذات» (عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر – بيروت)، ومقالات النقد والأخذ والرد حوله لا تتوقف، ومعظمها يتركز على النواحي الشخصية، وتكرار المكرر، من دون الولوج إلى فحوى الكتاب وتوصيف وتحليل لتجربة الثورة السورية، والكثيفة والمكثفة التي حوتها صفحات الكتاب الـ 500 التي يقدمها كعمل نقدي نابع من تجربة شخصية على المستوى المعرفي والعملي، وتمكن من أدوات النقد والبحث العلمي، في آن معا.

ويعتبر خروج برهان غليون عن صمته ــ للحديث عن مسيرة الثورة السورية، والمرحلة الأشد خطورة في تاريخ سورية الحديث بعد معركة ميسلون والاستقلال ــ هو في الدرجة الأولى مكسب للباحثين في الشأن السوري. بحيث يقوم في كتابه بعملية مسح للذاكرة، واستعراض للأحداث، مرتكزا على أسس علمية، بلغة أدبية رفيعة، مما يقرب القارئ من الأحداث المأسوية التي عصفت بسورية، وثورة شعبها. والتي كانت في بعض تفاصيلها أقرب إلى العبث واللامعقول. وهل هناك عبث أكثر من جواب وزير الخارجية الأميركي جون كيري لدى لقائه وفداً من «المجلس الوطني»، وقد طلبوا منه تدخل أميركا لوضع حد لتغول النظام، واستخدامه البراميل المتفجرة، ووقف معادلة «الجوع أو الركوع»، فقال للوفد متسائلاً: «ماذا نقدم للأسد مقابل ذلك…؟!».

يأتي الكتاب وسط حالة من خيبات الأمل لملايين السوريين الذين حلموا يوما بالحرية، والخلاص من الإذلال والمهانة، فتوهموا أن سقوط نظام دمشق سيكون بالسهولة نفسها التي كان عليها سقوط النظامين التونسي والمصري. ويطرح غليون أسئلة كثيرة تتعلق بأهم المفاصل التي كان لها تأثيراتها في الثورة السورية ومساراتها، كالعلاقة مع المحيط العربي، وأميركا، والمجتمع الدولي، وتركيا. وحول تحييد الإيرانيين والروس. وكذلك انتقال الثورة السلمية بامتياز إلى حركة مسلحة. ومن ثم سيطرة الجهاديين عليها، ورفع شعاراتهم. والعلاقة بين أطراف المجلس الوطني، وهيئة التنسيق، والصراعات الدولية على الأرض السورية الخ… غائصا في الأسباب، موضحا ذلك، وملقيا بأقلامه لعل آخرين يلقون بأقلامهم أيضا، فتنشط ساحة النقد. وبالتالي تنجح هذه الثورة حيث أخفقت كثير من الثورات قبلها.

في وطننا العربي الذي لم يتعود سياسيوه وأنظمته وأحزابه وحركاته السياسية على النقد الذاتي، ينطلق المؤلف من أهم حدث سياسي في الثورة السورية، وهو تشكيل «المجلس الوطني»، الذي كاد أن يكون حينها بديلا للنظام، والعمود الفقري للثورة. فينقل للقارئ كثيرا مما دار في كواليسه وصراعات المشاركين فيه، وكثيرا من تفاصيل اللقاءات مع مسؤولين وساسة حول العالم. ويوفّر على كثيرين عناء البحث والتفتيش عن «السوس» الذي نخر عظم الثورة، فكانت المتاهة والعطب للذات كما يسميه. واصفا تكوين المجلس الوطني: «والواقع أن المجلس الوطني ولد بما يشبه العملية القيصرية، وألصقت أطرافه بقوة الضغط الشعبي، ولكنها لم تقبل بعضها ولم تنسجم أبدا. كما زخر بالشخصيات المضطربة والمحبطة والمغرقة في الذاتية في تصوراتها لدورها ومكانتها».

يدخل غليون من البوابة الخاصة، ليطل على القضية الكبرى وإرهاصاتها التي بدأت في نهاية تسعينات القرن الماضي مع ربيع دمشق الذي فتح أبوابا كانت موصدة بأقفال من حديد. فيحدثنا عن إسهاماته في ذلك الربيع. ويضع أصابعه على الجروح عندما يقرر أن الإسلاميين ملأوا فراغا أخفقت في ملئه النخب والطبقة السياسية المفككة والمفتقرة إلى هوية جامعة. وأن الإسلاميين لم يكونوا قادرين على بلورة أجندة واحدة، ولا التفكير في استراتيجية مشتركة موحدة، وأن انقسامهم أقوى من انقسام اليسار بأطيافه كافة، موضحا أن الحركة الشعبوية الإسلامية اختطفت الثورة، ودخلت إلى ساحتها من حيث لا يتوقع أحد، وهو باب الطائفية والمذهبية البغيضة التي كانت ألد أعداء الثورة السورية، فغدت بالتالي حليفا غير معلن للنظام، مؤكدا أن التنظيمات الجهادية لم تكن جزءا من قوى الثورة السورية ولكنها كانت نقيضها وخصمها… طبعا من دون أن ينسى الطرف المقابل وهم الحداثيون الذين يعتبرهم مكونين من عناصر معلقة على سطح المجتمع بلا جذور ولا تفاعلات قوية مع أي طبقة من طبقاته باستثناء العلاقات الفردية.

ومما يضفي على الكتاب أهمية أنه لا يأتي من خانة الذكريات بعدما يكون قد عفا عليها الزمن، بل خرج في وقت ما زالت فيه أعمدة الدخان تتصاعد من حرائق مشتعلة على التراب السوري. ولكون الكاتب يقف في نقده على المسافة نفسها من الجميع، فلا يدافع عن أحد ولا يدخل إلى حديقة إعجابه أحداً، بل أتت عباراته وسطوره كجلدات يتلقاها الجميع بلا استثناء، المشاركون، والمعتكفون، والمتفرجون. ويُحمِّل الجميع المسؤولية، ويحملها معهم. وأيضا في إفصاحه عن الأسماء التي أسهمت في الأحداث التي يعرض لها، وهي أسماء ما زالت على قيد الحياة، تستطيع أن ترد أو تواجه كلامه… فالكتاب حمل في طيات سطوره كثيرا من الصراحة الفجة والمؤلمة، إلا أنه لم يخل من ديبلوماسية تترك الأبواب مفتوحة، لأن الثورة السورية لم تنته بعد، والذي خسر الساحة هم العسكر والساسة الذين أسهموا في عسكرة الثورة وبنوا آمالا وأحلاما لكي يقفزوا على دماء الشهداء إلى مواقع الصدارة.

يقوم غليون بتعرية الجميع دون استثناء، ويكشف مدى تعمق الشخصانية، وكذب ونفاق الأحزاب ورهط المعارضة، ويعرض للحظات الألم الناتجة عن الجدالات البيزنطية بين قادة المعارضة ومدعي زعاماتها، وكيفية إغداقهم الوعود التي يسحبونها قبل أن يجف حبرها لأسباب واهية… «وكل منهم يريد أن يحصد قبل أن يزرع، أو يستثمر خوفاً من أن يصب ذلك في حساب خصمه، شريكه. أما “الشخصيات الوطنية”، فلا يقبل واحدها بوحدة المعارضة ويشارك في جهودها ما لم يضمن لنفسه مسبقا موقعا قياديا بارزا فيها، وإلا فالأفضل البقاء خارجها أن لم يكن ضدها». ليصل من خلال ذلك إلى أن هذه الثورة أظهرت كل تناقضات المجتمع السوري وخلافاته حتى على المفاهيم الأساسية من وطن ومواطن ودولة ونظام وديموقراطية…

وفي الختام يصل غليون في كتابه إلى نتيجة عرفها كل المناضلين عبر التاريخ، وهي أن الثورات لا تنهزم بسبب قوة وبطش وذكاء عدوها الذي تسعى إلى تغييره. بل بسبب صراعها الداخلي، وفشلها في بلورة أفكارها المدنية السامية والإنسانية وفي أن تجمع شملها في مشروع الوطن للجميع، وأيضا بسبب بيعها جلد الدب قبل اصطياده، ليبقى السؤال الذي يلح على القارئ بقوة وهو يقلب صفحات الكتاب:

«هل لا تزال هناك فرصة لإنقاذ الشعب السوري واستعادة سورية…؟ أم أن الثورة قد انتهت، وتبدد معها حلم الحرية والديموقراطية…؟».

الإجابة على هذا السؤال والأسئلة الأخرى الكثيرة التي يطرحها الكتاب متروكة للأيام وتتابع الأحداث فهي الكفيلة بالإجابة.

خالد بريش – كاتب لبناني مقيم في باريس. والمقال للحياة

الوسوم
العودة إلى الصفحة الرئيسية

اقرأ أيضا في هذا القسم