ثقافة وفنموضوعات رئيسية

“قاع البلد”.. الواقع والسيرة والأسطورة الكنعانية والعربية الفلسطينية

 دمشق – أمينة عباس

احتفى فرع دمشق لاتحاد الكتّاب العرب بالتعاون مع الاتحاد العام للكتّاب والصحفيين الفلسطينيين مؤخراً بالكاتب الفلسطيني صبحي فحماوي الذي حلّ ضيفاً على مدينة دمشق من خلال ندوة عقدها في مقر الاتحاد بإدارة الإعلامي ملهم الصالح، حملتْ عنوان “قراءات في التجربة السردية”، وشارك فيها أستاذ الأدب الحديث في جامعة حلب د. محمد حسن عبد المحسن والناقد أحمد علي هلال، وصبحي فحماوي يكتب القصة والرواية والمسرح وهو غزير الإنتاج، في رصيده نحو 41 كتاباً كان آخرها رواية “هاني بعل الكنعاني” التي صدرت حديثاً.

“قاع البلد” في عشر ليال

اختار د. عبد المحسن رواية “قاع البلد”، مؤكداً أنها عمل فني يستحق الدراسة، وقد سلّط فحماوي فيه الضوء على الجانب الإنساني والعاطفي من حياة الإنسان العادي، ورصد لنا معاناة شخصية الرواية؛ الهربيد وأسرته برؤية صادقة وحسّ مرهف، وقد أدرك عبر إبداعه الأدبي أهمية التواصل مع تراثه العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً متعاملاً مع المكان (فلسطين) بحريّة نابعة من عشقه لكل جزئياته، وتقصيه لمعظم الحوادث في الداخل الفلسطيني وخارجه، وتفاعله إلى أقصى حدّ مع القضية الفلسطينية. وبيّن عبد المحسن أن فحماوي اهتم بالوصف الحسي المادي في روايته “قاع البلد” مما أثار الحواس الخمس لدى القرّاء، وزيّن المكان “فلسطين” بجملة قيمٍ لا تشيخ، وعُني بتصوير تفاصيل دقيقة تشدّ الاهتمام، من مثل حرب تهجير البقية الباقية من فلسطين والتي عمّت نيرانها في حزيران النكسة عام 1967، مؤكداً أن أجمل ما اعتمده فحماوي في أسلوبه الجمع بين الأضداد، والسخرية والتهكّم مكثراً في روايته من الصور الفنية والتشبيهات والاستعارات والكنايات، والتي اتّسمت في الغالب الأعم بالبساطة وسهولة الفهم، وذلك مما يسيّر سياقاتها الفنية ويقرب أمورها الاجتماعية والنفسية إلى نفس الملتقي، وهذا ما جعل الرواية برأيه أكثر تألقاً وجمالاً وأكثر تأثيراً في النفس الإنسانية وفي العقل الإنساني عبر مشاهد حوارية، موضحاً أن المكان جزء مهمّ في الرواية وحامل قيم، ولا بد من أن يخضع لآليات الخطاب الروائي الذي يرتبط عادةً بالثقافة العامة لكل أمة من جهة وبالثقافة الفريدة من جهة أخرى، فقيمة المكان مقدّسة عند الفرد المنتمي إليه خصوصاً لما يحمله من ذكريات وانفعالات وحوادث معينة مرتبطة بفرح أو حزن أو ألم أو مناسبة.

ونوه عبد المحسن بأن فحماوي وظّف المكان بهدف فكري ولم يقدّمه كما هو إنما أعطاه قيمة فنية وفكرية فاعلة ليخدم عمله الأدبي، وأن أبرز تداعيات السرد في الزمان والمكان عند الروائي هي: الارتداد إلى الماضي واسترجاعه بكلّ ما فيه من مواقف إنسانية، والإشارة إلى الأحداث الكبرى التي انفعلت بها نفس شخصيته الرئيسية في الرواية (الهربيد)، وقد فعل ذلك فحماوي في روايته معتمداً برأيه لغة سهلة وأسلوباً سردياً يترك مساحات فارغة ليتمكّن المتلقي من ملئها بخياله دون أن تخلو الرواية من مصطلحات عميقة وعبارات فلسفية تدعو إلى التفكر والتأمل في أعماق مفردات الرواية وتعبيراتها لتكون فرصة للتأمل في الذات والدوافع والرغبات. كما بيّن عبد المحسن أن روايات فحماوي عموماً فيها نوع من التداخل بين متطلبات القضية الفلسطينية وتطلعاته المستقبلية لأبنائها وميوله إلى معالجة قضايا الواقع الراهن ووعيه لأهمية إتقان الشكل الفني للرواية، حيث أقام روايته “قاع البلد” على عشر ليالٍ، لكل منها أحداثها التي تشكّل حكايات مدهشة تتناول موقفاً أو حدثاً أو أنموذجاً من الحياة المعيشية أو من التراث الفلسطيني والعربي الحافل بنماذج إنسانية مختلفة، فجاءت الرواية برأيه متوثبة بالحركة والغنى بالصور والتجارب والخبرات والأحداث التراثية التي تتفاعل مع الشخصيات والأحداث المعاصرة من خلال حوارات العامّة وحكاياتهم.

حدائق شائكة.. من السيرة إلى الرواية

وتوقف الناقد أحمد علي هلال عند رواية “حدائق شائكة” التي لم ينشغل الكاتب فيها بالتقنيات الشكلية وإنما بقضيته لينتصر إلى الشرط الإنساني وشؤون القضية الفلسطينية وواجب العودة، مؤكداً أن مشروع فحماوي الروائي قائم على إبقاء القضية مشتعلة بالذاكرة واستدراكه للموروث الشعبي الفلسطيني وتأريخ تحولاتها، مشيراً إلى أن “حدائق شائكة” تجهر بالتغيّر في الثقافة والمزاج الجماهيري، وأكثر من ذلك بصراع الخير والشر، وكذلك بالنقاش والحوار الذي تثريه الرواية كقيمة مضافة، تحمل ثيمة الاستشراف والتنبؤ لتغدو بنسيجها الروائي الواقعي، وبمتخيل مقتصد مدونة عمل عليها الروائي فحماوي معتمدة على معطيات مكتنزة بمرجعيات دالة وامتزاج الشفوي بالقصصي وبنزوع إحيائي للأمثال الشعبية، ومقبوسات الأغاني ومدى تواشجها بدينامية السرد. وأوضح الناقد هلال أن الرواية بما تعكسه من رؤيا في الواقع ستنتظم المحكيات فيها بكل ما انطوت عليه فنيتها ومفارقاتها وحسّ السخرية والطرافة الذي تتمتّع به شخصية الرواية وأقنعة المؤلف الشاهد على التحولات والمصائر، وهذا ما يجعل من سردية فحماوي أرضاً خصبة لحدائقه المعلّقة وليس الشائكة فحسب بنزهاتها المعرفية والجغرافية ربطاً بتحولات القضية الفلسطينية ومصائرها، إذ أن الواقع هنا في الرواية برأيه واقع آخر يشي بالتماثل والاختلاف الذي يقوم به الروائي تخصيباً للقضية عبر مداخل مجتمعية افتراضية لكنها أكثر التصاقاً بالواقع من أجل إحراز رؤية نقدية به، لتشكل الرواية علامة في تجربة الروائي فحماوي بواقعيتها وأسطورتها، فإرم ذات العماد المدينة الأسطورية المتخيلة والتي يحتمي بها الفلسطينيون انتظاراً لعودتهم لفلسطين، تتكامل فيها حكايات الروائي بما فيها من سيرة ليس لجهر الروائي بأعمال هندسة الحدائق لكبار رجال الأعمال بل بما أورده من أقوال: “الأشجار والنباتات هي عالمي الساحر المفضّل، فأنا أعشق الأشجار والنباتات كونها جميلة البهاء ومسالمة ولا تحمل حقد الإنسان وضغائن باقي الحيوانات المحشوة كروسوماتها بالكراهية”. وأكد أحمد علي هلال أن “حدائق شائكة” مشروع روائي زاخر بالعلامات والمغامرات السردية في سياق من اشتغالات فكرية واجتماعية وثقافية لصبحي فحماوي.

وفحماوي من مواليد أم الزينات /حيفا، كاتب وروائي فلسطيني المولد أردني الجنسية، إجازة في الهندسة الزراعية من جامعة الإسكندرية، دبلوم دراسات عليا في هندسة الحدائق من جامعة ولاية كاليفورنيا في لوس أنجلوس، حاز على العديد من الجوائز نذكر منها: جائزة الطيب صالح عام 2014 عن مسرحية حاتم الطائي المومياء، والجائزة الأولى في التأليف المسرحي من جامعة الإسكندرية على مسرحية بعنوان”ثورة فلاحين” وكانت تجربته الروائية والكتابية بشكل عام محطّ انتباه العديد من الدارسين والمهتمين وطلاب الدكتوراه والماجستير.

المصدر

العودة إلى الصفحة الرئيسية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى